ما هو الاقتصاد الدائري؟

لندن تلعب دورا رياديا في تطبيقه لادارة مخلفات المباني والغذاء

Luca D'Urbino
Luca D'Urbino

ما هو الاقتصاد الدائري؟

الاقتصاد الدائري هو مفهوم اقتصادي حديث يُحافَظ فيه على المواد قيد الاستخدام بأعلى قيمة لها لأطول فترة ممكنة، ثم يُعَاد استخدامها أو يُعَاد تدويرها، مما يخلّف حداً أدنى من النفايات المتبقية، وهذا يتناقض مع نظام الاقتصاد التقليدي المتبع حاليا، حيث تُستَخرَج المواد وتُصنَّع وتُستخدَم وتُرمَى. أما بالنسبة للأعمال، فالأمر لا يتطلب تفكيراً كثيراً: تقليل النفايات إلى الحد الأدنى، وتعزيز القيمة إلى الحد الأقصى.

يوفر الاقتصاد الدائري حلاً ثوريا للتجدد المطلوب إذا أردنا الابتعاد عن دورات الاقتصاد التقليدية والتوجه نحو نموذج اقتصادي مستدام فعلا، مع تحديات التعافي الاقتصادي والحد من التضخم المتفشي في معظم أنحاء العالم، بعد جائحة كوفيد-19 وشن روسيا الحرب على أوكرانيا.

بالنسبة إلى بعض الدول، هو يعرض تحولاً؛ بالنسبة إلى دول أخرى، هو ثورة تحتاجها في فكرها الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؛ لكن بالنسبة إلى الدول التي تلتزم بالاقتصاد الدائري بجدية وممارسة مسؤولة، هو فرصة ذهبية للحصول على نتائج اقتصادية ممتازة أكثر مرونة وابتكارا واستدامة لسكانها.

يساعد الاقتصاد الدائري في معالجة بعض التحديات البيئية الأكثر خطورة في عصرنا، مثل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي واستنفاد الموارد والتلوث. كذلك يمكن أن يولّد فرصاً جديدة للابتكار وإتاحة فرص العمل والدمج الاجتماعي والنمو الاقتصادي.

يمكن أن تحصل لندن على موارد صافية مقدارها سبعة مليارات جنيه إسترليني سنوياً بحلول عام 2036 إذا سرّعت التحول إلى الاقتصاد الدائري

دور لندن الريادي

تُعَدّ لندن واحدة من المدن الرائدة في العالم التي تتبنى رؤية الاقتصاد الدائري.

نشرت "ري لندن" ("مجلس لندن لمعالجة النفايات وإعادة التدوير" سابقاً) عام 2017، بصفتها "المؤسسة الرائدة في الاقتصاد الدائري لصالح لندن"، خريطة طريق اقتصاد لندن الدائري، وهي وثيقة استراتيجية لتسريع تحول لندن إلى مدينة دائرية، بالمعنى البيئي.

يمكن أن تحصل لندن على موارد صافية مقدارها سبعة مليارات جنيه إسترليني سنوياً بحلول عام 2036 إذا سرّعت التحول إلى الاقتصاد الدائري، كما أشارت الوثيقة، مع إمكان تحقيق 2,8 مليار جنيه من خلال الإجراءات الواردة في الوثيقة.

وحددت خريطة الطريق خمسة قطاعات ذات أولوية، لديها القدرة على تحقيق منافع بيئية واجتماعية واقتصادية كبيرة هي: الأغذية والمنسوجات والبلاستيك والأدوات الكهربائية والمباني. كذلك حددت عدداً من الإجراءات التي يمكن أن يتخذها مختلف الأطراف المعنيين، مثل الشركات والحكومة والمواطنين والأوساط الأكاديمية، لتنفيذ حلول الاقتصاد الدائري في هذه القطاعات.

على مدى السنوات القليلة الماضية، شهدت لندن العديد من مبادرات الاقتصاد الدائري التي تركت أثراً إيجابياً في البيئة والمجتمع، نعرض منها اثنتين في قطاعين البناء والغذاء:

AFP
منحوتات بالحجم الطبيعي لقطيع من الأفيال الآسيوية وسط لندن

البصمة البيئية للمباني ... و"الليغو"

يمثل قطاع البناء نحونصف الانبعاثات الإجمالية للغازات الدفيئة النابعة من الاستهلاك في لندن وأكثر من نصف النفايات المولدة فيها.لذلك، يمكن لتطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري على هذا القطاع أن يخلف أثراً كبيراً لجهة الحد من البصمة البيئية في لندن.

في الطريق لتحقيق ذلك ما يشبه عودة المرء إلى طفولته، وتلك الساعات المتواصلة من اللعب باستخدام قطع "الليغو". المبدأ الأساسي هو نفسه: البناء بطريقة ما، وفي نهاية عمر هذا المبنى، يمكن تفكيكه وإعادة استخدام الأجزاء لبناء مجسم رائع كالمبنى السابق (إن لم يكن أكثر جمالا)! من الممكن الاستفادة من الفرص لتكييف تلك المباني بهدف تمديد فترة صلاحيتها مع تغير التوجهات والاحتياجات.

وضعت لندن هذا المبدأ موضع التنفيذ، إذ يجب على كل أعمال البناء أن ينظر رئيس البلدية في امتلاكها بيانات تنص على احترام الاقتصاد الدائري على النحو المنصوص عليه في سياسة الخطة اللندنية "إس. آي. 7" الصادرة عام 2021 ومفادها "الحد من النفايات ودعم الاقتصاد الدائري". وهذا يعني أن كل مشاريع المباني الكبيرة في المدينة، يجب أن تُدخل مبادئ الاقتصاد الدائري في تصميم المباني من الأساس.

يمثل قطاع البناء نحو نصف الانبعاثات الإجمالية للغازات الدفيئة النابعة من الاستهلاك في لندن وأكثر من نصف النفايات المولدة فيها

لا شك أن، التفكير في هندسة "البصمة" الكربونية للبناء والتجديد لا يقل أهمية عن التفكير في نهاية عمر تلك المباني.من المهم جداتعزيز استخدام المواد المعاد تدويرها والمتجددة في مشاريع البناء والتجديد. يُعَدّ مبنى "الكريستال" في رويال فيكتوريا دوك في لندن، أحد أكثر المباني استدامة في العالم.  

يستخدم المبنى طاقة متجددة بنسبة 100 في المئة، ويتضمن موادّ معاداً تدويرها مثل الفولاذ والألومنيوم والزجاج. بُنِي هذا الصرح التاريخي في قلب مقاطعة المشاريع الخضراء، وهو الآن المقر الجديد لرئيس بلدية لندن وحكومتها المحلية، ويشكل مثلا لبقية العالم عن أهمية الاقتصاد الدائري لحاضر لندن ومستقبلها.

تريليون دولار إهدار الغذاء

ينبغي أن نعلم أن كل فرد من عشرة أفراد في العالم، ليس لديه ما يكفي من الغذاء، فيما يُهدَر 1,3 مليار طن من الأغذية على مستوى العالم كل سنة، بقيمة توازي نحو تريليون دولار.

تقدر كمية الغذاء المهدورة في المملكة المتحدة بنحو 9,5 ملايين طن، 70 في المئة منها مصدرها المنازل. ويُعتقَد بأن نحو 30 مليون شخص (أي ما يعادل مجموع سكان اليمن مثلا) يمكن تغذيتهم بالطعام المهدور في المملكة المتحدة وحدها كل سنة.

وأظهرت دراسات "ري لندن" أن أكثر من نصف الأطعمة التي يجري التخلص منها كان لا يزال صالحاً للأكل! لذلك، يساهم قطاع الأغذية محلياً وعالمياً، في الحاجة إلى التحول إلى اقتصاد دائري أكثر. إذا فشلنا في ذلك، فنحن لا نهدر موارد بمليارات الدولارات فحسب، بل نساهم أيضاً في انبعاثات الغازات الدفيئة.

 REUTERS
بحيرة سربنتين في هايد بارك في لندن، بريطانيا، 4 يونيو 2023.

تشير التقديرات إلى أن الأغذية والمشروبات تمثل 10 في المئة من الانبعاثات الناتجة من الاستهلاك في لندن، وهي المساهم الأكبرفي هذه الانبعاثات بعد الإسكان والنقل.

يُهدَر 1,3 مليار طن من الأغذية على مستوى العالم كل سنة، بقيمة توازي نحو تريليون دولار

من أجل معالجة هذه المشكلة، اعتمدت لندن مبادرات عدة للحد من الهدر وتعزيز الإنتاج والاستهلاك المستدامَين للأغذية.

قاد رئيس بلدية لندن و"ري لندن" و"مؤسسة إيلين ماك آرثر" العمل مع الأطراف المعنيين لإنشاء "مبادرة الأغذية الرائدة". وبعد البحث والتخطيط، أطلقت "ري لندن" بصمتها الغذائية في لندن والتي تضم 20 قطاعا ذا أولوية للمعالجةفي العاصمة.

تستند هذه المعالجات إلى استراتيجيا غذائية للبلدية تضع رؤية لنظام غذائي صحي منصف ومستدام في لندن. كذلك تشهد لندن مشروع "ترايفوكال" (إحداث تحول في العادات الغذائية في المدينة مدى الحياة) الذي يهدف إلى زيادة الوعي بين سكان المدينة عن كيفية منع هدر الأغذية، وإعادة تدوير الفضلات الغذائية التي لا يمكن تجنبها، واعتماد عادات غذائية صحية ومستدامة.

كذلك يؤدي القطاع الخاص وقطاع الجمعيات الخيرية دوراً مهماً مع "مشروع فيليكس" الرائد لجمع الأغذية الفائضة من الموردين وتسليمه إلى الجمعيات والمدارس التي توفر وجبات غذائية للمحتاجين.  بالإضافة إلى ذلك، ترتبط سلسلة "بريت" للمقاهي بمنظمات خيرية محلية لتوفير فائض الأغذية في المسعى ذاته.

الأغذية عامل رئيسي لرفع معدلات إعادة التدوير

تُعَدّ إيلينغ، المقاطعة الواقعة في غرب لندن، إحدى أفضل المناطق الإدارية في العاصمة على صعيد إعادة التدوير، بعدما قطعت خطوات كبيرة في تحسين أدائها في هذا المجال. وبلغت معدلات إعادة التدوير في المنطقة الإدارية مستويات قياسية لامست 53 في المئة، ولا تزال المنطقة ثاني أفضل المناطق أداء في العاصمة كلها، إذ تحقق أداء أعلى بكثير من المتوسط الذي تسجله لندن بشكل عام. 

تقدم المنطقة الإدارية خدمة إعادة تدوير شبه شاملة، تبدأ عند أبواب المنازل. والعامل الرئيسي في التوصل إلى معدل مرتفع لإعادة التدوير، هو التشجيع على العادات الإيجابية خلافا للعادات السلبية، مما يؤدي إلى إعادة تدوير الفضلات الغذائية والاستهلاكية بدلاً من إرسالها مع النفايات الأخرى غير المعاد تدويرها. 

ساهمت عمليات جمع النفايات الأسبوعية المتواترة، إلى جانب الجمع الأسبوعي المتواصل للفضلات الغذائية، في جعل السكان المحليين يعيدون النظر في إنتاج الفضلات الغذائية والتخلص منها، مما رفع معدل إعادة تدوير هذه الفضلات بنسبة 50 في المئة تقريباً بعد التغييرات التي بدأ العمل بها قبل بضع سنوات. 

المدن تقود المستقبل الدائري؟

تتمتع المدن بوضع فريد يمكنها من الدفع في اتجاه التحول العالمي نحو اقتصاد دائري. توفر المدن مخزونا كبيراً من المعرفة يمكن استخدامه لتعزيز استدامتها، إلى جانب تمتعها بنسبة كبيرة من الموارد ورأس المال، والبيانات والمواهب ضمن إطار جغرافي محدود نسبياً.

تشير "مؤسسة إيلين ماك آرثر" إلى أن بناء اقتصاد دائري في المدن يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية هائلة. وإذا تمكنا من الحد من الازدحام، وانهاء الهدر، وخفض التكاليف، فستسمح زيادة الإنتاجية الاقتصادية والنمو الجديد للمدن بالازدهار.

للمدن والمناطق دور أساسي في التحول من "الاقتصاد المستقيم" التقليدي إلى "الاقتصاد الدائري"، إذ إنها مسؤولة عن السياسات الرئيسية في الخدمات العامة المحلية، مثل النقل والنفايات الصلبة والمياه والطاقة، التي تؤثر في أسلوب معيشة المواطنين والنمو الاقتصادي والجودة البيئية. 

تؤدي لندن دوراً قيادياً، لكن لا يزال أمامها عمل كثير تضطلع به.

font change

مقالات ذات صلة