روسيا في أفغانستان... من مرارة الانسحاب إلى التحالف مع "طالبان"

لا يزال بوتين يستشعر مرارة الهزائم الأخيرة التي مني بها حلفاؤه في دول مثل سوريا ومالي

رويترز
رويترز
عنصر من قوات الأمن الأفغانية يراقب الأوضاع بينما يجلس داخل مركبة عسكرية في قاعدة باغرام الجوية الأميركية -التي كانت تستخدمها القوات الأميركية- في مقاطعة باروان بأفغانستان، 5 يوليو 2021

روسيا في أفغانستان... من مرارة الانسحاب إلى التحالف مع "طالبان"

في فبراير/شباط 1989، حين عبر آخر جندي في الجيش السوفياتي جسر الصداقة فوق نهر آمو داريا، عائدا إلى أوزبكستان السوفياتية، لم يكن أحد يتوقع أن يشهد أبناء ذلك الجيل عودة الروس إلى أفغانستان، ولا سيما أن البعض عزا انهيار الاتحاد السوفياتي إلى قراره الكارثي بخوض حرب في أفغانستان انتهت من دون طائل. ودفع ذلك صحفا مثل "وول ستريت جورنال" إلى وصف المقاتل أحمد شاه مسعود بأنه "الأفغاني الذي انتصر في الحرب الباردة".

واليوم عاد الروس إلى أفغانستان، وهم يتحولون سريعا إلى أكبر داعم عسكري ودبلوماسي لنظام "طالبان"، الذي لا تعترف به رسميا حكومة لأفغانستان أي عاصمة في العالم سوى موسكو. وتستغل روسيا أيضا الحرب في إيران لتوثيق ارتباط أفغانستان بالمحور الإيراني-الصيني، الذي تعوّل عليه موسكو في مواجهة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو). كذلك تستخدم نفوذها في جمهوريات آسيا الوسطى لحمل أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان على زيادة استثماراتها في أفغانستان وتوسيع تعاونها مع "طالبان".

وبالنسبة إلى روس من أمثال الرئيس فلاديمير بوتين، الذي كان آنذاك ضابطا شابا في جهاز الاستخبارات السوفياتي، مثّلت أفغانستان ذروة الإهانة. واليوم، فيما تخوض روسيا حربا في أوكرانيا وينشغل سائر العالم بأحداث غزة والخليج، عاد الجيش الروسي بهدوء إلى أفغانستان، وأبرم اتفاقا دفاعيا جديدا مع حركة "طالبان" الحاكمة لتدريب قوات كابل وتجهيزها. وتنفرد موسكو بالفعل بالاعتراف الرسمي بـ"طالبان" حكومة شرعية لأفغانستان.

رويترز
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يستقبل وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي خلال اجتماع "صيغة موسكو" للتشاور بشأن أفغانستان في موسكو، روسيا، 5 أكتوبر 2026

ويتساءل بعض المحللين عما إذا كانت روسيا تحاول إحياء هاجسها القديم، العائد إلى القرن الثامن عشر، باستخدام أفغانستان للتأثير في شؤون أوراسيا. فمن كتاب "اللعبة الكبرى" لبيتر هوبكيرك إلى رواية "كيم" لروديارد كيبلينغ، تزخر الأدبيات البريطانية عن الحقبة الاستعمارية بروايات الصراع بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية في أفغانستان، حين كانت الهند درة التاج البريطاني التي يطمع فيها الروس. وبين عامي 1853 و1856، حارب البريطانيون والعثمانيون والفرنسيون الروس في شبه جزيرة القرم، الواقعة في الأراضي الأوكرانية المحتلة.

الخروج القسري

لا شك أن بوتين، الشغوف بدراسة التاريخ، قد تأمل مليا تاريخ بلاده في أفغانستان. ولعل عودة موسكو بعد 37 عاما تأتي باستراتيجية جديدة لصرف أنظار القوى الغربية. وحتى الآن، لا يبدو أن الأميركيين والبريطانيين يولون الأمر اهتماما، مع أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب معروف باهتمامه بقاعدة باغرام الجوية القريبة من كابل، التي بناها السوفيات ثم حدّثها الأميركيون واستخدموها حتى أغسطس/آب 2021. وقد أعلن ترمب أنه يريد استعادتها لاستخدامها ضد الصين إذا اقتضت الضرورة.

مع أن "طالبان" لا تجد أنصارا لأيديولوجيتها في منطقة تنفر من الأصولية، فإن البرغماتية وحسابات السياسة الواقعية تحكمان العلاقات معها. فلا روسيا ولا الصين تريدان لأفغانستان أن تعود إلى الفلك الأميركي

وكما أُجبر السوفيات على مغادرة أفغانستان عام 1989، أُجبر الأميركيون على مغادرتها عام 2021. ويحيط بترمب مسؤولون عسكريون يستشعرون مرارة هذه الخسارة، مثلما استشعر ضباط من أمثال بوتين عار الانسحاب السوفياتي. وبالنسبة إلى هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي، وهما من أبرز منظّري الاستراتيجية الجيوسياسية الأميركية في القرن العشرين، فإن جوهر المسألة يكمن في الجغرافيا وموقع أفغانستان بالنسبة إلى روسيا والصين. فقد رأيا أن السيطرة الأميركية على أفغانستان ضرورية للتأثير في ما سمّياه "رقعة الشطرنج الأوراسية" في آسيا الوسطى.

وعلى المنوال نفسه فكّر منظّرون عسكريون بريطانيون في القرن التاسع عشر، من أمثال هالفورد ماكيندر وتوماس هولدريتش، فرسموا خريطة أفغانستان لإبقاء الإمبراطورية الروسية بعيدا عن الإمبراطورية البريطانية. وبعد قرنين، حضرت الاعتبارات نفسها في الحرب الباردة، وخلّدها في المخيلة الشعبية فيلم "حرب تشارلي ويلسون"، الذي عُرض عام 2007، من بطولة توم هانكس وجوليا روبرتس. ويروي الفيلم قصة سياسي أميركي يعمل بعيدا عن الأضواء مع وكالة الاستخبارات المركزية لتمويل الأفغان الذين يقاتلون السوفيات وتسليحهم. وقد استحضر ميلت بيردن، الضابط الحائز أوسمة في وكالة الاستخبارات المركزية، والذي عمل مستشارا للفيلم، دروس التاريخ للتحذير من مغبة تجاهل أفغانستان.

مؤشرات تنذر بالخطر

وفقا لتقارير الأمم المتحدة وتحليلات استخباراتية تستند إلى مصادر مفتوحة، تعود "طالبان" إلى إيواء جماعات إرهابية، على غرار إيوائها تنظيم "القاعدة" في الفترة التي سبقت هجمات 11 سبتمبر/أيلول. وعلى الصعيد الاقتصادي، تعد الصين اليوم أكبر مستثمر في أفغانستان. وتريد موسكو وبكين، اللتان تهيمنان على مجموعة بريكس، أن تستثمر في أفغانستان أيضا دول من آسيا الوسطى، مثل تركمانستان وكازاخستان.

أ.ف.ب
دبابة عسكرية من الحقبة السوفيتية في أحد ميادين كابول، في 13 أغسطس 2026

ومع أن "طالبان" لا تجد أنصارا لأيديولوجيتها في منطقة تنفر من الأصولية، فإن البرغماتية وحسابات السياسة الواقعية تحكمان العلاقات معها. فلا روسيا ولا الصين تريدان لأفغانستان أن تعود إلى الفلك الأميركي. وتأمل موسكو، من خلال اعترافها بحكم "طالبان"، ثم إبرامها مؤخرا اتفاقا دفاعيا مع كابل، أن تكون قد سبقت واشنطن بخطوة في "اللعبة الكبرى" التي تناولها هوبكيرك.

وحملت الزيارة الأخيرة لرئيس الاستخبارات الروسية إلى كابل أيضا رسالة إلى الأتراك والقطريين، الذين أوفدوا رئيسي استخباراتهم قبل ذلك بأسابيع للتوسط مع باكستان والتصدي للنفوذ الإيراني. وتسعى موسكو إلى ضمان أن تكون لها الكلمة الفصل في الشؤون الدبلوماسية الأفغانية، سواء تعلقت بإيران أم تركيا أم قطر أم باكستان. كذلك تستخدم روسيا الأراضي الأفغانية ممرا بريا لإمداد إيران، مستعينة بقواعدها في طاجيكستان وبالممر الصيني الممتد من أفغانستان إلى إيران.

ولا يزال بوتين يستشعر مرارة الهزائم الأخيرة التي مني بها حلفاؤه في دول مثل سوريا ومالي، فيما يراوح الجيش الروسي مكانه في أوكرانيا. وبعودتها إلى أفغانستان، تسلك روسيا مجددا دروبا تعرفها منذ قرنين. أما ما إذا كان التاريخ سيعيد نفسه، فالأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

font change