إلى أي مدى تستطيع الانتخابات أن تغيّر السياسة الخارجية للدول؟ تحظى السياسة الخارجية أحيانا بأهمية حاسمة في الانتخابات الديمقراطية. ففي عام 1952 تعهّد دوايت أيزنهاور بإنهاء الحرب الكورية، ونجح في التوصل إلى هدنة بعد فترة وجيزة من توليه الرئاسة.
وفي عام 2019 رفع بوريس جونسون شعار "إنجاز خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي"، ووقّع اتفاق الخروج بعد ستة أسابيع من فوزه بالأغلبية البرلمانية. غير أن هذه الحالات تبقى استثناءات، إذ غالبا ما يكون تأثير الانتخابات في السياسة الخارجية محدودا.
فهل ينطبق ذلك على الانتخابات المهمة التي يشهدها وشهدها عام 2026؟ يعوّل كثيرون على نتائج الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة لإحداث تحول في سياساتهما الخارجية، لكن التجارب التاريخية لا تشجع على توقع تغييرات جذرية.
وحتى في دول شهدت مؤخرا هزيمة قادة أمضوا سنوات طويلة في الحكم، مثل صربيا والمجر، يُرجّح أن تقتصر التغييرات على تعديلات محسوبة، بعيدا عن التحولات الكبرى.
الأولويات الداخلية والقيود البنيوية
يقدّم الباحثون تفسيرين رئيسين لمحدودية تأثير الانتخابات في السياسة الخارجية. أولها أن القضايا الخارجية نادرا ما تتصدر اهتمامات الناخبين.
فمنذ عقود، يؤكد علماء السياسة أن معظم الناخبين يقدّمون الأولويات الاقتصادية والاجتماعية على اعتبارات السياسة الخارجية. وحتى عندما تنتهج حكومة ما سياسة خارجية تثير استياء شعبيا واسعا، فإن نجاحاتها الداخلية قد تكفي لضمان إعادة انتخابها.
ولعل فوز توني بلير في انتخابات عام 2005 من أبرز الأمثلة، رغم المعارضة الواسعة للحرب التي شنّها على العراق قبل عامين.
أما التفسير الثاني فيتعلق بالحكومات الجديدة نفسها، التي قد لا ترغب في إحداث تغييرات جوهرية في السياسة الخارجية، أو تجد صعوبة في تحقيقها.

ويرى علماء العلاقات الدولية، ولا سيما أنصار المدرسة الواقعية، أن مصالح الدول في السياسة الخارجية تتسم بقدر كبير من الثبات، ولذلك يميل القادة الجدد إلى تعديل سياسات أسلافهم بدلا من التخلي عنها.
ففي اليابان، مثلا، من المرجح أن يرى أي قائد يصل إلى السلطة أن مصالح طوكيو الدولية تتمحور حول التحالف مع الولايات المتحدة، والحذر من الصين، والتصدي لكوريا الشمالية. وقد تدخل حكومة جديدة بعض التعديلات على هذه السياسات، كالسعي إلى انفراج مع بكين أو انتهاج سياسة أكثر استقلالا عن واشنطن، لكنها ستظل، على الأرجح، ضمن حدود ما تعتبره اليابان مصالحها الأساسية.
وحتى عندما تتوافر لدى الحكومات الجديدة الرغبة في إحداث تحولات أوسع في السياسة الخارجية، فإنها تصطدم بعوائق بنيوية يصعب تجاوزها. فالمنظومات الأمنية والاقتصادية للدول ترتبط ارتباطا وثيقا بتحالفات وخصومات ترسخت على مدى عقود، وقد يستغرق تفكيك هذه الروابط سنوات طويلة وسط مقاومة شديدة. وفي المقابل، يكون التغيير الداخلي أيسر نسبيا، ولا سيما عندما تستند الحكومة الجديدة إلى تفويض انتخابي حديث. ولهذا غالبا ما تنصرف الحكومات إلى معالجة شؤونها الداخلية قبل الالتفات إلى إعادة رسم سياساتها الخارجية.


