السعودية.. جهود جبارة لمكافحة «التطرف الرقمي»

المركز العالمي لمكافحة التطرف (اعتدال)

السعودية.. جهود جبارة لمكافحة «التطرف الرقمي»

جدة: أثناء تصفح بعض المنصات الاجتماعيّة، يظهر في التعليقات وجود تعليقات أو صفحات ذات محتوى يروج للتنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة ومتفرعاتهما. وقد يضم المحتوى فخراً برموز الإرهاب أو صوراً أو فيديوهات لعمليات إرهابية أو معارك أو تنفيذاً للعقوبات الوحشية.
ومع الأخذ في الاعتبار أن الأفراد يقضون أوقاتاً طويلة على المنصات الاجتماعية، فإن إمكانيّة التعرض لذلك المحتوى الرقمي المتطرف، تظل موجودة. أما مستوى التأثر بذلك المحتوى ورد الفعل، فإنه متفاوت بين التجاهل أو الإبلاغ عن المحتوى أو متابعة الصفحات والتأثر بها أو حتى الانضمام عقائديا أو فعلياً لتلك التنظيمات أو بقاياها أو خلاياها النائمة.
وتظهر قصص العائدين من داعش أو القاعدة، وجود تجنيد وإغراءات عبر المنصات الاجتماعية، وصلت بهم إلى ترك حياتهم ومعيشتهم في الدول العربية والإسلامية والأوروبية وغيرها، والقدوم إلى محارق التطرف والإرهاب في الدول التي لهم وجود فيها.
ولا يقتصر الأمر على التنظيمات الإرهابية ذات المنبع الأصولي، فالهجوم على الأفراد أو الجماعات من منظور ديني أو طائفي أو مذهبي، الذي يقوم به أفراد عاديون عبر المنصات الاجتماعية، قد يتضمن التهكم والتحريض مع دعوات للتصفية وانتهاك الحقوق والكرامات. إن كل ذلك يجعل «التطرف الرقمي» أمراً شديد الخطورة على استقرار المجتمعات والعلاقة بين الدولة ومواطنيها.
وفي هذا السياق، تولي الإدارة السعودية أهميّة خاصة لمحاربة التطرف الرقمي، حيث إنه من أكبر مهددات الأمن الفكري للمجتمع، وهو يسير على قدم المساواة مع الأمن الجنائي والأمن الغذائي في المملكة.

ما هو التطرف الرقمي؟
يمكن تعريف التطرف الرقمي بشكل مبسط على أنه المحتوى الصادر عن أفراد وجماعات، والذي يبث عبر الوسائل الرقمية، ويتضمن خطاب التكفير التحريض والكراهية الدينية والطائفية والمذهبية، إلى جانب تمجيد الإرهاب وشخوصه والعمليات العسكريّة، التي تقوم بها التنظيمات الأصولية. وقد يقود هذا التطرف الرقمي إلى زعزعة الأمن الفكري للأفراد والتحول إلى إرهاب حقيقي على الأرض.
وقد رافق هذا النوع من التطرف الثورة الرقمية منذ بدايتها مع سهولة الحصول على الاتصال بالإنترنت والحواسيب والهواتف الذكية لاحقاً.
ويتذكر بعض من عاصر بدايات دخول الإنترنت إلى السعودية، وحتى قبل نشوء المنصات الاجتماعية، كيف أن تنظيم القاعدة الإرهابي، مثلاً، كان يضع محتويات متطرفة ذات طابع تكفيري وعسكري على بعض المواقع، التي كانت تبقى لفترة قبل إزالتها أو حجبها من جانب هيئات الرقابة ذات الصلة. ويدور الحديث هنا في فترة أواخر التسعينات وبداية الألفية الثالثة.
وشهدت تلك الفترة استغلال المتطرفين وواجهاتهم السياسية أو القريبة من أوساطهم خارج المملكة، لغرف الحوار والدردشة الصوتية والمشاركات المكتوبة القديمة (بمعايير الآن) مثل البالتوك والمنتديات. وقد ترافق ذلك مع صراع طويل ضد تنظيم القاعدة الإرهابي منذ التسعينيات.
أما بعد انطلاق المنصات الرقمية أواسط العقد الأول من الألفية الثالثة، فقد زاد التحدي، حيث إنه لا توجد سلطة سيادية على المنصات الاجتماعية العالمية. والفرق هنا يكمن في أنه لو تم التعرف على أفراد يبثون محتوى التطرف الرقمي من داخل السعودية، فإن القانون سيأخذ مجراه بحقهم.
ولكن السؤال هنا: ماذا لو كان التطرف الرقمي يبث محتواه من الخارج؟ ومن هنا كانت الحاجة لابتكار الحلول.   

تعاون مع جهات عالمية
في مطلع العام الجاري، نشر المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف «اعتدال» خبراً لافتاً حول التعاون مع منصة تلغرام الرقمية خلال عام 2022 من أجل إزالة 15 مليون محتوى متطرف وإغلاق نحو 7 آلاف قناة متطرفة عبر المنصة الرقمية واسعة الانتشار.
وكان مصدر معظم المحتوى، الذي جرت محاربته طوال العام الماضي، 3 تنظيمات إرهابية بثت دعايات متطرفة، شملت القاعدة وداعش وهيئة تحرير الشام (الذراع السورية لتنظيم القاعدة). وكان داعش يسيطر على نحو ثلثي القنوات المتطرفة، فيما حظيت هيئة تحرير الشام بنحو نصف المحتوى المتطرف، فيما تقاسم داعش والقاعدة النصف الآخر مع حصة أكبر من ذلك المحتوى المتطرف لداعش.
وبحسب البيان الصحافي لمركز «اعتدال»، فإن النتائج المنشورة، تشكل دافعاً لمواصلة مكافحة التطرف الرقمي، وجرى التعبير عن ذلك بالقول: «يواصل اعتدال وتلغرام جهودهما المشتركة في التعاون والتنسيق لإزالة المنتجات المتطرفة المنشورة باللغة العربية، والتي تتضمن ملفات وسائط بأشكال مختلفة (PDF) ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية، وذلك في سياق التعاون على حماية رواد المنصة من مخاطرها وتأثيراتها الآيديولوجية ومحاولات استغلال المنصة في تداول تلك المنتجات».
ويمكن الالتفات إلى استخدام كلمة «منتجات» في وصف ذلك المحتوى، أي إنه ليس محتوى عشوائياً، بل هو محتوى احترافي خاضع لعمليات إنتاجية ويحمل شعارات «العلامة التجارية» للتنظيمات المتطرفة. ويدل ذلك على تطور وسائل الإرهاب وتعقيدها واستخدامها للتقنيات المتداولة بكفاءة لبث محتواها المسموم.
أما بالنسبة للتطرف الرقمي الذي يمارسه أفراد داخل السعودية، فإنه يمكن الإبلاغ عنه عبر تطبيق «كلنا أمن». وفيما يخص المواقع الإلكترونية، فإن سلطة حجبها تقع بين يدي وزارة الإعلام ومدينة الملك عبد العزيز للتقنية.
 
التقنية العالية للرصد
عند السؤال عن التقنية المستخدمة في اكتشاف وملاحظة وملاحقة المحتوى المتطرف أو غيره، يجيب المهندس محمد عطاء بقوله: «هناك برمجيات خاصة تعمل بتقنيات الذكاء الصناعي، تجري برمجتها على ملاحقة كلمات أساسية (key words) وصور وشعارات محددة، قادرة على تحديد المحتوى المتطرف ومصدره، ضمن معادلة لوغاريتمية معقدة بمجرد مرور ثوان على نشرها».
ويضيف: «إنه بمجرد اكتشاف المحتوى أو القنوات المتطرفة، يجري التثبت منها وملاحظتها، ثم إبلاغ المنصة عن ذلك المحتوى. إنها عملية متواصلة، فكل يوم يولد محتوى جديد وقنوات أخرى، تبث التطرف الفكري أو العسكري، مع استبدال القنوات المغلقة بقنوات جديدة بتسميات أخرى أو شكل جديد».
ويقول موقع اعتدال إن البرمجيات المتقدمة، التي يستخدمها، قادرة على رصد وتصنيف وتحليل أي محتوى متطرف في غضون 6 ثوان فقط من ظهوره على شبكة الإنترنت وبمستوى غير مسبوق عالمياً من الدقة- يتعدى 80 في المائة- مما يتيح آفاقاً جديدة في مجال مكافحة الأنشطة المتطرفة في المجال الرقمي.
ولا يقتصر العمل على اكتشاف المحتوى العربي فقط، إذ يجري ملاحقة ذلك المحتوى المتطرف بلغات ولهجات يشيع استخدامها في طروحات الفكر المتطرف.
ولا يبدو أن المعركة مع التطرف الرقمي، مهمة سهلة، فكم المحتوى والقنوات الرقمية هائل وبالملايين، الأمر الذي يدعو إلى توسيع المراكز والمؤسسات السعودية لتعاونها مع المنصات الاجتماعية العالمية والمواقع الإلكترونية من أجل تعميق محاربة العقائد المتطرفة، وحتى مشاركة الجمهور وتوعيته بضرورة الإبلاغ الذاتي عن المحتوى المتطرف داخل المنصات. 

font change