الأميركيون لا يصوّتون بناءً على السياسة الخارجية... هل لا تزال المقولة صالحة؟

من تقييد تمويل حرب إيران إلى مراجعة الدعم لإسرائيل، يملك الديمقراطيون أدوات لمساءلة إدارة ترمب وتغيير سياستها الخارجية. فهل يترجمون رسالة الناخبين إلى أفعال؟

(إدواردو رامون/ "المجلة")
(إدواردو رامون/ "المجلة")

الأميركيون لا يصوّتون بناءً على السياسة الخارجية... هل لا تزال المقولة صالحة؟

سادت الصحافة السياسية الأميركية طويلا مقولة تكاد تعامل باعتبارها حقيقة لا تقبل الجدل، مفادها أن الناخبين في الولايات المتحدة لا يولون الشؤون الخارجية أهمية كبيرة عندما يقررون لمن يصوتون. لكن الانتصار الكاسح الذي حققه الديمقراطيون المعارضون أظهر أن هذه المقولة أبعد ما تكون عن قاعدة ثابتة.

ولست وحدي من يقول ذلك. فقد كتب جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، على وسائل التواصل الاجتماعي صباح الأربعاء، بعدما اطلع على النتائج الكارثية التي مني بها حزبه الجمهوري: "سبب خسارتنا هو الحرب. والرئيس نفسه قال ذلك الليلة الماضية... الجميع يعرف لماذا خسرنا. وأي نقاش صريح بشأن ما سنفعله من الآن فصاعدا يجب أن يبدأ من هذه النقطة".

كان فانس ينسب إلى رئيسه قدرا من الوضوح تجنب الرئيس الأميركي دونالد ترمب إظهاره بشأن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وهي حرب افتقرت إلى حسن التقدير وأسيء تنفيذها. ويرى كثير من المراقبين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان وراء اندلاع هذه الحرب إلى حد كبير. فبعد سنوات أمضاها في محاولة إقناع رؤساء أميركيين بمهاجمة إيران، وجد أخيرا في ترمب شريكا مستعدا، أو ساذجا، للمضي معه.

وبات واضحا أن حرب ترمب ونتنياهو على إيران أخفقت في تحقيق جميع أهدافها المعلنة والمتغيرة تقريبا. فلم تسقط نظام الحكم الإسلامي في إيران، ولم تقض نهائيا على طموحات طهران الإقليمية، بل ربما لم تحد منها أصلا. وما زالت إيران تسيطر إلى حد كبير على إمدادات النفط المتجهة إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز. أما حلفاؤها الحوثيون في اليمن، فهاجموا بشكل غير متوقع السعودية وغيرها من الحلفاء العرب الرئيسين للولايات المتحدة، الذين يعدون أيضا من كبار مشتري الأسلحة الأميركية.

خسائر أميركا من حرب إيران، ربما كانت العامل الأبرز في الانتخابات، إذ رفعت أسعار البنزين لمستويات أثقلت كاهل ملايين الأميركيين، واستنزفت من ذخائرها ما أضعف موقفها العسكري في مناطق حساسة مثل بحر الصين الشرقي، والتماس بين الأطلسي وروسيا

لكن خسائر الولايات المتحدة من هذه الحرب لا تقف عند ذلك. وربما كانت الحرب العامل الأبرز في الانتخابات، إذ رفعت أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات أعلى بكثير عما كانت عليه قبل اندلاعها. وقد أسهم ذلك في تأجيج التضخم ورفع أسعار الفائدة، ما أثقل كاهل عشرات الملايين من الأميركيين.

قد يقول المشككون إن ما حدث يؤكد ببساطة الحكمة القديمة القائلة إن الأميركيين لا يهتمون بالشؤون الخارجية إلا عندما تكلفهم المال، لكن هذا التمييز لا يكاد تكون له أهمية، فالناخبون لم يخطئوا في تحديد سبب معاناتهم. وكما أقر فانس نفسه، كانوا يعرفون أن الحرب هي السبب.

(رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جورج واشنطن" في بحر العرب، المشاركة في فرض حصار بحري أميركي على إيران وتوفير الحماية للسفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، 11 سبتمبر 2026

واستنزفت هذه الحرب، التي خاضتها واشنطن بمحض اختيارها ويرى كثير من الأميركيين أنها لم تكن ضرورية، كميات كبيرة من أكثر الذخائر الأميركية تطورا وكلفة، ما أضعف موقف واشنطن العسكري في بعض أكثر مناطق العالم حساسية: بحر الصين الشرقي، وأوكرانيا، ومناطق التماس بين حلف شمال الأطلسي وروسيا.

وجعل استنزاف الذخائر، إلى جانب طول أمد انتشار مجموعات حاملات الطائرات القتالية في الشرق الأوسط، تايوان والجزر المتنازع عليها بين بكين وطوكيو أكثر عرضة لهجوم صيني من أي وقت في السنوات الأخيرة. وفي الوقت نفسه، حتى لو أفاق ترمب من حالة الافتتان التي يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوقعه فيها، فإن واشنطن باتت تملك عددا أقل بكثير من منظومات الأسلحة المتطورة التي تحتاج إليها كييف بشدة للدفاع عن نفسها في وجه هجمات موسكو العشوائية بالصواريخ والطائرات المسيرة.

ومن المرجح أن تظل السياسة الخارجية، بعد انتخابات التجديد النصفي، في صدارة المواجهة بين ترمب والكونغرس خلال العامين المقبلين. فالرؤساء الذين يفقد حزبهم السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما في انتخابات التجديد النصفي يواجهون عادة قيودا شديدة على سلطاتهم. ونادرا ما تستطيع إدارة في مثل هذه الظروف تمرير تشريعات داخلية كبرى، لذلك يميل الرؤساء الذين تراجع نفوذهم السياسي إلى تركيز جهودهم على السياسة الخارجية، حيث يمنحهم الدستور صلاحيات واسعة.

وفي الوقت نفسه، من غير المرجح أن يتمكن الديمقراطيون في مجلسي الشيوخ والنواب من إقرار إصلاحات كبرى يقبل ترمب توقيعها لتصبح قوانين. وقد يجد هؤلاء المشرعون، مثل ترمب، أن بعض أفضل فرصهم للتأثير في سياسات الولايات المتحدة ومكانتها في العالم تكمن في الشؤون الدولية.

يتعين على الديمقراطيين فرض المساءلة التي طال انتظارها في التقارب مع موسكو، وكشف ملابسات "السطو الخاطف" في فنزويلا وما تلاه من ترتيبات غامضة تضمن، ولمصالح خاصة، نصيبا من النفط الفنزويلي الضخم

ستكون أولى أولوياتهم إنهاء الحرب مع إيران، خصوصا أن هذا الوعد تكرر في الحملات الانتخابية لمرشحي الكونغرس. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك من مبنى الكابيتول؟ تكمن الإجابة في إحكام الرقابة على الموازنة، واستعادة دور الكونغرس في مساءلة الإدارة، بعدما تخلى الكونغرس ذو الأغلبية الجمهورية، الذي توشك ولايته على الانتهاء، عن هذا الدور وخضع للرئيس خضوعا شديدا. ويسعى ترمب إلى زيادة هائلة في الإنفاق العسكري، وسيكون بوسع الكونغرس الجديد أن يضمن عدم تخصيص أموال لتمديد الحرب على إيران.

ولن تكون المهمة سهلة. فلطالما وجد الكونغرس صعوبة في مقاومة طلبات زيادة الإنفاق على وزارة الدفاع، لكن الحكم على أداء هذا الكونغرس وقادته الديمقراطيين سيتوقف بدرجة كبيرة على مدى نجاحهم في كبح ترمب في الشرق الأوسط. وسيتطلب ذلك التدقيق الشديد في بنود الإنفاق العسكري، وعقد جلسات استماع لانتزاع إجابات واضحة من المسؤولين الذين عينهم الرئيس في المناصب العسكرية ومناصب السياسة الخارجية، على نحو لم يعتادوه من قبل.

ويبرز وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، المعروف بخطابه الصاخب وضعف استعداده لملفات منصبه، بوصفه أوضح هدف لهذه المساءلة، لكن وزير الخارجية ماركو روبيو لا يقل عنه استحقاقا للتدقيق، فقد أظهر حتى الآن براعة فائقة في التهرب من أي نقاش صريح ومفصل بشأن حرب إيران، وقد آن الأوان لوضع حد لذلك.

(رويترز)
جندي من القوات الأوكرانية يجهّز نظام الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية "ستارلينك" في موقع قريب من خط المواجهة مع روسيا في إقليم دونيتسك، أوكرانيا، 16 أكتوبر 2026

وإذا كانت إيران تتصدر أولويات السياسة الخارجية للكونغرس الجديد، فهناك ملفات أخرى تنافسها بقوة. ويستطيع الديمقراطيون، بل يتعين عليهم، فرض المساءلة التي طال انتظارها في مجالات أخرى أيضا، وأبدأ هنا بالتواطؤ الأميركي المتزايد والمثير للنفور مع روسيا في حربها على أوكرانيا. فقد تجاوز هذا التواطؤ أخيرا تقليص إمدادات السلاح إلى كييف، واحتمال عرقلة وصول المعلومات الاستخباراتية المستمدة من الأقمار الاصطناعية عبر منظومة "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك، وهي معلومات تحتاج إليها أوكرانيا بشدة للدفاع عن نفسها. وأصبح يشمل الآن توفير سلسلة من سبل الإنقاذ الاقتصادي لموسكو، عبر صفقات نفطية مع روسيا والضغط على أوروبا لاستئناف استيراد الطاقة الروسية.

وسيكون للكونغرس أيضا دور حيوي في كشف ملابسات الانقلاب الذي نفذه البيت الأبيض في فنزويلا على طريقة السطو الخاطف، إذ اختطف رئيس البلاد وهو في منصبه، ونصب شخصية تابعة له على رأس السلطة، ثم أبرم ترتيبات غامضة تضمن لواشنطن ولمصالح أميركية خاصة نصيبا من قطاع النفط الفنزويلي الضخم، رغم تدهور حالته.

يعرف الديمقراطيون أن تصاعد الاستياء الشعبي من عنف إسرائيل بما فيه الإبادة في غزة وهجمات الضفة، كان عاملا مهما في انتصارهم، وعليهم أن يواجهوا الخلل في السياسة الخارجية تجاه الحليف إسرائيل

وعلى نطاق أوسع، تعامل ترمب باستخفاف شديد مع علاقات الولايات المتحدة بحلفائها من الدول الصناعية المتقدمة في أنحاء العالم، من كندا إلى اليابان وكوريا الجنوبية. وفي الوقت نفسه، أدار ظهر بلاده لما يسمى العالم النامي، وأظهر تجاهلا فظا لما يجمع الأميركيين وسكان البلدان الأشد فقرا من إنسانية مشتركة، بعدما كان كثير من هؤلاء ينظرون إلى الولايات المتحدة بإعجاب. وعلى أقل تقدير، يتعين على الكونغرس أن يكشف بوضوح مدى التناقض والتدمير الذاتي في سياسات ترمب هذه، في مجالات تمتد من النمو الاقتصادي والدفاع المشترك إلى الصحة العامة العالمية.

وأصل أخيرا إلى إسرائيل، لا لأنها أقل هذه القضايا أهمية، وإنما لأنها ربما تكون الأصعب. فعلى الديمقراطيين معالجة انقساماتهم الداخلية أولا حتى يتمكنوا من مواجهة الخلل الذي يشوب مجمل السياسة الخارجية الأميركية تجاه إسرائيل. وقد حان الوقت لكي تكف الولايات المتحدة عن التغاضي عن أسوأ ممارسات إسرائيل، بما فيها فظائع الإبادة الجماعية التي ارتكبتها خلال حملتها على غزة، وعنف المستوطنين، وتزايد سلب الفلسطينيين أراضيهم وممتلكاتهم في الضفة الغربية.

(رويترز)
تصاعد أعمدة الدخان مع هدم الجيش الإسرائيلي منازل فلسطينيين في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة، 30 أكتوبر 2026

وقد حاول ترمب نفسه استباق هذه القضية يوم الانتخابات، إذ قال إن الولايات المتحدة لن تستمر في تحمل التكاليف الباهظة للدفاع عن إسرائيل كما فعلت طوال عقود، وستبيعها بدلا من ذلك الأسلحة التي تحتاج إليها، لكن المطلوب يتجاوز ذلك بكثير.

لطالما كانت الولايات المتحدة شريكا لإسرائيل في تدمير المجتمعات الفلسطينية بإرادتها، لا شريكا غافلا عما يجري. وعلى مدى سنوات سبقت إدارة ترمب، تظاهرت واشنطن بالالتزام بحل الدولتين، ثم جاءت إدارة ترمب فألقت القناع جانبا، وتخلت حتى عن التظاهر بالاهتمام بمصير الفلسطينيين.

يعرف الديمقراطيون أن تصاعد الاستياء الشعبي من عنف إسرائيل المستهتر بالعواقب كان عاملا مهماً في انتصارهم هذا الأسبوع. وعليهم الآن أن يتجاوزوا فكرة لا تزال رائجة في أوساط كثيرة، مفادها أن انتقاد سلوك إسرائيل صراحة ومحاسبة هذا الحليف الأميركي القديم يعدان معاداة للسامية. فاحترام إسرائيل يقتضي هذا النقد وهذه المحاسبة. والحفاظ على التحالف الأميركي-الإسرائيلي يقتضيهما أيضا.

وفيما يتعلق بإسرائيل وإيران، سبق الناخبون ما استقر عليه الرأي في واشنطن بخطوات. كانت المقولة القديمة تقول إن الأميركيين لا يصوتون بناء على السياسة الخارجية. لكنهم فعلوا ذلك هذا الأسبوع، وعلى الديمقراطيين الذين انتخبوهم أن يأخذوا موقفهم على محمل الجد.

font change