بعد عقود من الانتكاسات السياسية، يعود القائد السابق لـ"الحرس الثوري" الإيراني، محسن رضائي، إلى قلب السلطة. فهل دفعته ظروف الحرب إلى الواجهة مصادفة، أم إن المراقبين ظلوا يستخفّون بقدراته طوال هذه السنوات؟
في عام 1981، عُيّن الثوري الشاب محسن رضائي (وكان في السابعة والعشرين من عمره) قائدا لـ"الحرس الثوري" الإيراني، بضغط من أحمد الخميني، نجل آية الله روح الله الخميني، دون أن يكون ثمة إجماع حوله.
وبعد خمسة وأربعين عاما، أعادته أزمة جديدة في القيادة الإيرانية إلى قلب السلطة. فالقائد السابق، البالغ اليوم اثنتين وسبعين سنة، يشغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الهيئة الرئيسة المعنية بتنسيق شؤون الأمن القومي في إيران. وقد وجّه إليه نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، رسالة مباشرة يدعوه فيها إلى استئناف المفاوضات. وفي واشنطن، يُقال إن مسؤولين استخباراتيين يرونه الشخصية الأقدر على تأمين موافقة طهران على اتفاق.
إنها عودة استثنائية لرجل انتهت طموحاته الرئاسية مرارا بهزائم مهينة، وتحولت وصفاته الاقتصادية إلى مادة للتندر. ومع ذلك، استطاع رضائي تجاوز الانتكاسات السياسية، والجدل حول قراراته العسكرية، والتحولات في القيادة التي أنهت مسيرة كثيرين غيره. وتثير عودته سؤالا أوسع عن طبيعة النفوذ في الجمهورية الإسلامية اليوم: هل يستند إلى شرعية شعبية، أم إلى شبكة علاقات تُنسج وتُراكم عبر عقود؟ وفي حالة رضائي، تبدو العلاقات هي التي ترجّح الكفة.
القائد الذي بنى مؤسسة
وُلد رضائي عام 1954 في محافظة خوزستان. ويروي في مذكراته أنه كان يرعى الأغنام في الثامنة من عمره حين أقنعه رجل غريب بالالتحاق بمدرسة ليلية. وأصبحت هذه الحادثة جزءا من الرواية التي يحرص على تقديمها عن مسيرته: فتى فقير من الأقاليم شق طريقه بالتعليم والنضال الثوري وقوة الإرادة.
انضم قبل ثورة عام 1979 إلى جماعة "منصورون" الإسلامية السرية، ثم أسهم بعد الثورة في تأسيس الجهاز الاستخباراتي لـ"الحرس الثوري". وكان من رفاقه الأوائل علي شمخاني، وهو ثوري آخر من خوزستان، أصبح لاحقا أحد أبرز رجال المؤسسة الأمنية الإيرانية.
وفي عهد رضائي، تطور "الحرس الثوري" من قوة ثورية محدودة التنظيم إلى مؤسسة عسكرية تمتلك قوات برية وبحرية وجوية خاصة بها. ومنحته الحرب العراقية-الإيرانية سلطة استثنائية، وأتاحت له بناء شبكة راسخة من القادة الذين تدرجوا في مسيرتهم العسكرية تحت إمرته. وكان من بينهم رجال تولوا لاحقا أرفع المناصب الأمنية، وفي مقدمتهم قاسم سليماني. وقد أثبتت العلاقات التي نشأت خلال الحرب أنها أطول عمرا وأشد رسوخا في موازين السلطة من قيادته العسكرية نفسها.
غير أن سنوات الحرب أفرزت خصومات حادة؛ فقد اصطدم رضائي مرارا بأكبر هاشمي رفسنجاني وحسن روحاني بشأن الاستراتيجية العسكرية، وتوزيع الموارد، والعلاقة بين "الحرس الثوري" والسلطات المدنية. كما تنازع مع قادة الجيش النظامي على صلاحيات القيادة والسيطرة على العمليات.
ولا تزال عملية "كربلاء 4" الكارثية، التي شُنّت في ديسمبر/كانون الأول 1986، من أكثر المحطات إثارة للجدل في سجله العسكري. وبعد عقود، أثار رضائي غضب المحاربين القدامى وعائلات القتلى حين ألمح إلى أن العملية كانت خدعة عسكرية لتضليل العراق. واتهمه منتقدوه بمحاولة تبرير قرارات باهظة الكلفة البشرية بأثر رجعي.
على أن إرثه يتجاوز سجل المعارك التي قادها؛ فقد أسهمت سنوات قيادته في ترسيخ مكانة "الحرس الثوري" مؤسسة قادرة على بسط نفوذها خارج إيران. وكان الانتشار الإيراني المبكر في لبنان عام 1982، الذي أسهم في نشأة "حزب الله"، قد جرى اسميا تحت قيادته. وينتمي رضائي إلى الجيل الذي شرع في ترجمة الأيديولوجيا الثورية إلى نفوذ عسكري إقليمي.




