زلزال تركيا يكشف فوارق اللغة والهوية

الضحايا بين حسابات السياسة والاهمال والتمييز

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

زلزال تركيا يكشف فوارق اللغة والهوية

مزقت صيحات التكبير والتصفيق الحار جدار الصمت في أحد أحياء مدينة اسكندرون، إذ خرج للتو ناج من رحم المبنى المدمر بالكامل كوليد يبصر النور بعد مخاض عسير.

بدا الانهاك والذهول جلياً على وجوه المتطوعين الاسبان الذين شاركوا في عملية الانقاذ هذه. خرجوا بدورهم من تحت الانقاض يبحثون عن رفاقهم لتبديل المناوبة، فارتمى بعضهم بحضن بعض، فيما انزوى آخرون يدخنون. ذلك ترف لا تملكه فرق الانقاذ المحلية، فبقي عناصرها يعملون في الموقع رغم الارهاق إلى ان صرخ المسؤول بالجمع قائلاً "سيز سيس" أي اصمتوا. أطلق مساعده صفارة ورفع يديه في اشارةX قابلها بحركة مشابهة منقذ من الركام المواجه. ساد صمت مهيب تسمع معه الانفاس. توقفت الآليات عن العمل، أطفأت محركات السيارات العابرة تحت الجسر، أغلقت الهواتف ومنع الكلام والحركة. تسمرنا في مكاننا لا يتحرك فينا الا بؤبؤ العين فيما التصق بالوجوه غبار كثيف وأبخرة وسخام ملأ الجو من أثر حريق مرفأ اسكندرون. دقائق الانتظار بدت ساعات في ترقب أعجوبة أخرى، لكن الآمال تبددت سريعاً بأمر من المسعف يؤذن بمعاودة الحركة.

كان قد مر على الزلزال المدمر 6 ايام ومدن الجنوب التركي تعيش زمناً عجائبياً بين موت يحصد الالاف بدقائق وقلب ينبض تحت الانقاض لأسبوع أو أكثر. لكن العجائب بدأت تشح وتتلاشى بدورها، ولم يجد كثيرون سبيلاً الى تفسير ما يعايشونه إلا بالأساطير والماورائيات تداولونها كحقيقة علمية. مرة تسمع عن شابة خرجت سليمة لأن اشخاصاً اصحاء اطعموها واعتنوا بها تحت الانقاض ومرة عن طفل رضيع حماه 3 ملائكة وسلموه باليد للمنقذين الذي راحوا يبكون من شدة التأثر.

ويعتبر الزلزال الاخير الاكبر والاكثر تدميراً في التاريخ الحديث للبلاد بعد زلزال إرزنجان في العام 1939 الذي راح ضحيته نحو 32 الفاً، فيما عداد الموت الحالي قارب الـ 42 ألفاً حتى وقت الكتابة. وكانت الأضرار التي لحقت بإرزنجان الواقعة على "الصدع الاناضولي الشمالي" نفسه، واسعة النطاق لدرجة أن إعادة الاعمار لم تكن ممكنة، فتم التخلي بالكامل عن موقع المدينة القديم وأنشئت مدينة جديدة أبعد قليلاً نحو الشمال.

وهذا مصير قد تلقاه اليوم مدن وبلدات في ولاية هاتاي ويخشاه أكثر من يخشاه أهالي المدينة التاريخية الأكثر تضرراً وكشفاً لعقود من العلاقة المرتبكة بأنقرة. ذاك ان العام 1939 لا يعيد احياء "تروما" الزلازل فحسب، وهي متكررة في السياق التركي العام، بل هو أيضاً عام ضم لواء اسكندرون ومركزه مدينة أنطاكيا رسمياً الى الجمهورية التركية. انضمام جاء قسرياً الى حد بعيد فلم يقو على رأب الصدع الاجتماعي- السياسي بين الدولة المركزية وفسيفساء الهويات المحلية الدينية والعرقية. فبقي اللواء وأهله في منزلة بين منزلتين يتأرجح بين الاهمية الاستراتيجية والاقتصادية حيناً والتعثر والاهمال حيناً آخر.

ويقول كمال أكوغلو وهو أستاذ في جامعة بوازيجي في اسطنبول درس في كاليفورنيا ويتحدر من حي معشوقلو في أنطاكيا توجه اليها فور وقوع الزلزال مع نحو 50 متطوعاً "انا الوحيد بينهم الذي يتحدث العربية. وساعدني ذلك في الترجمة بين المنقذين والناس على الارض خصوصاً كبار السن".

وأضاف "انا من القلة القليلة من أبناء جيلي (ثلاثيني) ممن يتحدثون التركية بلا لهجة (عربية) واضحة. دربت نفسي على ذلك منذ الصغر واذكر جيداً كيف سعى كل من امي وابي الى منعنا من التحدث بالعربية نهائياً على رغم أنهما لم يتقنا التركية جيداً في ذلك الوقت". ويضيف أكوغلو وهو الوحيد من اسرته ومدرسته الابتدائية الذي يصل الى المرحلة الجامعية "كان ذلك الباب هو الوحيد للتعليم والترقي الاجتماعي. وكنت أهرب الى جدتي مريم، تغني لي بالعربية وتحدثني بها. ولكن ماذا بقي اليوم من مدينتي وناسها؟".

إذا كان للأتراك دولة ومؤسسات تتابع شأنهم وتتحرك من أجلهم ويملكون في المقابل انتقادها ومخاصمتها، فإن الكتلة الاكبر من الضحايا في مواقع الزلزال كافة متروكة لسقوط حر بكل المعاني. هؤلاء هم السوريون المقيمون واللاجئون في المناطق الحدودية والمدن الرئيسية مثل أنطاكيا واسكندرون والريحانية وكركخانة وغيرها من البلدات الأصغر


لا يثق أكوغلو بالإجراءات المتخذة للإجلاء والاعمار، في وقت يكثر الحديث عن توزيع السكان عبر اصقاع متفرقة من البلاد، فحتى الاسعاف جاء متأخراً 3 أيام على ما يقول لأن "احداً لا يبالي بنا".

وترجع تلك المخاوف الى سوابق في عدم اعمار المدن في مكانها التاريخي كما في إرزنجان والى هندسات ديموغرافية شهدتها تلك المناطق على مر العقود وأيقظتها أخيراً خيارات الاجلاء التي اتخذتها السلطات حيال الناجين وعائلاتهم. فقد سيرت عشرات الحافلات الى مدن وولايات تبعد مئات الكيلومترات عن ولاية هاتاي فيما استبعدت مدن وبلدات أقرب إليها جغرافيا واجتماعياً وذلك بحجة القدرة الاستيعابية للمشافي والمدارس والسكن الجامعي الذي أعد للإيواء.

ولكن وقع ذلك على سكان أنطاكيا جاء كمن يعلمهم بقطع أواصر صلتهم بمدينة أجدادهم سيما وإنها أعلنت منكوبة وأفرغت بالكامل تقريباً من المدنيين فيما بدأت الجرافات ترفع الردم والانقاض.

فكيف لمن ينتقل الى نقطة استقبال رئيسية كولاية موغلا مثلاً وتبعد نحو 1200 كلم عن ولاية هاتاي، وينخرط في حد أدنى من الحياة أن يتفقد أرزاقه او يتابع إعمار منزله؟ تلك الهواجس جعلت كثيرين يبقون حيث هم، مرابطين في خيم الاغاثة أو لدى الاقارب أو في السيارات لمن كان محظوظاً بعدم فقدان سيارته تحت الردم او في حريق. وفتحت مساحات عامة على أطراف المدينة وحول الملعب البلدي ركنت فيها سيارات تحولت منازل مؤقتة، تشغل فيها التدفئة ليلاً في طقس تهبط فيه درجات الحرارة الى ما دون الصفر.

Diana Estefanía Rubio

وإذا كان للأتراك دولة ومؤسسات تتابع شأنهم وتتحرك من أجلهم ويملكون في المقابل انتقادها ومخاصمتها، فإن الكتلة الاكبر من الضحايا في مواقع الزلزال كافة متروكة لسقوط حر بكل المعاني. هؤلاء هم السوريون المقيمون واللاجئون في المناطق الحدودية والمدن الرئيسية مثل أنطاكيا واسكندرون والريحانية وكركخانة وغيرها من البلدات الاصغر. وينقسم هؤلاء الناجون الى 3 فئات؛ من تصدع منزله او دمر وبات في الحدائق العامة وعلى ارصفة الطرقات، ومن لم يتصدع منزله لكن طلب منه اخلاؤه من اصحاب الملك لايواء اقرباء أتراك، والمقتدرين مالياً الذين خضعوا لابتزاز جعل اسعار المنازل القليلة المتوفرة في المدن التي لم تتضرر يقفز ثلاثة أضعاف احياناً.

محمد حمود (أبو جاسم) واحد من الذين باتوا مع عائلاتهم في العراء التام في الايام الثلاثة الاولى من الزلزال، وكانت في عين العاصفة الثلجية. يقطن الشاب حي إكينجي في أنطاكيا حيث لم يبق حجر على حجر، ما عدا بعض شجرات الليمون والبرتقال الافندي. قال أبو جاسم "حملت الاولاد وهرعنا بثياب النوم الى الشارع من دون ان نستوعب ما يجري. دُمر المبنى أمام أعيننا ولم نستطع إحضار أوراق ثبوتية أو ثياب أو أي شيء". وصلت سريعاً الى المكان مساعدات اسعافية كثياب أطفال وأغطية ووجبات ساخنة ولكن من دون اي سيناريوهات ايواء. في اليوم الثالث مساء انتشرت الشرطة ورجال الامن وأعلنوا انهم خلال نصف ساعة سينقلون الناس الى السكن الجامعي في مرسين، فبدأ التدافع لتحصيل أمكنة في الباصات الخمسة التي احضرت للنقل. "كنا سوريين وأتراك من سكان الحي" يقول أبو جاسم، ولكن بالكاد قضت العائلة ليلة في غرفة طلابية "حتى بدأ قرع ابواب غرف السوريين وطلب منهم النزول الى مدخل العمارة لنقلهم الى مركز مجهز تابع للشؤون الدينية". تزامن ذلك مع تصريحات عنصرية ضد اللاجئين السوريين لرئيس "حزب الظفر" أوميت أوزداغ المثير للجدل، فاعتبر البعض ان تفريغ المساكن الجامعية تأتي استجابة لنداءاته فيما رجح رأي آخر الى انها لتنفيس اي احتقان ممكن ان ينشأ ويؤدي الى ما لا تحمد عقباه.

ويتابع أبو جاسم "تبين ان المبنى لم يكن مجهزاً والمسؤولين عنه لم يتوقعوا قدومنا لكن الشرطة فرضت عليهم ادخالنا. قضينا ليلة من الصقيع في مبنى كبير فارغ اطفئت فيه التدفئة وفصل فيه الرجال عن النساء فتبعثرت العائلات عبر القاعات. ومع بزوغ الفجر طلبت الرحيل". انتقلت العائلة بالحافلات الى ماردين التي تبعد نحو 650 كلم عن مرسين، في رحلة دامت اكثر من 12 ساعة لتستقر في منزل صديق.

حضور الجنود على الارض بدا خجولاً الى حد بعيد واقتصر على محاولات منع السلب والنهب بعد ان كانت الموجات الاولى منه قضت على ما يمكن القضاء عليه سواء في سوق الذهب القديم او المولات والمحال التجارية وماكينات الصراف الآلي.  


وتتحدث أستاذة التاريخ في جامعة بوازيجي صدى ألتوغ، وهي تتحدر أيضاً من محيط هاتاي عن "سوابق" من عدم الجهوزية في الزلازل قابلتها استجابة "أسرع" تمثلت بانخراط الجيش سريعاً في عمليات الاجلاء والانقاذ والاسعاف. وتضرب ألتوغ مثالا على ذلك زلزال فان (شرق) في العام 2011 الذي خلّف دمارا شديدا ولكن الاليات العسكرية التي انتشرت سريعاً والمعدات المتوفرة للجيش ساهمت في انقاذ الأرواح، علماً إنها لم تعف الحكومة من انتقادات بالتقصير والتباطؤ تتكرر عند كل زلزال. وطرحت تساؤلات عن سبب عدم تدخل الجيش نهائياً في هذه الكارثة وهو الاكثر استعداداً والاقرب لوجستياً الى مواقع الضرر نظراً الى ان اسكندرون نفسها تضم أكبر قاعدة بحرية عسكرية. ولم يبدأ نشر بعض الوحدات إلا بعد زيارة الرئيس رجب الطيب أردوغان للمناطق المنكوبة في اليوم الرابع، تغير معها خطاب وسائل الاعلام وكثفت قناة اليوتيوب المخصصة للجيش تغطية حضور الجنود على الارض الى جانب المسعفين.

Getty Images
رجل يحرس أنقاض المباني المدمرة في أنطاكيا بعد الزلزال المدمر في جنوب تركيا

وإذ تعزو ألتوغ الامتناع عن نشر الجيش فوراً الى مخاوف من احتكاكات قد تنشب بينه وبين السكان الغاضبين على الحكومة، وان اختيار التوقيت يأتي لتنفيس الاحتقان، رأى حسين وهو أستاذ لغة تركية من أبناء العشائر في بلدة الريحانية إن الاحتمال المعاكس هو المرجح وان الحكومة لا تزال تخشى من تضامن شعبي مع الجيش وان تكون تلك فرصة لترميم الثقة بالمؤسسة العسكرية سيما بعد محاولات اضعافها وتحييدها إبان المحاولة الانقلابية في 2016.

واياً يكن من امر، فإن حضور الجنود على الارض بدا خجولاً الى حد بعيد واقتصر على محاولات منع السلب والنهب بعد ان كانت الموجات الاولى منه قضت على ما يمكن القضاء عليه سواء في سوق الذهب القديم او المولات والمحال التجارية وماكينات الصراف الآلي.

يرى كثيرون في هاتاي تحديداً انه كان يمكن تفادي حجم الاضرار وعدد القتلى بقليل من البصيرة والرقابة الادارية الجيدة. فبعد زلزال إزميت في عام 1999، أقرت الدولة قوانين بناء أكثر صرامة، لكن لم يتم إنفاذها دائماً أو مراقبة حسن تطبيقها


وبالنسبة لأكوغلو وكثيرين مثله في انطاكيا، شكل زلزال 1999 لحظة يقظة في الهوية الفردية والجمعية. فقد جاء كجرس انذار ليقول لهم ان منطقتهم على خط ساخن جيولوجياً وكما اليوم، بدا الناس يشعرون انه عقاب الهي لابتعادهم عن دينهم. وكانت التسعينات حقبة متأزمة شهدت صعود تيارات يسارية وقومية رسخت الانقسامات المجتمعية بقالب سياسي. حينذاك قرر والد أكوغلو كغيره من الآباء ارسال ابنه البكر ليتعلم دينه بحسب أصول الطائفة العلوية. وتقضي العادة ان يرسل الأبن في سن البلوغ الى مرشد او معلم يعيش في منزله ريثما يختم الدين وينقطع خلال تلك الفترة كلياً عن عائلته. وتلك بحسب أكوغلو "أول تروما" يتعرض لها ذكور الطائفة العلوية لما فيها من قسوة الانسلاخ عن كنف الأسرة والمجتمع الاوسع. وإذ ذاك تنبه الولد للمرة الاولى إنه ليس "تركيا" بقدر أستاذه الذي يحب، ورفاق صفه من ابناء الطبقة الوسطى الذين بذل جهوداً كبيرة للاندماج معهم. فلا هو غريب عنهم ولا هو منهم. وعليه، عندما حل الزلزال الأخير وكشف الدمار حجم الاهمال والفساد والزبائنية المستشرية، استعاد أكوغلو وغيره من مجايليه ذلك الشعور بأن مدينتهم ليست كمدن أخرى مثل غازي عنتاب مثلاً التي تصب أصواتها في صناديق الحزب الحاكم فحظيت باهتمام أكبر وقت الكارثة، وسبق لها ان نعمت ببنى تحتية متينة وحوكمة محلية جيدة انعكست اضراراً اقل في الممتلكات والارواح على رغم قربها من مركز الزلزال.

AP
متضررون من الزلزال فقدوا منازلهم يقطنون في خيام مؤقتة

ويرى كثيرون في هاتاي تحديداً انه كان يمكن تفادي حجم الاضرار وعدد القتلى بقليل من البصيرة والرقابة الادارية الجيدة. فبعد زلزال إزميت في عام 1999، أقرت الدولة قوانين بناء أكثر صرامة، لكن لم يتم إنفاذها دائماً أو مراقبة حسن تطبيقها. وهذا يتجاوز البنائين والمقاولين الذين قد يستخدمون مواد رديئة الى هيكلية ادارية كاملة من المفتشين والمسؤولين في البلديات والدوائر العقارية التي تصدر رخص البناء وتصاريح الإنشاء. وهناك أيضاً تكتلات رجال الأعمال المدعومين سياسياً والذين ضغطوا مراراً من أجل إقرار قوانين العفو عن المباني المخالفة بهدف انجاز بناء سريع وتحقيق أرباح أسرع.

وتم منح ما يصل إلى 75 ألف مبنى مخالف في جميع أنحاء منطقة الزلزال في جنوب تركيا قرارات عفو في السنوات العشرين الماضية، بحسب تصريحات اعلامية لبيلين بينار جيريتلي أوغلو رئيسة اتحاد غرف المهندسين الأتراك ومخططي المدن في إسطنبول، فيما كان قانون عفو جديد ينتظر موافقة البرلمان قبل أيام قليلة من وقوع الكارثة الأخيرة.

وكان لانهيار مجمع سكني فاخر مثل "رينيسانس ريزيدانس" المكون من 250 وحدة سكنية وقع هائل على النفوس. فقد كان ايجاد شقة في هذه "القطعة من الجنة" كما يقول الاعلان حلماً يراود كثيرين ومنهم أكوغلو. ويقول "كنت أطمح لشراء بيت في هذا المجمع ليكون مكاناً لي ولعائلتي في الاجازات وربما في التقاعد".

في المقابل، ووسط هذا الخراب المديد كله، انتصب المشروع السكني الحكومي والمعروف بـ "التوكي" كأنه خارج الزمان والمكان لا يعيبه إلا غبار الأبنية المحيطة كمن نجا أيضاً بأعجوبة. الضواغط الهوائية للمكيفات لم تحد عن ركيزتها قيد أنملة، الستائر التي عكسها زجاج النوافذ مرصوفة كأنها في مجلات الديكور المنزلي.  الزلزال لم يمر من هنا.

font change

مقالات ذات صلة