ترمب بين هزيمة الداخل وحسم حرب إيران

وسط ضغوط داخلية متصاعدة وخيارات دبلوماسية وعسكرية محفوفة بالمخاطر

سارة بادوفان
سارة بادوفان

ترمب بين هزيمة الداخل وحسم حرب إيران

كان اجتياحاً انتخابياً ديمقراطياً كاسحاً وضع مجلسَي الكونغرس، النواب والشيوخ، في يد الحزب الديمقراطي، بعدما حقق انتصاراً كبيراً على الجمهوريين. ففي مجلس الشيوخ، وصل الديمقراطيون إلى 54 مقعداً مقابل 46 للجمهوريين، وفق الأرقام الواردة في النتائج المتداولة. وكان الانتصار الانتخابي أكثر وضوحاً في مجلس النواب، (238 مقابل 198 عضواً) حيث حقق الديمقراطيون أغلبية كبيرة أيضاً.

ليس اللافت فقط حجم الانتصار الانتخابي الديمقراطي، وإنما أيضاً رد فعل الرئيس دونالد ترمب تجاه هذا الانتصار، الذي اتسم بقدر غير معتاد من البرغماتية والتصالح مع الحقائق السياسية الصعبة. فقد أقرّ بالهزيمة الجمهورية، وهنّأ الديمقراطيين الفائزين، واعترف بأن حرب إيران كانت أحد أسباب الخسارة الجمهورية، وأبدى استعداده للتعاون مع الديمقراطيين، مع تأكيده أنه لن يتردد في استخدام حق النقض الرئاسي (الفيتو) ضد التشريعات التي يعارضها.

قد تعبر كلمات ترمب المُهادنة هذه عن شكل المرحلة المقبلة في التعاطي مع الملفات الداخلية بين الحزبين من خلال ترجيح المساومات على المواجهات، حتى مع استمرار قدر ما من هذه الأخيرة في ظل نظام ديمقراطي تحركه الخلافات وكيفية إدارتها. السبب في هذه المهادنة هو حاجة الحزبين لتقديم إنجازات لجمهورهما وذلك استعداداً لخوض الانتخابات الرئاسية في عام 2028. وبالتالي فإن النزوع المُغري بتسجيل النقاط أحدهما ضد الآخر سيكلفهما كثيراً في هذه الانتخابات.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تجمع انتخابي ضمن انتخابات التجديد النصفي في مركز "فايف فلاغز" في دوبوك بولاية آيوا، وذلك في الأول من نوفمبر 2026

تتضمن بعض القضايا التي سيركز عليها الديمقراطيون استعادة الدعم المالي للفئات الفقيرة ومتوسطة الدخل للحصول على الرعاية الصحية، وهو الدعم الذي فقدته هذه الفئات بسبب قانون مهم وضخم تبناه ترمب بقوة واعتبره عنواناً لرئاسته الثانية. قَدّم الجمهوريون عبر هذا القانون- المعروف باسم "القانون الجميل والكبير"- استقطاعات ضريبية كبيرة للأغنياء من أرباب الشركات وأضعفوا عبره قانون الرعاية الصحية من عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي يستفيد منه محدودو الدخل. لكن تعديل هذا القانون يحتاج إمرار قانون آخر سيُواجه على الأكثر "فيتو الرئيس"، وهو ما سيدفع الديمقراطيين، على الأكثر، لإيجاد حلول وسط كما في القبول بإمرار قانون يهم الجمهوريين كثيراً، ويتحفظ عليه الديمقراطيون، لرفع سقف الدين العمومي كي تستطيع الإدارة استدانة الأموال لتمويل الحكومة الاتحادية ومنع إغلاقها في غضون شهور قليلة مقبلة.

مؤخراً، قبل الخسارة الانتخابية وبعدها، بدأت تظهر في خطابات الرجل ترجيحات بأن الحل السلمي يقترب من خلال الوساطة القطرية التي قدمت إيران عبرها بعض التنازلات

مع ذلك، لن يتوانى الديمقراطيون عن الاستفادة من أغلبيتهم في مجلس النواب، خصوصاً ترؤس اللجان فيه، لفتح ملفات تحرج ترمب وتضعف فرص الجمهوريين في انتخابات 2028، كتلك المتعلقة بشبهات الفساد المالي للرئيس وعائلته عبر استفادتهما من مؤسسات الدولة لتحقيق أرباح شخصية، وملف جيفري إبستين بخصوص الاستغلال الجنسي للأطفال الذي يُشك واسعاً أن لترمب حضورا فيه يجري التستر عليه في ظل هذه الإدارة.

أما في الملفات الخارجية، فستبقى سلطة الرئيس عليها كبيرة من دون قدرة جدية للديمقراطيين لتقويضها، حتى مع سعيهم لإثارة أسئلة مزعجة للإدارة بخصوص كيفية إدارتها لهذه الملفات. بهذا الصدد، يتعلق الملف الأهم بالحرب ضد إيران، ففي ظل استفادة الديمقراطيين من شن هذه الحرب وإدراتها السيئة من جانب ترمب، سيتواصل النقد الديمقراطي، هذه المرة من موقع هيمنة برلمانية وليس معارضة أقلية كما كان في السابق، ضد استمرار هذه الحرب والضغط على ترمب لإنهائها.

رويترز
فائزون من الحزب الديمقراطي يحتفلون بفوزهم في ليلة الانتخابات النصفية الأميركية، في مانهاتن بمدينة نيويورك، في 3 نوفمبر 2026

ليس ثمة ما يوحي بأن ترمب سيتراجع عن نهجه الحالي للاستمرار في هذه الحرب وحسمها سواء بالوسائل الدبلوماسية أو العسكرية أو بخليط من الاثنين. كان هذا واضحاً حتى من كلمات الرجل بعد إعلان الهزيمة الانتخابية الجمهورية، فرغم إقراره بأن الحرب كانت أحد أسباب الخسارة الانتخابية، أصر ترمب على أن ما قام به بخصوص إيران صحيح وضروري للولايات المتحدة على المدى الطويل (وله تأكيدات شبيهة ومتكررة بهذا الصدد في أثناء الحملة الانتخابية).

ما الخيارات المتاحة لترمب بشأن الحرب؟

مؤخراً، قبل الخسارة الانتخابية وبعدها، بدأت تظهر في خطابات الرجل ترجيحات بأن الحل السلمي يقترب من خلال الوساطة القطرية التي قدمت إيران عبرها بعض التنازلات مثل تجاوز ملف مضيق هرمز والذهاب مباشرةً إلى التفاوض بخصوص الملف النووي.

وما تزال نوعية التنازلات التي يمكن أن يقدمها الإيرانيون وتقنع ترمب بحل تفاوضي قريب غير واضحة وغير مؤكدة، في ظل تضارب الإعلانات الرسمية الإيرانية (مثل أهمية تلبية شروط إيران السبعة لبدء التفاوض، كما صرح مؤخراً الجنرال محسن رضائي، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني).

من المنطقي أن يفضل ترمب القيام بهذا العمل العسكري في وقت ما خلال الستين يوماً المقبلة، وذلك قبل أن تبدأ الأغلبية الديمقراطية ممارسة صلاحياتها البرلمانية مطلع شهر يناير المقبل

ومع ذلك، ليس أمام ترمب الكثير من الوقت الذي يقضيه في انتظار تنازلات إيرانية، أو في الذهاب إلى تفاوض مباشر يستغرق طويلاً بنتائج متواضعة وغير راسخة، كما كان الحال في التفاوض الطويل والمرهق الذي أنتج مذكرة التفاهم بين الطرفين في أبريل/نيسان الماضي وهي المذكرة التي لم تصمد طويلا ولم تفضِ إلى الحل المطلوب، ويبدو أن الأحداث قد تجاوزتها الآن.

في ظل الحقائق الجديدة التي أفرزها الفوز الانتخابي الديمقراطي، لا يرغب الرئيس ترمب، لأسباب مفهومة، أن يمنح الديمقراطيين، من موقع هيمنتهم على لجان الكونغرس، قضية يفتحون عبرها أمام الرأي العام الأميركي ملفات الإدارة السيئة لهذه الحرب، وتسليط الضوء على عواقبها الاقتصادية السلبية والمفتوحة. ثم هناك رغبة الإدارة بأن لا تستنفد ما تبقى لديها من رأسمال سياسي آخذ بالتناقص الحاد على حرب لا دعم شعبيا داخليا لها، لكنها ضرورية لتركة الرئيس ترمب الذي كرّر إصراره على أنه لن يورث ملف إيران لإدارة مقبلة، كما ورثه هو من إدارات سابقة، وذلك في إطار لومه لتلك الإدارات.

تدفع كل هذه العوامل مجتمعةً ترمب إلى حسم سريع نسبياً لهذه الحرب. يستند هذا الحسم على التعويل حالياً على المسار القطري التفاوضي لكن مع استعداد للانتقال إلى العمل العسكري إذا لم يُنتج هذا المسار النتائج السريعة المرجوة.

أ.ف.ب
مبنى الكابيتول الأميركي عند شروق الشمس في يوم انتخابات التجديد النصفي الأميركية، في واشنطن العاصمة، في 3 نوفمبر 2026

ومن المنطقي أن يفضل ترمب القيام بهذا العمل العسكري في وقت ما خلال الستين يوماً المقبلة، وذلك قبل أن تبدأ الأغلبية الديمقراطية ممارسة صلاحياتها البرلمانية مطلع شهر يناير/كانون الثاني المقبل. وحتى إذا لم يقد هذا العمل العسكري- الذي سيكون على الأكثر مشتركاً مع إسرائيل- إلى النتائج المتوخاة أميركياً، فبمقدور ترمب إنهاء هذا العمل وسحب معظم القوات الأميركية من المنطقة والاكتفاء بالحصار الاقتصادي الحالي، بحراً وبراً، ضد إيران، مع الإبقاء على ما يكفي من قوات لإدامة هذا الحصار ومواصلة تأمين مضيق هرمز. حينها سيكون الوقت عاملاً ضاغطاً بشدة على إيران وليس على إدارة ترمب، ما يدفع الجمهورية الإسلامية إلى تقديم التنازلات المطلوبة.

مثل هذا السيناريو كان موجوداً على الطاولة قبل الانتخابات النصفية بوقت طويل نسبياً، لكن النتيجة الانتخابية المُخيبة للجمهوريين ستدفع ترمب على الأكثر للإسراع بتطبيق هذا السيناريو الذي فيه نقطة ضعف رئيسة: صعوبة توقع الأفعال الإيرانية لتقويض هذا السيناريو... لحد الآن، لم تستطع إدارة ترمب أن تثبت أنها تخطط بما يكفي لاستيعاب المفاجآت الإيرانية أو سلب إيران القدرة على فتح جبهات جديدة.

font change

مقالات ذات صلة