من يوقف نزيف المليارات في ليبيا؟

مساعٍ لتوحيد المؤسسات وضبط الإنفاق وتحويل عائدات النفط إلى محرك للتنمية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
صورة جوية للعاصمة الليبية لطرابلس، 22 سبتمبر 2025

من يوقف نزيف المليارات في ليبيا؟

منذ عام 2011 يواجه الاقتصاد الليبي تحديات عدة، ترافقت مع غياب الاستقرار السياسي، وحالة الفوضى التي عمّت البلاد، وأدت إلى وقوع حروب. وكان الصراع على مصادر النفط من أبرز محركاتها، مما أدى إلى تذبذب في إنتاجه، وغياب عمليات الاستثمار والتحديث في هذا القطاع الرئيس في البلاد، الذي يشكل 65 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، و94 في المئة من الصادرات، و72 في المئة من الإيرادات الحكومية، حسب بيانات البنك الدولي لعام 2024.

بالإضافة إلى ذلك، شكّل الانقسام السياسي والمؤسسي الذي بدأ عام 2014، وعودة الازدواجية الحكومية منذ عام 2022، أحد أبرز معوقات الاستثمار في البلاد، في ظل غياب الاستقرار التشريعي والمؤسسي وتعدد مراكز صنع القرار. وتفاقمت هذه التحديات مع توسع الإنفاق العام، وتضخم فاتورة الأجور والإنفاق الجاري، وغياب موازنة موحدة، مما زاد الضغوط على المالية العامة وسعر صرف الدينار، الذي تعرض لخفوضات رسمية في قيمته.

وعلى الرغم من تسجيل الاقتصاد الليبي انتعاشا قويا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 مدفوعا بتعافي إنتاج النفط وتوسعه، وتوقع البنك الدولي بتقريره الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2025 نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 13.3 في المئة، مع ارتفاع إنتاج النفط بنسبة 17.4 في المئة، حذّر الأخير من استمرار التحديات السياسية والمؤسسية والأمنية، داعيا إلى إصلاحات تعزز إدارة المالية العامة والشفافية والمساءلة. وأشار التقرير، في تقييمه نظام إدارة المالية العامة، إلى أن تعدد المؤسسات وتداخل اختصاصاتها، ووجود هياكل موازنة موازية، والاعتماد الكبير على عائدات النفط، عوامل أضعفت الانضباط المالي وجودة الخدمات العامة، موصيا بإنشاء حساب موحد للخزانة، وتعزيز إدارة النقدية، وتطوير تصنيف الموازنة لتحسين الشفافية والرقابة.

صُنّفَت ليبيا ضمن الدول الست الأدنى عالميا على مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، إذ حلّت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة في نسخة عام 2025

في ظل هذه الأوضاع المتقلبة، قال وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية الليبية ومقرها -طرابلس الغرب - سهيل أبو شيحة في مقابلة مع "سي أن بي سي" إن تأخر تنفيذ الإصلاحات الفنية والتشغيلية في النظامين الاقتصادي والنقدي يكلف الاقتصاد الليبي بين 10 و12 مليار دولار سنويا. وقد أظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي للأشهر التسعة الأولى من عام 2026 اختلالا واضحا في هيكل الإنفاق العام. فقد استحوذت المرتبات والنفقات التسييرية على 60.6 مليار دينار (9.44 مليارات دولار وفق سعر الصرف الرسمي لمصرف ليبيا المركزي بتاريخ 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، والبالغ 6.4173 دينارا للدولار)  و12.1 مليار دينار (1.88 مليار دولار) على التوالي، أي ما مجموعه نحو 82 في المئة من إجمالي الإنفاق، البالغ 88.6 مليار دينار (نحو 13.81 مليار دولار).

ويضم القطاع العام الليبي نحو 2.2 مليون موظف، وفق بيانات صندوق النقد الدولي ومصرف ليبيا المركزي، وهو رقم يعكس اتساع الاعتماد على الوظيفة الحكومية، ويشكل ضغطا كبيرا على المالية العامة، خصوصا مع ارتفاع فاتورة الأجور ومحدودية مساهمة القطاع الخاص في توفير فرص العمل، إذ لا تتخطى العمالة فيه 14 في المئة من القوى العاملة الليبية وفق بيانات البنك الدولي.

الفساد في ليبيا: من هنا نبدأ

أثار تصريح الوزير تساؤلات حول طبيعة الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة وآليات تنفيذها وفرص نجاحها، في ظل التحديات المؤسسية والرقابية التي تواجه البلاد. وقد صُنّفَت ليبيا ضمن الدول الست الأدنى عالميا على مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، إذ حلّت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة في نسخة عام 2025، برصيد 13 نقطة من 100، متعادلة مع إريتريا واليمن، بينما سجلت درجات أدنى منها كل من فنزويلا والصومال وجنوب السودان.

رويترز
حقل الشرارة النفطي في ليبيا، 3 ديسمبر 2014

ولا يقتصر الفساد في ليبيا على اختلاس الأموال العامة أو تهريبها، إنما يمتد إلى ثغرات مؤسسية وقانونية تجعل اكتشاف هذه الممارسات وملاحقة المسؤولين عنها واسترداد الأصول أكثر صعوبة. ففي تقريرها الصادر في مايو/أيار 2026، رصدت منظمة الشفافية الدولية جملة من العوائق، بينها الانقسام المؤسسي والقضائي، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية بمكافحة الفساد، وغياب سجل عام للمستفيدين الحقيقيين من الشركات، إلى جانب محدودية التعاون القانوني الدولي. وأشار التقرير إلى أن ليبيا قدمت 74 طلب مساعدة قانونية متبادلة فقط خلال الفترة بين 2020 و2023، كما لا تزال خارج مجموعة "إيغمونت" الدولية، وهي شبكة دولية تضم وحدات الاستخبارات المالية في الدول، وتعمل على تسهيل تبادل المعلومات المالية الحساسة بصورة آمنة، بهدف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المالية العابرة للحدود.

اختلال في الإنفاق العام

شرح المحلل الاقتصادي عبد الزايدي في حديثه مع  "المجلة" أن التكلفة المشار إليها في حديث وزير الاقتصاد والتجارة عن مبالغ مالية مفقودة من الموازنة، هي حقيقة تكلفة فرص بديلة أو خسارة هيكلية تراكمية تحملها المواطن وتحملتها الدولة بشكل عام، نتيجة استمرار اختلالات مالية ونقدية لزمن طويل.

وأضاف الزايدي أن استنزاف العوائد النفطية ودعم المحروقات وتوجيهها في إنفاق ودعم أصول غير إنتاجية ولا تعود على الموازنة العامة وعلى الدخل العام بمنفعة، أدت إلى مثل هذه الخسائر الذي تحدث عنها الوزير.

تشكّل منظومة دعم الطاقة أحد أكبر أعباء المالية العامة في ليبيا، إذ قدّر صندوق النقد الدولي تكلفتها بنحو 17 مليار دولار في عام 2024، مما يعادل 35 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي

وقد أظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي للأشهر التسعة الأولى من عام 2026 اختلالا واضحا في هيكل الإنفاق العام. فقد استحوذت المرتبات والنفقات التسييرية على 60.6 مليار دينار (9.44 مليارات دولار وفق سعر الصرف الرسمي لمصرف ليبيا المركزي بتاريخ 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، والبالغ 6.4173 دينارا للدولار)  و12.1 مليار دينار (1.88 مليار دولار) على التوالي، أي ما مجموعه نحو 82 في المئة من إجمالي الإنفاق، البالغ 88.6 مليار دينار (نحو 13.81 مليار دولار).

ويضم القطاع العام الليبي نحو 2.2 مليون موظف، وفق بيانات صندوق النقد الدولي ومصرف ليبيا المركزي، وهو رقم يعكس اتساع الاعتماد على الوظيفة الحكومية، ويشكل ضغطا كبيرا على المالية العامة، خصوصا مع ارتفاع فاتورة الأجور ومحدودية مساهمة القطاع الخاص في توفير فرص العمل، إذ لا تتخطى العمالة فيه 14 في المئة من القوى العاملة الليبية وفق بيانات البنك الدولي.

رويترز
أفراد من القوات الليبية، طبرق 10 فبراير 2022

وتشكّل منظومة دعم الطاقة أحد أكبر أعباء المالية العامة في ليبيا، إذ قدّر صندوق النقد الدولي تكلفتها بنحو 17 مليار دولار في عام 2024، ما يعادل 35 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتشمل هذه الفاتورة دعم الوقود والكهرباء، إلى جانب القيمة الاقتصادية للنفط الخام والغاز المستخدمين محليا. ولا يقتصر أثر هذا الدعم على استنزاف الموارد المالية، بل يمتد إلى تشجيع الاستهلاك المفرط وتهريب الوقود، بما يحرم الاقتصاد من جزء كبير من قيمة ثروته النفطية. كما قدّر صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2026 أن دعم الطاقة يعادل نحو 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكدا استمرار العبء الكبير على المالية العامة. في المقابل خصص نحو 1.8 في المئة فقط من الإنفاق لباب التنمية الذي لم تتجاوز نفقاته 1.6 مليار دينار (نحو 249.3 مليون دولار).

وهذه الأرقام إن دلت على شيء فعلى هيمنة الإنفاق الجاري على الموازنة العامة، مقابل محدودية الإنفاق المخصص للتنمية، مما يسلط الضوء على الحاجة إلى إعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية والمشروعات الإنتاجية.

وقال إبراهيم السنوسي، الخبير الاقتصادي، لـ "المجلة " إن المشكلة الأعمق لا تكمن في السياسة النقدية وحدها بل في النموذج الاقتصادي الليبي القائم على الإنفاق الحكومي والريع النفطي وضعف تحويل الإيرادات النفطية إلى استثمارات إنتاجية. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يتطلب ضبط الإنفاق العام، وإعادة هيكلة الدعم وتطوير القطاع المصرفي وتحسين بيئة الاستثمار وتعزيز دور القطاع الخاص.

ضرورة التنسيق بين المؤسسات المسؤولة عن الاقتصاد

في ظل الوضع القائم، تتزايد التساؤلات حول مدى وجود تنسيق بين المؤسسات المسؤولة عن الوضع الاقتصادي، من مصرف ليبيا المركزي إلى مؤسسة النفط الليبية إلى وزارتي الاقتصاد والمالية، بما يحقق التطور الاقتصادي الذي تتحدث عنه السلطات الليبية.

أكد بولس أن استقرار ليبيا يتطلب توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية عبر عملية سياسية يقودها الليبيون، بدعم من الولايات المتحدة والأمم المتحدة

ولذلك قال الدكتور محمد درميش، أستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية لـ"المجلة" إنه من الواجب الآن التنسيق بين أدوات السياسة الاقتصادية والمالية والنقدية، لصوغ سياسة اقتصادية موحدة، ووضع خطة استراتيجية لمتابعة الأحداث كل ساعة بساعة وكل يوم بيومه، ولوضع حل للتحديات الحالية التي تواجه الاقتصاد الليبي.

فتصحيح الأوضاع الاقتصادية  يتطلب إقرار قوانين وخطط من السلطات التشريعية والتنفيذية، فضلا عن توحيد هذه السلطات قبل المضي في أي إصلاحات مزمعة، وهذا ظهر جليا، في جهود كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، الذي يقود جهود بلاده لتوحيد السلطات المنقسمة في ليبيا، بحثا عن الازدهار الاقتصادي، الذي سيفتح المجال أمام الشركات الأميركية، وتحديدا في مجال النفط والغاز. وفي 5 مارس/آذار 2026، أكد بولس أن استقرار ليبيا يتطلب توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية عبر عملية سياسية يقودها الليبيون، بدعم من الولايات المتحدة والأمم المتحدة. كما أفادت صحيفة "فاينانشال تايمز" في يوليو/تموز 2026 بأن بولس يدفع في اتجاه صيغة لتقاسم السلطة بين الأطراف المتنافسة، بما يسمح بتوحيد الإدارتين في الشرق والغرب.

أ.ف.ب
ميناء البريقة النفطي، شرق بنغازي، 24 سبتمبر 2020

وقد تجلت هذه الجهود في صفقة شركة "كونوكو فيليبس" الأميركية وشركة "توتال إنرجيز" الفرنسية اللتين وقعتا اتفاقا مدته 25 عاما لتطوير قطاع النفط الليبي مع السلطات في طرابلس، باستثمارات  تتجاوز 20 مليار دولار، حسب ما أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في يناير/كانون الثاني 2026.

وفي هذا الجانب يقول الزايدي إن البيئة التشريعية والمؤسسية التي تضمن الاستقرار لدخول شركات عالمية كبيرة في مشاريع متعددة، مثل مشاريع الطاقة المتجددة ومشاريع التوسع في قطاع النفط والخدمات لا تزال غائبة، مما يفاقم من الوضع القائم، ويزيد إهدار الفرص الاستثمارية الممكنة.

ماذا عن إصلاح قطاع النفط؟

على الرغم من الاهتمام المتزايد بقطاع النفط والغاز في ليبيا، في ظل  اضطرابات أسواق الطاقة والتوترات السياسية والعسكرية في منطقة الخليج، إلا أن هذا القطاع لا يزال يواجه نتائج الفوضى التي ضربت البلاد، وجعلت من إمكان تطويره تحديا كبيرا لكل السلطات. فالإغلاقات المتكررة للحقول وخطوط الأنابيب وموانئ التصدير، سواء بدوافع سياسية أو نتيجة مطالب فئوية، تجعل استمرارية الإنتاج عرضة للضغوط الأمنية والاجتماعية.

وظهر ذلك بوضوح في سبتمبر/أيلول 2026، عندما أغلق أفراد من حرس المنشآت النفطية، بمشاركة مجموعة مسلحة، الصمام رقم 7 على خط نقل الخام من حقل الشرارة إلى الزاوية، احتجاجا على أوضاعهم الوظيفية والمالية ومطالبين بتحسين رواتبهم.

ليبيا تحتاج إلى تمويل يتراوح بين 30 و40 مليار دولار لتطوير مواردها من النفط والغاز، وأكثر من 60 حقلا مكتشفا لم تدخل بعد مرحلة التطوير - مسعود سليمان، رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط الليبية

وقد أدى الإغلاق إلى خسارة إنتاجية يومية بلغت نحو 130 ألف برميل، قبل أن يصدر رئيس الحكومة الدبيبة القرار رقم 454 لسنة 2026، في 22 سبتمبر/أيلول، بمساواة مرتبات منتسبي الحرس بمرتبات منتسبي الجيش. واستؤنف ضخ النفط تدريجيا في 26 سبتمبر/أيلول، بعد إعادة فتح الصمام، فيما قدرت المؤسسة الوطنية للنفط خسائر التعطيل بأكثر من 720 ألف برميل وبنحو 95 مليون دولار.

أ.ف.ب
يتصاعد دخان أسود جراء حريق في مصفاة الزاوية -ثاني أكبر مصفاة للنفط في ليبيا وذلك بعد تعرض خزان تخزين تابع لشركة البريقة لتسويق النفط (المملوكة للدولة) لهجوم شنه مجهولون في مدينة الزاوية في 11 أغسطس 2026

ولم تتوقف الاضطرابات عند ذلك، إذ شهد أكتوبر/تشرين الأول إغلاق خطوط نقل أخرى، بينها خط الحمادة–الزاوية في 22 أكتوبر/تشرين الأول، ثم إغلاق خط نقل الخام في منطقة الرياينة في 30 أكتوبر/تشرين الأول، مما أدى إلى تعطل إمدادات تقدر بنحو 15 ألف برميل يوميا موجهة إلى مصفاة الزاوية.

تسعى ليبيا التي تنتج 1.4 مليون برميل يوميا، الى بلوغ مستوى إنتاج يصل إلى 2 مليون برميل يوميا عام 2030، حسب تصريحات رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، مسعود سليمان في أغسطس/آب الماضي، الذي أشار إلى أن ليبيا تحتاج إلى تمويل يتراوح بين 30 و40 مليار دولار لتطوير مواردها من النفط والغاز، لافتا إلى أن أكثر من 60 حقلا مكتشفا لم تدخل بعد مرحلة التطوير. وفي مقابلة مع صحيفة "فاينانشال تايمز"، أوضح سليمان أن نقص التمويل يؤخر تنفيذ مشاريع التطوير بصورة كبيرة، كاشفا أن المؤسسة تدرس تغيير نموذج شراكاتها مع الشركات الدولية، إما بالعودة إلى اتفاقيات الامتياز، أو بتحسين شروط اتفاقيات اقتسام الإنتاج، بما يتيح للمستثمرين توفير تمويل أكبر للمشاريع.

وفي حديث المسؤول نفسه مع صحيفة "ليبيا هيرلد" (Libya Herald)، قال مسعود إنهم يسعون إلى الحصول على تمويل بقيمة 16 مليار دولار من الشركاء الأجانب، إلى جانب التزام المؤسسة الوطنية للنفط استثمار 20 مليار دولار من مواردها الخاصة. وأضاف: "أبرمنا اتفاقا للحصول على قرض بقيمة مليار دولار من المصرف الليبي الخارجي، لتمويل تنفيذ مشاريع تستهدف رفع الإنتاج إلى أكثر من 1.5 مليون برميل يوميا منتصف عام 2027. وهناك التزام بتوفير مليار دولار إضافي عند تحقيق هذا الهدف".

هل يضبط إطار الإنفاق الموحد سعر الصرف؟

مع تغيير رئاسة مجلس النواب الليبي، بعد أكثر من عشر سنوات قضاها رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح في منصبه، وانتخاب الصالحين عبد النبي رئيسا جديدا في 6 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، برز تحرك للمجلس في عدد من الملفات، وكان أبرزها إقرار مذكرة التفاهم الليبية التركية في شأن تحديد مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعدما كان المجلس قد رفضها عام 2020، وألغى في الجلسة نفسها قراره السابق الداعي إلى قطع العلاقات السياسية مع أنقرة.

ربط رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية بتوسع هذا الإنفاق، مقدّرا أنه بلغ نحو 70 مليار دينار، وأسهم في توليد طلب إضافي على الدولار تجاوز 10 مليارات دولار

لكن، على الرغم من اعتماد إطار الإنفاق الموحد  بين الأطراف الليبية في خطوة وُصفت بالتاريخية لإنهاء الانقسام المالي هذا العام، لا تزال عملية تطبيقه تواجه تحديات عدة، بسبب استمرار الإنفاق خارج الآليات المتفق عليها والخلاف على صلاحيات التنفيذ والرقابة، وعدم وجود أدوات إلزام كافية لضمان التقيد بالسقوف المالية، وفي ظل غياب موازنة وطنية موحدة ذات أساس تشريعي واضح طوال سنوات الانقسام. وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الاتفاق على فرض الانضباط المالي والحد من الإنفاق الموازي.

أ.ف.ب
البنك المركزي الليبي في طرابلس، 25 أكتوبر 2026

وفي ظل استمرار الإنفاق الموازي خارج الأطر المالية المعتمدة، تصاعد الضغط على سوق الصرف الليبي. فقد ربط رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية بتوسع هذا الإنفاق، مقدّراً أنه بلغ نحو 70 مليار دينار (نحو 13.2 مليار دولار خلال عام 2025 حسب سعر صرف متوسط نحو 5.30 دنانير للدولار وفق بيانات البنك الدولي)، وأسهم في توليد طلب إضافي على الدولار تجاوز 10 مليارات دولار. وتزامن ذلك مع تراجع قيمة الدينار في السوق الموازية، حيث تجاوز سعر الدولار 10 دنانير في أكتوبر/تشرين الأول 2026، مقابل سعر رسمي بلغ نحو 6.42 دنانير مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

وقال الزايدي إن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية تفتح بابا واسعا لتحقيق أرباح من الاعتمادات الصورية التي تكلف الدولة مبالغ ضخمة وتستنزف فيها الاحتياطي النقدي دون وجود استفادة فعلية حتى من السلع والخدمات.

ولا تقتصر الضغوط على سوق الصرف، بل تمتد إلى قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته من العملات الأجنبية، وهو ما تعكسه بيانات مصرف ليبيا المركزي. فقد ظهر الضغط على موارد النقد الأجنبي جلياً في بيانات مصرف ليبيا المركزي للأشهر التسعة الأولى من عام 2026، إذ بلغت الإيرادات النفطية والإتاوات 17.6 مليار دولار، مقابل استخدامات والتزامات بالنقد الأجنبي وصلت إلى 22.3 مليار دولار، ليسجل المصرف فجوة تمويلية قدرها 4.7 مليار دولار، جرت تغطيتها من عوائد استثماراته الخارجية.

يتطلب تحقيق نمو مستدام توجيه الإيرادات النفطية نحو البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، وتوسيع دور القطاع الخاص، للحد من اعتماد الاقتصاد على المحروقات.

وحول هذا العجز قال الخبير الاقتصادي السنوسي إن أبرز مصادر الهدر في الاقتصاد الليبي، تتمثل في تعدد أسعار الصرف، وسوء إدارة النقد الأجنبي، وارتفاع تكلفة دعم المحروقات، وتسرب جزء منه عبر التهريب، وضعف كفاءة الإنفاق العام، وتعطل الإنتاج النفطي في مناسبات عدة، إلى جانب محدودية مساهمة القطاع الخاص وضعف الاستثمار في القطاعات غير النفطية.

مدينة مصراتة في ليبيا

كما تنعكس هذه الاختلالات على المستهلك الليبي من خلال تراجع جودة الخدمات العامة، وضعف الرقابة على الأسواق، واحتمال ارتفاع تكاليف السلع والخدمات، وتراجع الثقة في المؤسسات العامة.

آفاق النمو

يرتبط تجاوز ليبيا اختلالاتها الاقتصادية بقدرتها على إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، الذي عرقل لسنوات توحيد السياسات المالية واعتماد موازنة وطنية متكاملة. وفي هذا الإطار، تعمل بعثة الأمم المتحدة على دفع العملية السياسية عبر مسارات عدة، من بينها لجنة التشاور المصغّرة (4+4)، التي تركز على تسوية الخلافات المتعلقة بالإطار الانتخابي، تمهيدا لاستكمال توحيد المؤسسات التنفيذية.

وعلى صعيد المسار الاقتصادي، يتطلب تعزيز الاستقرار المالي ضمان التنفيذ الفعلي لاتفاق الإنفاق الموحد، والحد من الالتزامات والنفقات خارج الأطر المعتمدة، وتعزيز الرقابة والشفافية في إدارة المؤسسات والهيئات الحكومية. كما تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة الإنفاق العام، من خلال ترشيد فاتورة المرتبات والدعم والنفقات التسييرية، وتوجيه حصة أكبر من الموارد إلى الاستثمار الإنتاجي ومشروعات التنمية، وفق أولويات واضحة وآليات رقابة ومساءلة فعالة.

في الختام، تبدو آفاق النمو الاقتصادي في ليبيا إيجابية خلال العامين المقبلين، مدفوعة باستمرار تعافي إنتاج النفط وزيادة الاستثمارات في القطاع. ويتوقع البنك الأفريقي للتنمية نمو الاقتصاد بنحو 6.5 في المئة في 2026 و4.3 في المئة في 2027، بعد نمو قُدّر بنحو 12.4 في المئة في 2025. غير أن هذه التوقعات تظل رهينة استقرار الإنتاج النفطي وتجنب الإغلاقات، إلى جانب إحراز تقدم في توحيد المؤسسات وضبط الإنفاق العام. كما أن تحقيق نمو مستدام يتطلب توجيه الإيرادات النفطية نحو البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، وتوسيع دور القطاع الخاص، للحد من اعتماد الاقتصاد على المحروقات.

font change