ميسرة صلاح الدين: جمهور القراء لديه شغف بالجديد

تجربته تشمل المسرح والشعر المحكي والترجمة

ميسرة صلاح الدين: جمهور القراء لديه شغف بالجديد

صدرت له العديد من الدواوين والمسرحيات الشعرية والغنائية، وحصل على عدد من الجوائز والتكريمات المحلية والعربية، كما شارك في العديد من المهرجانات والفعاليات الثقافية والفنية. ترجمت بعض قصائده إلى الإنكليزية والإيطالية والإسبانية، وقدم العديد من نصوصه المسرحية على خشبة المسرح، وله إسهامات متنوعة في مجال الترجمة حيث ترجم عددا من الأعمال الأدبية، منها رواية "شوجي بين" الفائزة بجائزة بوكر العالمية للكاتب الأسكتلندي دوغلاس ستيوارت و"رسائل ستيفان زفايغ"، ورواية "الناقوس الزجاجي" للشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث.

تدور قصائد ديوان "ابن الصبح"، وهو آخر أعمال صلاح الدين بالمحكية المصرية، حول الإنسان بضعفه ورغبته في التماهي مع المجتمع والحرب التي تدور داخل روحه.وإذ يرفض الشاعر تصنيف عمله هذا "فالشاعر يمكنه أن يصنف أعماله مثلما يحلو له، لكن ذلك في النهاية تقدير ذاتي لا يعبر بالضرورة عن الحقيقة. من هذا المنطلق فإن تجربة هذا الديوان كانت من التجارب المنهكة لي على المستوى النفسي والإنساني والإبداعي.استغرقت ست سنوات كاملة في كتابة الديوان ثم تحريره وإعادة كتابته مرات ومرات عديدة، وذلك حتى أشعر بقدر من الرضا الكافي حول علاقتي بالديوان وعلاقة الديوان بما كنت أشعر وأفكر به وقتذاك".

ليس بالضرورة أن تكون القصائد ذاتية لكنّ الصدق في تجربة الشاعر يخلق قصائد تمسّ ذوات الآخرين وتنفتح على مشاعرهم وأفكارهم وتعبر عنهم بشكل أو بآخر كما أنها تهبهم مساحة كبيرة للتأويل والتفكير الذي يفتح للقصيدة أفقا غير محدود للتلقي

الريحاني

انطلاقا من انخراط ميسرة صلاح الدين في المسرح، فقد شارك أخيرا في فيلم وثائقي تناول سيرة الفنان الراحل نجيب الريحاني عبر قناة "الوثائقية". ولعلّ الريحاني الذي ربطته علاقة فنية وطيدة بالشاعر الشعبي الكبير بديع خيري، يعدّ خيارا مناسبا لكاتب شاب يستكمل الطريق الذي شقه فنانون خالدون في الوجدان المصري من أمثال الريحاني وبديع خيري. عن هذه المشاركة يقول: "بداية، يجب القول إن وجود قناة وثائقية مصرية، خطوة مهمة فى مسار صحيح لمخاطبة العالم وتقديم أنفسنا بشكل لائق ومؤثر.

فالتاريخ المصري يحفل عبر جميع مراحلة بالأحداث والشخصيات التى تحتاج إلى البحث والتحليل وتستحق إلقاء الضوء عليها.على هذا الأساس فإن مشاركتي في وثائقي عن فنان في حجم نجيب الريحاني، يكتسب أهمية خاصة وقد ألقى على عاتقي وعاتق جميع المشاركين عبئا ومسؤلية ضخمين، وقد شعرت بوطأة الأمر ككاتب مسرحي".

العام والخاص

على الرغم من التقاء المسرح والشعر في جوانب عدّة، إلا أن مجال الشعر ينحو أكثر نحو الذاتية، في حين يتجه المسرح إلى المجال العام، دون أن يعني ذلك عدم التداخل بينهما كما في معظم الفنون. يقول ميسرة: "أتخذ من الشعر ملجأ انزوي فيه للنقاش مع نفسي ومكاشفتها. ولا يعني هذا بالضرورة أن القصائد يجب أن تكون ذاتية ولكن يعني هذا أن الصدق في تجربة الشاعر يخلق قصائد تمسّ  ذوات الآخرين وتنفتح على مشاعرهم وأفكارهم وتعبر عنهم بشكل أو بآخر كما أنها تهبهم مساحة كبيرة للتأويل والتفكير الذي يفتح للقصيدة أفقا غير محدود للتلقي. أما المسرح فأمر مختلف، فمن خلال الشخصيات الدرامية يمكنني كشاعر وكاتب تفهّم كل من اختلف معه والتعبير عنه. ويمكنني مناقشة قناعاتي بدرجات متفاوتة تصل إلى حد الاصطدام وربما حتى تفتيتها والتغلب عليها. ويمكنني وصف تجربتي مع المسرح بأنها أثرت فى  بناء قصيدتي الشعرية وجددت معارفي وخبراتي كشاعر وإنسان".

يشارك ميسرة صلاح الدين، مثل كثر من الشباب في الآونة الأخيرة، في ورش الكتابة المسرحية ويعتبر أن "الورش الإبداعية وسيلة أساسية من وسائل تبادل الخبرات وصقل المهارات الفنية. كما أن لها وظيفة أخرى وهي خلق رؤى مغايرة والتعرف إلى تجارب جديدة تتيح للمبدع وصاحب الموهبة الإلمام بالكثير من المهارات والمعلومات الأساسية التي تؤهله لأن يصنع لنفسه مع الوقت بصمة خاصة ويكتسب صوتا يعبر من خلاله عن نفسه وتجربته مع الفن والإبداع". لكنّ الورش الفنية في جميع المجالات "ليست في حد ذاتها ضمانا كافيا لخلق مبدع جديد ولا وسيلة مضمونة لصنع المواهب، لكنها في كل الأحوال بيئة صالحة لإعادة التوجيه لكل من يحاول اكتشاف نفسه ضمن مسار آخر، كما أنها بيئة صالحة لخلق متذوق جيد وواع لوظيفة الفن وأهمية الإبداع".

لا يمكن اتهام الجمهور بالانحياز إلى جنس أدبي محدد، أو كتابات ذات طابع خاص على حساب كتابات أخرى، كل ما هنالك أن الجمهور دائما لديه الشغف لاكتشاف الجديد

الترجمة

ترجم صلاح الدين رواية "الناقوس الزجاجي"، وهي الرواية الوحيدة للشاعرة الأميركية المعروفة سيلفيا بلاث، التي يعتبرها "رواية مكتملة الأركان"، وهي في الوقت نفسه "سردية ذاتية موجعة تملأها خصوصية الذات الشاعرة المحملة هواجس الوحدة والقلق التي سيطرت على حياة بلاث منذ بدايتها حتى اللحظات الأخيرة".

ويرى الشاعر المصري الشاب أن الترجمة "فعل أدبي مليء بالتحديات، فالمترجم يقع منذ اللحظة الأولى في مقارنات بين النص المترجم والنص الأصلي، وبين النص المترجم ونصوص أخرى مترجمة للكاتب نفسه، وبالطبع تعقد مقارنات كثيرة بين الترجمات المختلفة للنص نفسه. لذا، على المترجم التحلي بالمسؤولية الكافية لمواجهة التحديات المتعلقة بعملية الترجمة والشجاعة لاتخاذ القرارات التي يرى أنها في صالح النص وصالح القارئ".

أما عن سبب اختيار "الناقوس الزجاجي" على وجه التحديد، فيرجعه صلاح الدين إلى "نوع من التماس بيني كقارئ وشاعر وبين أشعار سيلفيا بلاث، وهو ما منحني قدرا من الطمأنينة للإقدام على تقديم ترجمة جديدة للعمل الروائي تعبر عن لغة سيلفيا بلاث الشعرية وعن مخاوفها الذاتية التي باحت بها من خلال النص".

ماذا عن دور الترجمة في صقل التجربة الشعرية؟

يقول صلاح الدين: "تجربة الشاعر مع الحياة هي الركيزة الأساسية لمشروعه الإبداعي، وكلما نمت معارف الشاعر وخبراته وتنوعت تجاربه، اختلفت تجربته وتطورت أشكالها واتسع أفق خياله وأصبح قادرا على التحليق إلى آفاق جديدة.ولا شك أن الإطلاع على تجارب الكتاب والشعراء من مختلف دول العالم والتفاعل مع تجاربهم وقراءة نصوصهم عن كثب، تساهم بشكل كبير فى التكوين الثقافي للشاعر والكاتب. ولكن يجب بعد استيعاب تلك التجارب وتكوين علاقة قوية معها كمترجم، أن أخرج منها وأنتصر لرؤيتي الشخصية كشاعر وكاتب مسرحي في سبيل الحفاظ على خصوصيتي الإبداعية".

خارج السرب

يعتبر ميسرة صلاح الدين  من المغردين القلائل خارج السرب، فهو يقبل على الكتابة المسرحية في الوقت الذي يتجه فيه الجميع إلى الرواية بوصفها الأكثر رواجا وانتشارا، وقد صدر له العديد من المسرحيات الشعرية والغنائية، التي قدم بعضها للجمهور على خشبة المسرح، مثل "ترام الرمل" و"بار الشيخ علي" و"أحوال شخصية"، لكنّ مسرحية "بنادورا" تظلّ لها مكانة خاصة في هذا المجال "ربما لأنها مسرحيتي الشعرية الثانية التي من خلالها بات المسار واضحا كشاعر وكاتب مسرحي".

في هذا السياق، يعترض صلاح الدين على فكرة أن جمهور القراء منحاز إلى الرواية "لا يمكن اتهام الجمهور بالانحياز إلى جنس أدبي محدد، أو كتابات ذات طابع خاص على حساب كتابات أخرى. كل ما هنالك أن الجمهور دائما لديه الشغف لاكتشاف الجديد. لهذا سوف يشارك دائما أصحاب التجارب المختلفة في مغامراتهم الإبداعية إذا شعر بأن لديهم الصدق الكافي والدأب اللازم لتطوير أدواتهم فى سبيل ذلك التجديد".

أخيرا، يعتبر ميسرة صلاح الدين الذي نال العديد من الجوائز الأدبية في مصر وخارجها، أن الجوائز "أحداث عارضة في حياة الكاتب قد تقع كثيرا وقد لا تقع على الإطلاق، وليس لها دلالة في ذاتها بقدر ما هي دافع معنوي جيد للاستمرار وبذل المزيد من الجهد في البحث والتأمل وخوض التجارب الجديدة مع الفن والحياة. إلا أن كل ما أطمح  إليه على المستوى الشخصي أن تكون الحياة أكثر لطفا ورحابة، وأن أمتلك القدرة على تقييم تجربتي مع الفن والإبداع بحيادية كافية بهدف تطويرها ودفعها طوال الوقت لمسارات ورؤى جديدة".  

font change

مقالات ذات صلة