المبعوث الأممي لسوريا: لدينا فرصة نادرة للحل

قال في حديث إلى “المجلة” إنه لا يمكن لأي جهة فاعلة حل الأزمة بمفردها

UN Press Agency
UN Press Agency

المبعوث الأممي لسوريا: لدينا فرصة نادرة للحل

بعد عودة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربية، وحضور الرئيس بشار الأسد القمة العربية في مدينة جدة السعودية ورعاية موسكو لمسار التطبيع بين دمشق وأنقرة، شهدت القضية السورية زخما دبلوماسيا على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي سياق متابعة هذه التطورات كان لـ"المجلة" هذا الحوار مع المبعوث الأممي الخاص بسوريا غير بيدرسون، حول عدد من التساؤلات المهمة المتصلة بالملف وتفاعل الأطراف المختلفة معه.

يرى بيدرسون أن هناك “فرصة يجب استثمارها” لبناء الثقة والبدء بالسير نحو حل سياسي، لافتا إلى ضرورة التقاطع بين جميع المبادرات ومشاركة الأطراف الفاعلة في سوريا. وقال إن هناك إجماعا بين الأطراف على أمرين، وهما: عدم قدرة أي طرف بمفرده على حل الأزمة، وعدم القبول باستمرار الوضع الراهن.

وشدد المبعوث الأممي، الذي تسلم منصبه قبل أربع سنوات، على أن هناك “حاجة لدفع عملية التسوية للأمام” من خلال مبادرة "خطوة مقابل خطوة"، و"إقناع الحكومة في دمشق بأن الوقت قد حان لإنهاء المأساة التي استمرت لوقت طويل جدا."

في هذا الحوار تحدث بيدرسون عن أهمية الدور العربي في الدفع بالقضية السورية قدما نحو حل قضايا النازحين واللاجئين، تحت مظلة أممية يراها بيدرسون ضرورية في هذا التوقيت. كما تحدث عن ضرورة توافر “عامل الثقة” بين الأطراف الرئيسة إقليميا ودوليا، مؤكدا على أنه “كي نتقدم لا بد من التسوية دون عقلية صفرية”. وأشار المبعوث الأممي إلى أن "العرب والأميركيين والإيرانيين والأتراك والروس يستطيعون المساهمة بشكل إيجابي". وأن دوره هو "فهم نقاط الخلاف، وكيفية تقديم شيء جديد، بحيث يتم تحقيق تقدم بشكل متراكم وصولا إلى بحث القضايا الجوهري."

وأعرب عن الأمل في الوصول إلى "وضع نعالج به تطلعات الشعب السوري واستعادة سيادة سوريا ووحدتها واستقلالها”، وأن يكون “حلا يلبي طموحات الشعب السوري."

شدد المبعوث الأممي، الذي تسلم منصبه قبل أربع سنوات، على أن هناك "حاجة لدفع عملية التسوية للأمام" من خلال مبادرة "خطوة مقابل خطوة"، و"إقناع الحكومة في دمشق بأن الوقت قد حان لإنهاء المأساة التي استمرت لوقت طويل جدا."

وهنا نص الحديث الذي جرى في مكتبه بمقر الأمم المتحدة في جنيف وعبر الإنترنت:

شاركت الأمم المتحدة في مساعي حل الأزمة السورية لأكثر من 12 عاما، ولكن حتى الآن لا توجد تسوية سياسية، ولا يوجد تنفيذ لقرارات "بيان جنيف" الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. هل كان في إمكان الأمم المتحدة أن تلعب دورا مختلفا لتحقيق تقدم ما على مدى السنوات الـ12 الماضية؟

دعونا نبدأ بالتذكير بأنه كان هناك انقسام دولي عميق حول كيفية التعامل مع الأزمة السورية منذ الوهلة الأولى. ولعلكم تتذكرون أنه في الأشهر الأولى لم يكن من الممكن تبني أي قرار من مجلس الأمن بسبب اعتراض الجانب الروسي الذي كان يرى أن أهم درس من الثورة الليبية هو منع تبني أي قرار قد يفتح الطريق لتغيير النظام في سوريا. كانت هذه القضية في حينها أحد أكبر المعضلات، وعليه كان هناك شد وجذب حتى تم تبني قرار مجلس الأمن 2254 في ديسمبر/كانون الأول 2015. الذي كان، نوعا ما، قرارا طموحا مبنيا على إجماع دولي جديد. أما بالنسبة للأمم المتحدة، فما يميزنا هو أننا الطرف الوحيد الذي تقبل وساطته من قبل جميع الأطراف لبدء مفاوضات داخل سوريا. لقد مرت هذه الوساطة بمراحل متعددة ومختلفة ولكنها لم تسفر عن أي نتيجة. وعلى الرغم من ذلك، أعتقد أنه من الضروري التأكيد على أننا ما زلنا ملتزمين يهذا المسار، وقد ذكّرت مجلس الأمن عدة مرات بأنه لا يوجد طرف بمفرده قادر على حل الصراع. وكما صرحت مرات عديدة، لا يمكن للأمم المتحدة حل النزاع بمفردها بالتأكيد. إننا بحاجة لتعاون الأطراف السورية نفسها ولتعاون دولي مشترك. لقد تبين على مدى سنوات عديدة أن أطرافا كثيرة يمكنها، بل وقامت بالفعل، بعرقلة الحل.

رسالتي هي نفسها، نحن بحاجة لجهد منسق في اتجاهات متعددة لحل هذا الصراع، وهذا هو ما تطرحه الأمم المتحدة على طاولة المفاوضات. يجب أن يكون هناك تنسيق مع كافة الأطراف التي تمتلك مفاتيح حل المشكلة، بداية من الأطراف السورية، ووصولا إلى القوات الأجنبية التي لها وجود على الأرض، بالإضافة إلى الدول التي تفرض عقوبات. لا يمكن لأي مؤسسة غير الأمم المتحدة دعوة هذه الأطراف المختلفة معا.

ومهما كانت المهمة صعبة ومليئة بالتحديات، لم ولن نيأس... ولن نستسلم، ولن نتخلى عن مسؤولياتنا تجاه الشعب السوري.

لقد قلت دائما إن لدينا كثيرا من أصحاب المصالح في سوريا، أصحاب مصالح أجانب، بإمكان أي منهم منع أو عرقلة التسوية، ولكن لا يمكن لأي طرف منهم بمفرده القيام بالتسوية.

هذه هي رسالتي بشكل محدد. لا يسعنا بالتأكيد سوى أن نرحب بالمبادرات المختلفة، لأنه لا يمكن لأي طرف بمفرده حل النزاع، ويجب على جميع الأطراف الفاعلة فهم ذلك، وهذا التحليل ناتج عن الحقائق الجيوسياسية التي دفعتني إلى القول بأن الحل الشامل ليس ممكنا في الوقت الحاضر. وفي الوقت ذاته، لا ينبغي قبول الوضع الراهن. فنحن بحاجة للبحث عن طرق يمكن من خلالها دفع عملية التسوية قدما من خلال مقاربة "خطوة مقابل خطوة" وبشكل تدريجي.

Majalla
المبعوث الأممي الخاص بسوريا غير بيدرسون في مقابلة خاصة مع مدير التحرير التنفيذي لـ "المجلة" إبراهيم حميدي

 

رسالتي هي نفسها، نحن بحاجة لجهد منسق في اتجاهات متعددة لحل هذا الصراع، وهذا هو ما تطرحه الأمم المتحدة على طاولة المفاوضات.

المبعوث الأممي الخاص بسوريا غير بيدرسون

بينما نتحدث عن أصحاب المصلحة، هناك الآن مبادرة جديدة، أو بمعنى أدق مرحلة جديدة مبنية على المبادرة العربية. لقد عاد العرب للمشاركة في حل الأزمات العربية. كيف تنظر إلى هذا من حيث تنفيذ أو إنجاز مهمتك أو عملك كمفوَض؟

أوافق على أن ما نحن فيه هو مرحلة جديدة. واسمحوا لي أن أحاول إثارة ثلاث نقاط:

 هنالك اهتمام عربي متجدد بحل الأزمة السورية. لم أر  مثل هذا الاهتمام من الدول العربية الفاعلة في المنطقة منذ وقت طويل. ومن الأهمية بمكان القول بأن الصراع السوري هو في المقام الأول شأن سوري، وثانيا هو شأن عربي. وبالنسبة للأمم المتحدة، لا يوجد شك في أهمية الدور الذي تلعبه المنظمات الإقليمية في حل النزاعات. وعندما أسست البعثة في عام 2012 كانت بعثة مشتركة للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. ومنذ أن توليت مهام منصبي، أحاول حثيثا جمع كافة الجهات الفاعلة أو الرئيسة على الطاولة نفسها، بما في ذلك الأطراف العربية، وهذا السعي مبني على ما تمت مناقشته من قبل، من أنه لا يمكن لجهة بمفردها حل هذا الصراع. نحن بحاجة إلى جمع كافة الأطراف على الطاولة ذاتها، وبالتأكيد فإن الدول العربية تلعب دورا محوريا في هذا الصراع. وملاحظتي هي أن ثمّة أسبابا كثيرة جعلت الدول العربية تعود مرة أخرى إلى الملف السوري، وهذا بالنسبة لي أمر هام للغاية.

  بغض النظر عن التسمية التي تريد استخدامها، سواء كان ذلك تطبيعا أم شيئا آخر، فإن الواقع مما فهمته ومن مشاركتي مع أصدقائي العرب، هو أن هذا ليس مجرد جهد لطي صفحة الماضي في آخر 12 سنة، والمضي قدما كأن شيئا لم يكن. هناك بعض المبادرات العربية لحل النزاع بناء على قرار مجلس الأمن 2254. وحسب فهمي، فإن هناك خطوات واضحة وملموسة يجب على الحكومة السورية اتخاذها أولا. وهذا الحل شبيه بمبادرتي القائمة على مقاربة "خطوة مقابل خطوة".

  كما نرى أيضا تواصلا من جانب تركيا مع سوريا والحكومة في دمشق. وهناك الآن تفاهمات تجري في موسكو بين تركيا وسوريا وإيران وروسيا. وهذا أيضا تطور هام.

لقد بدأت حديثي بالإشارة إلى محاولات تغيير النظام التي تلت بدء الصراع عام 2011. وهناك تطور كبير في مواقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في هذا الشأن، فالطرفان لم يعودا يتحدثان عن تغيير النظام السوري، ولكنهما يطالبان فقط بتغيير سلوكه. وهناك توافق في الآراء حول ضرورة إشراك دمشق في العملية ومعرفة ما إذا كان بإمكان سوريا المضي قدما نحو تحقيق تقدم تدريجي. وأنا أذكر هذه العناصر الثلاثة لأنني أعتقد أن هذه العناصر الثلاثة الجديدة يجب أن تساعدنا كذلك في إقناع الحكومة في دمشق بأن الوقت قد حان للمشاركة في عملية يمكن أن تساعدنا على المضي قدما على طريق إنهاء المأساة التي استمرت لوقت طويل.

 بغض النظر عن التسمية التي تريد استخدامها، سواء كان ذلك تطبيعا أم شيئا آخر، فإن الواقع مما فهمته ومن مشاركتي مع أصدقائي العرب، هو أن هذا ليس مجرد جهد لطي صفحة الماضي في آخر 12 سنة، والمضي قدما كأن شيئا لم يكن. هناك بعض المبادرات العربية لحل النزاع بناء على قرار مجلس الأمن 2254.

المبعوث الأممي الخاص بسوريا غير بيدرسون

وكما قلت فإن القرار رقم 2254 هو مرجعية العملية السياسية في سوريا، وقد تمت الموافقة عليه في ديسمبر/كانون الأول 2015، وورد ذكره في قرار جامعة الدول العربية واجتماع عمان. هل هذا هو مجرد خطاب من قبل الحكومات العربية، أم إنها جادة في العمل المشترك معكم لتطبيق قرار الأمم المتحدة الصادر عن مجلس الأمن؟

أرحب بشدة بإشارة جامعة الدول العربية في قرارها الصادر حول عودة سوريا والقرار اللاحق الذي صدر عن قمة جدة لقرار مجلس الأمن رقم 2254 وهو ما يبعث برسالة مهمة وقوية لأولئك الذين يفهمون أهمية قرارات الأمم المتحدة ويقدرون قيمة العمل في إطار الشرعية الدولية. لا يوجد إطار آخر يمكن لجميع الأطراف قبوله، بما في ذلك الجانب السوري نفسه. إن حقيقة وجود توافق دولي في الآراء على القرار رقم 2254 أمر في غاية الأهمية. بالإضافة لذلك، فإنه من الجيد عدم وجود أي محاولة حتى الآن لاستبدال القرار رقم 2254 بآخر. نحن نفهم جميعا أن كثيرا من الأمور تغيرت في الصراع خاصة على المستوى الدولي منذ تبني القرار في ديسمبر/كانون الأول 2015.

يجب علينا أن نكون عمليين فيما يخص مستوى التقدم الذي نحرزه. ويجب كذلك علينا وعلى جميع الأطراف التحلي بالواقعية. لذلك نأمل أن يكون هذا القرار هو حجر الأساس الذي يمكننا البناء عليه.

Saudi Press Agency via AP
صورة جماعية للقادة العرب في قمة جدة بحضور الرئيس السوري بشار الأسد

فيما يخص اجتماع المتابعة الوزاري العربي، يعتقد بعض المحللين أنه قد يكون بديلا عن الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة مثلما حدث في مبادرات أخرى، مثل آستانة، أو مسار موسكو، هل توافقهم الرأي، أم أنك تعتبر الاجتماع العربي مكملا لدور الأمم المتحدة؟

يجب أن نرحب بالاهتمام العربي المتجدد والمبادرة العربية للمساعدة في حل الصراع. وكما قلت، لا يمكن لأي جهة بمفردها حل الصراع. يجب أن يكون هناك تعاون دولي للوصول لحل للأزمة. وسأواصل العمل عن كثب مع لجنة المتابعة العربية. لقد كنت على تواصل مستمر مع وزير الخارجية المصري سامح شكري، ومع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي. لقد اتفقنا على أن نعمل معا بشكل وثيق، وعلى تبادل المعلومات، بالإضافة إلى التنسيق عن كثب مع لجنة المتابعة العربية، سأستمر كذلك في العمل بشكل وثيق مع مجموعة موسكو، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وكافة أعضاء مجلس الأمن. وهذا هو الدور المحوري الذي يمكنني لعبه على طاولة المفاوضات. آمل أن ألتقي بلجنة المتابعة العربية قريبا وأن نتمكن من تحديد كيفية القيام بذلك. وهي خطوة مرحب بها للغاية.

"خطوة مقابل خطوة" هو النهج الذي تتبعه في مبادرتك، وهو جهد خاصٌ بك رعيتَه لمدة عامين للترويج لهذه الفكرة التي تمّ في النهاية قبولها ودعمها من قبل الأطراف المعنية، وقد ورد ذكر تلك المقاربة خلال اجتماع عمان الوزاري. كيف تعتقد أنه يمكننا تحقيق تقدم فيما يخص نهج الـ"خطوة مقابل خطوة؟"

أرحب وبشدة بكون العرب لا يكتفون بالإشارة للقرار رقم 2254، بما في ذلك أهمية إعادة انعقاد اللجنة الدستورية والمصالحة الوطنية، ولكنهم يشيرون أيضا إلى مقاربة الـ "خطوة مقابل خطوة"، بالإضافة لحقيقة وجود إجماع واسع حول هذه المقاربة، وينطلق هذا الإجماع من حقيقة أن الوصول إلى حل شامل في الوقت الراهن أمر صعب، وبالتالي فإننا بحاجة للمضي قدما من خلال خطوات قابلة للتطبيق بصورة تدريجية.

في الحقيقة، لقد كنت أنا من طوّر مفهوم "خطوة مقابل خطوة"، ولكن الولايات المتحدة والاتحاد الروسي هما من استخدما ذلك المصطلح بالفعل في مايو/أيار 2019. "خطوة مقابل خطوة" هي الطريقة التي وصفا بها محادثاتهما الثنائية حول الصراع السوري. وما قمنا به، هو تطوير المصطلح أكثر فأكثر. أما على الجانب العربي، فقد قام الأردن على وجه الخصوص بتطوير هذا المصطلح، وأتوقع أنه سيكون هناك تواصل مع لجنة المتابعة العربية حول كيفية المضي قدما فيما يخص هذا الشأن.

 

في الحقيقة، لقد كنت أنا من طوّر مفهوم "خطوة مقابل خطوة"، ولكن الولايات المتحدة والاتحاد الروسي هما من استخدما ذلك المصطلح بالفعل في مايو/أيار 2019. "خطوة مقابل خطوة" هي الطريقة التي وصفا بها محادثاتهما الثنائية حول الصراع السوري. 

المبعوث الأممي الخاص بسوريا غير بيدرسون

تقوم مقاربة الخطوة مقابل خطوة على عدة عناصر منها العنصران الإنساني والسياسي. هل نتحدث عن العمل على تنفيذ جميع المكونات، أم التركيز فقط على المرحلة الأولى، وهي المرحلة الإنسانية؟

بالنسبة لي، من المهم الدفع بخطوة أولى إلى الأمام. وكما تعلمون جيدا، هناك حالة عميقة من انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة، وما يقلقني. إذا تمكنا من البدء في دفع تلك العملية للأمام، المضي قدما بشكل مقبول من كافة الأطراف، فإن ذلك سيكون أول علامة على نجاحنا في تحقيق تقدم تدريجي لحل الأزمة.

ففي أعقاب الزلازل والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، تفاقمت الأزمة الإنسانية في سوريا فهناك نحو 15 مليون شخص بحاجة ملحة للمساعدة الإنسانية، لذلك فمن المنطقي البدء أولا بالجانب الإنساني. أما فيما يخص قرار العرب بخصوص الأولويات، فهو بالطبع أمر متروك لهم.

السيد بيدرسون، هل يمكن أن نعرض للقراء بعض الخطوات التي نتحدث عنها ضمن مقاربة "خطوة مقابل خطوة"؟ عن أي شيء نتحدث بشكل ملموس؟

هناك طرق مختلفة للنظر إلى ذلك، لكن يجب أن نطرح الموضوع بطريقة تخص حياة السوريين. فهناك قضايا متعلقة بملف المعتقلين والمفقودين. ربما قضايا متعلقة بالتجنيد الإجباري، وقضايا تتعلق بالسكن والأرض وحقوق الملكية والوثائق المدنية. وعلى الجانب الآخر، هناك قضايا تتعلق بكيفة تقديم المساعدات الطبية والدوائية والزراعية والصناعية، ودور العقوبات في ذلك.

الأمر المهم، هو أن تتفق الأطراف المختلفة بشكل مسبق على ما يمكنها القيام به، وأن تكون الخطوات دقيقة وقابلة للتحقق والبناء عليها للخطوات المقبلة.

Ewan White

هل وافقت دمشق على "خطوة مقابل خطوة"؟

يجب أن تسأل دمشق مباشرة، لكن ما يمكنني قوله هو أنني أجربت حوارا مع دمشق لعدة أشهر، هذه المناقشات مستمرة. وهناك شكوك كثيرة من اللاعبين الرئيسين، من الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودمشق، إزاء كيفية المضي قدما في هذه العملية. لكنني أرى أنه يجب بناء حد أدني من الثقة حتي يتسنى المضي قدما في هذه العملية.

 فالتواصل التركي والعربي مع دمشق يجب أن يعطي الأخيرة ثقة كافية بأن الوقت قد حان كي تنخرط بشكل جدي في هذه العملية.

ماذا عن موضوع اللاجئين والكبتاغون؟ هذان ملفان رئيسان تريد دول عربية من دمشق أن تتحرك فيهما: تعيد اللاجئين وتفكك شبكات المخدرات؟

نعم. هذه أمور مهمة جدا بالنسبة إلى دول جوار سوريا، وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون جزءا من المبادرة العربية. قضية اللاجئين هي بالفعل قضية جوهرية. أما مسألة الكبتاغون وتهريب المخدرات عبر الحدود، فيجب معالجتهما أيضا، فالدول العربية تعاني بسبب عدم الاستقرار على الحدود السورية وتهريب المخدرات.

جربت حوارا مع دمشق لعدة أشهر، هذه المناقشات مستمرة. وهناك شكوك كثيرة من اللاعبين الرئيسين، من الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودمشق، إزاء كيفية المضي قدما في مبادرة "خطوة مقابل خطوة". لكنني أرى أنه يجب بناء حد أدني من الثقة حتي يتسنى المضي قدما في هذه العملية.

المبعوث الأممي الخاص بسوريا غير بيدرسون

موضوع اللاجئين والنازحين، قضية مفتاحية. السؤال: كيف نعالجها؟

هناك مبادئ رئيسة يجب احترامها. أولا، عودة كريمة وآمنة وطوعية للاجئين. أنت بالتأكيد اطلعت على استطلاع الرأي الأخير الذى أجرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشوؤن اللاجئين والذي يشير إلى أن عددا قليلا للغاية من السوريين يريدون العودة خلال العام الجاري. لكن إذا تحدثنا على المدى الطويل بعد خمس سنوات، فإن هناك عددا أكبر يريد العودة.

ما هو السبب وراء ذلك؟

هناك أمران يخصان اللاجئين ويؤثران في قرارهم بالعودة: نقص سبل العيش في سوريا، وانعدام الأمان والأمن في بلدهم. هناك أيضا، قلق إزاء نقص الخدمات الأساسية والخدمة العسكرية الإلزامية وسلوك المؤسسات. وكلها أمور مهمة بالنسبة للعملية السياسية. وكما تبين من استطلاع الرأي فإن اللاجئين يتحدثون عن قضايا بعضها في أيدى السلطات السورية والبعض الآخر بأيدي الدول الأخرى.

دعني أكن واضحا ودقيقا: إذا بدأت السلطات السورية بمعالجة قضايا النازحين (المهجرين) وإذا قام المانحون بمعالجة قضايا تخص توفير سبل العيش لكل السوريين، فسيساهم هذا الأمر في تغيير الواقع على الأرض والتحرك لخلق بيئة آمنة وهادئة. وهدفي هو إقناع الحكومة السورية والمجتمع الدولي بالتحرك إزاء هذه القضايا.

طبعا، القضية الرئيسة هي الولايات المتحدة. كما نعرف فإن الولايات المتحدة والدول الأوروبية لا يزالون متمسكين بـ"لاءات ثلاثة"، لا للإعمار، لا لرفع العقوبات، لا للتطبيع قبل تحقيق تقدم في العملية السياسية. هل هذا صحيح؟ وهل هذا يعقد مهمتك؟

أعتقد أنك أعطيت توصيفا صحيحا للسياسة الأميركية، لكن يفتقد لعنصر واحد، أنهم (الأميركيين) مستعدون للانخراط في مقاربة "خطوة مقابل خطوة" عبر الأمم المتحدة، مستعدون للانخراط والنظر في خطوات تراكمية للمضي قدما. هذا أمر مهم بالنسبة لي، لأننا نعرف أنه خلال السنوات الـ 12، هناك أطراف لديها القدرة على عرقلة العملية السياسية. وهذا يشمل جميع الأطراف.

العرب والأميركيون والإيرانيون والأتراك والروس بإمكانهم تقديم شيء إيجابي أو سلبي إلى الطاولة. دوري هو فهم الخلافات في مواقفهم، وتحديد كيفية تقديم شيء جديد بحيث نحرز تقدما تراكميا للوصول إلى بحث القضايا الجوهرية. أملي أن نصل إلى وضع نعالج فيه تطلعات الشعب السوري واستعادة سيادة سوريا ووحدتها واستقلالها.

الأميريكيون مستعدون للانخراط في مقاربة "خطوة مقابل خطوة" عبر الأمم المتحدة، مستعدون للانخراط والنظر في خطوات تراكمية للمضي قدما. هذا أمر مهم بالنسبة لي، لأننا نعرف أنه خلال السنوات الـ 12، هناك أطراف لديها القدرة على عرقلة العملية السياسية. وهذا يشمل جميع الأطراف.

المبعوث الأممي الخاص بسوريا غير بيدرسون

رأينا تحركا في الولايات المتحدة لتشديد "قانون قيصر" وعقوباته على دمشق؟

نعم. كما قلت هذا جزء من الواقع، هناك انقسام دولي حول سوريا. هناك حالة عميقة من انعدام الثقة وعدم الرغبة في الانخراط بالعملية السياسية. وواشنطن قادرة على تحقيق تقدم في سوريا. لذلك، كي نمضي قدما نريد أن تنخرط كافة الأطراف.. ربما هذا لا يزال صعبا، لكن هناك فرصة لدفع مقاربة "خطوة مقابل خطوة" للمضي قدما. لذلك، فمن المهم أن تلتقط دمشق الفرصة للمضي قدما.

لم نتحدث كثيرا عن المعارضة السورية. هل أصبح الأمر بين الفرقاء يتعلق بالعوامل الجيوسياسية وليس بوضع السوريين؟

بالطبع، في سوريا ونزاعات أخرى مثل ليبيا وأوكرانيا، العوامل الجيوسياسية لها تأثير كبير حول كيفية المضي قدما. هذا أحد أسباب عدم قدرتنا على تحقيق تقدم في السابق، فالانقسام الدولي حول سوريا عميق. لكن مع وجود إدراك بأن الحل الشامل غير ممكن في الوقت الراهن، وعدم القبول باستمرارية الوضع الراهن. هناك مبادرات كثيرة. هذا أمر مهم. إذا أخذنا في الاعتبار لقاءات موسكو بين سوريا وإيران وروسيا وتركيا، والمبادرة العربية، ومناقشاتي مع الأوروبيين والأميركيين. هناك قضايا مثيرة للاهتمام. ربما هي واضحة، لكن دعني أذكرها: التزام بوحدة سوريا واستقلالها وسيادتها. التزام بالعملية السياسية واللجنة الدستورية واجتماعها قريبا. المصالحة الوطنية وملف المعتقلين والمختفين والمخطوفين وضرورة معالجته.

هناك التزام أيضا بالحرب ضد الإرهاب وملف اللاجئين وضرورة معالجته، إضافة إلى القضية الإنسانية والحاجة لتقديم الدعم لتخفيف المعاناة عن السوريين.

هذه أمور مهمة، وأنا أذكّر الشعب السوري واللاعبين المختلفين، بأن هناك إمكانية للمضي قدما في قضايا مختلفة حتى قبل الوصول إلى حل شامل.

هل سنرى سوريا بسيادة كاملة موحدة ومستقلة دون وجود أجنبي، مع عودة لأهلها وحكومة تسيطر على جميع الأراضي؟ ومتى؟

هذه عناصر مفتاحية للقرار 2254 ونحن ملتزمون بهذه الأمور وبتحقيقها. المجتمع الدولي يقول دائما إنه يريد تحقيق ذلك، الأمر الذي أكد عليه الموقف العربي والقمة العربية في جدة. نعم، سوريا موحدة وحرة ومزدهرة، أمر ممكن تحقيقه. يمكن أن يكون هناك نظام حكم يلبي طموحات الشعب السوري. هذا مذكور في القرار الدولي 2254. وكما نعرف هناك دول دخلت في صراع ولم تخرج منه. لكننا محظوظون أن دولا كثيرة عادت من الصراعات وبدأت واقعا جديدا. بالطبع هذا أملنا أن يتحقق لسوريا.

هذا أمر مهم لي. دعني أؤكد على الأمر. إذا كان هناك أي طرف قادر على فعله، فإنه الطرف السوري. بعد سنوات من الانخراط مع السوريين من خلفيات مختلفة، لا بد من الإشارة إلى إمكانات رائعة ومدهشة لدى السوريين. لكن لا بد من أنه كي نتقدم لا بد من التسوية. دون العقلية الصفرية... يجب على السوريين جميعا تجاوز المعادلات الصفرية للحل فلا منتصر ولا مهزوم. ولا بد أن يكون السوريون قادرين على رأب الصدع والتفاهم حول كيفية الوصول إلى الحل. التسوية ليست فقط من السوريين، بل تتطلب اتفاقا بين الأطراف الدولية الرئيسة في سوريا. ولا بد من القول إن هناك دولا مختلفة منخرطة في سوريا ولديها مشاغل أمنية مشروعة، لكن إذا تحقق ما نتحدث عنه، فإن سوريا ستكون آمنة وحرة. نقطة البداية هي بناء الثقة. فبعد سنوات طويلة من الحرب والصراع، هناك كثير من المخاوف، منها ما له علاقة بالبقاء، وربما هذا عامل أساسي في تفكير السوريين.

دعني أقول إنه مع المبادرة العربية والاتصالات السورية– التركية، هناك إمكانية للمضي قدما. هذا وضع جديد. فرصة يجب استثمارها ويجب أن تقابل بخطوات إيجابية، ولكنني أؤكد في هذا السياق على ضرورة التنسيق. 

المبعوث الأممي الخاص بسوريا غير بيدرسون

المخاوف؟

نعم المخاوف. لا بد من التحول بالتفكير. يجب أن لا نرى الآخر مصدرا للتهديد، بل مصدر أمان، يجب أن نراه مواطنا مساويا. أعرف أن تنفيذ ذلك أصعب من الحديث عنه، لكن هذا شرط أساسي لتحقيق سلام ذي معنى في سوريا.

أمضيت أربع سنوات تعمل في صراع استمر 12 سنة. هل أنت أكثر أم أقل تفاؤلا الآن؟

دعني أقول إنه مع المبادرة العربية والاتصالات السورية– التركية، هناك إمكانية للمضي قدما. هذا وضع جديد. فرصة يجب استثمارها ويجب أن تقابل بخطوات إيجابية، ولكنني أؤكد في هذا السياق على ضرورة التنسيق. فهذه المبادرات مرحب بها، لكن دوري أن أعمل كي تمضي هذه المبادرات قدما بشكل منسق وأن أعمل مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية. فمن خلال كل هذه التحركات، نستطيع المضي قدما وأن نخلق أملا.

font change

مقالات ذات صلة