ملامح الاستراتيجية الأميركية في مكافحة تهريب الكبتاغون في الشرق الأوسط

ترتكز الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الكبتاغون على: المساعدة الدبلوماسية والاستخباراتية، والعقوبات والأدوات المالية، وتعزيز قدرة الشركاء على الحظر

AFP
AFP

ملامح الاستراتيجية الأميركية في مكافحة تهريب الكبتاغون في الشرق الأوسط

أصدرت وزارة الخارجية الأميركية الأسبوع الماضي استراتيجية مكتوبة تهدف إلى عرقلة وتفكيك عملية إنتاج المخدرات والإتجار بها والشبكات المرتبطة بنظام بشار الأسد في سوريا. ووُضعت هذه الاستراتيجية وفقا لتعديل صدر في ديسمبر/كانون الأول الماضي ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2023، والذي نص على ضرورة وضع الولايات المتحدة استراتيجية مشتركة بين الوكالات تستهدف رعاية نظام الأسد في سوريا لتجارة المخدرات غير المشروعة (الكبتاغون) والحد من أرباحه ونفوذه، وعرض هذه الاستراتيجية على الكونغرس الأميركي بعد 180 يوما.

وكشفت هذه الاستراتيجية المكتوبة لأول مرة عن الجهود الأميركية المشتركة بين الوكالات لمكافحة تجارة الكبتاغون، والتي ترتكز على أربعة محاور: المساعدة الدبلوماسية والاستخباراتية، والعقوبات والأدوات المالية، وتعزيز قدرة الشركاء على الحظر، والمساءلة من خلال المحافل الدبلوماسية.

وتعتبر هذه الاستراتيجية استجابة شاملة تعترف بتزايد تجارة الكبتاغون وتستهدف شبكات الإنتاج والإتجار داخل سوريا وخارجها، وتتضمن في جزء منها، أدوات إنفاذ القانون وخفض الطلب على المخدرات، بالإضافة إلى استخدام الأدوات الجنائية الحالية لمحاربة هذه الظاهرة.

ترتكز الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الكبتاغون على: المساعدة الدبلوماسية والاستخباراتية، والعقوبات والأدوات المالية، وتعزيز قدرة الشركاء على الحظر، والمساءلة من خلال المحافل الدبلوماسية


وأكدت الاستراتيجية المكتوبة أهمية تعزيز القدرات وتأمين الحدود بين الشركاء الإقليميين من خلال تطبيق برامج الدفاع في المنطقة كمفتاح للنجاح في كبح تجارة الكبتاغون ومنع مشاركة الجهات المعادية للولايات المتحدة مثل النظام السوري والجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران.

إلا أن الرسائل الأوسع حول استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة تجارة الكبتاغون أكدت بشدة أن هذا الجهد يتجاوز نطاق عمل الجيش الأميركي، لكنه يتماشى إلى حد كبير مع الوكالات الأميركية الأخرى. ويثير هذا التباين تساؤلات حول شكل وتطور جهود وزارة الدفاع الأميركية في المنطقة مع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز استراتيجيتها لمكافحة الكبتاغون.

صدامات القوات الأميركية مع تجارة الكبتاغون في سوريا

ارتبطت جهود فرقة المهام المشتركة بقيادة الولايات المتحدة- عملية العزم الصلب في العراق وسوريا، بشكل صارم، بالعمل على القضاء على تنظيم "داعش" من خلال تحجيم هيكل قيادة التنظيم، وإيقاف تمويله، ومواجهة عملياته الإرهابية وشبكته العالمية. ولكون إيقاف مصادر تمويل "داعش" كان جزءا أساسيا من مهمة عملية العزم الصلب، شارك العسكريون الأميركيون وشركاء التحالف في حوادث متفرقة في مصادرة مخدرات مثل الكبتاغون في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم الإرهابي.

وكانت العملية التي حدثت في مايو/أيار 2018 من أوائل الصدامات بين قوات عملية "العزم الصلب" وتجار الكبتاغون، حين استولى أحد شركاء التحالف، فصيل "مغاوير الثورة"، على 300 ألف حبة كبتاغون تقدر قيمتها بأكثر من 1.4 مليون دولار، يُعتقد أنها كانت في حوزة مقاتلي داعش.

 وأفاد بيان صادر عن وزارة الدفاع بأن قوات التحالف دمرت ذلك المخزون من المخدرات. وفي العام التالي، أي في عام 2019، أفادت القيادة المركزية الأميركية بأن موقعا قتاليا تابعا لفصيل "مغاوير الثورة" اعترض مرة أخرى أكثر من 850 ألف حبة كبتاغون، تقدر قيمتها بنحو 3.5 مليون دولار، كانت تُنقل على متن شاحنة متجهة نحو مخيم الركبان في 23 أكتوبر/تشرين الأول.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، عرضت قوات عملية "العزم الصعب" مرة أخرى مضبوطات الكبتاغون التي حصل عليها شركاؤها في التحالف عندما ساعدت في الإشراف على حرق 60 ألف حبة كبتاغون مجهولة المنشأ ومهربة إلى منطقة منع الاشتباك، والتي يبلغ طولها 55 كيلومترا، بعد أن اعترضها الجيش السوري الحر. هذه المرة، أعادت صفحة "تويتر" الخاصة بـ فرقة المهام المشتركة- عملية العزم الصلب نشر مقطع فيديو للجيش السوري الحر، ويظهر فيه شركاء التحالف وأفراد الجيش الأميركي وهم يرمون الحبوب المصادرة في حفرة نار من أكياس بلاستيكية تحمل شعار ليكزوس، وهي طريقة تغليف نموذجية غالبا ما يستخدمها المهربون الذين يعملون خارج الأراضي التي يسيطر عليها النظام في سوريا.

أكدت الاستراتيجية المكتوبة أهمية تعزيز القدرات وتأمين الحدود بين الشركاء الإقليميين من خلال تطبيق برامج الدفاع في المنطقة كمفتاح للنجاح في كبح تجارة الكبتاغون ومنع مشاركة الجهات المعادية للولايات المتحدة مثل النظام السوري والجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران


لم تكن فرقة المهام المشتركة- عملية العزم الصلب الطرف الوحيد الذي يسعى إلى تعزيز قدرات الشركاء الإقليميين على حظر تجارة الكبتاغون وتسليط الضوء على تدابير مكافحتها. إذ اعتبرت فرقة العمل المشتركة للعمليات الخاصة الأميركية- الشرق أيضا عمليات ضبط المخدرات التي قام بها شركاؤها ميزة رئيسة لدورها في تقديم المشورة والمساعدة. ومنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وسعت فرقة العمل المشتركة للعمليات الخاصة الأميركية- الشرق من تفويضها لمكافحة الإرهاب ضد "داعش"، ووسعت سلطتها وتركيزها لتعزيز القدرات العملياتية لقوات التحالف والشركاء وتوسيع المشاركة مع القوات المسلحة المصرية واللبنانية والأردنية والتعاون في المصالح المشتركة والتحديات الأمنية.

ومع وجود عناصر الكوماندوز المتناوبة ومجموعة المهام الموسعة التي تقدّر استقرار قوة الشريك، أصبحت جهود مكافحة المخدرات- ولا سيما مصادرة الكبتاغون وحظر تجارته– مصلحة إقليمية أساسية لفرقة العمل المشتركة للعمليات الخاصة الأميركية– الشرق. ومنذ عام 2020، أعلنت فرقة العمل المشتركة للعمليات الخاصة الأميركية– الشرق عن مصادرة الكبتاغون والاعتقالات والمداهمات المختبرية التي نفذها فصيل "مغاوير الثورة" في سوريا، والجيش اللبناني في سهل البقاع، والجيش السوري الحر في سوريا، والجيش الأردني على طول حدوده مع سوريا، وقوات الأسايش في شمال شرقي سوريا. وأشارت البيانات الخاصة بضبط حبوب الكبتاغون من قبل قوات الأسايش في أبريل/نيسان الماضي إلى أن تعزيز قدرة الحظر كان جزءا من الجهود المبذولة لتأمين المنطقة والسكان المدنيين بشكل فعال من التهديدات والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.

AFP
صورة نشرتها سلطات الحدود العراقية في 11 آذار / مارس 2023 تظهر حبوب الكبتاغون التي عُثر عليها عند معبر القائم الحدودي بين سوريا والعراق

وقد كُرر هذا الربط بين مكافحة المخدرات والاستقرار الإقليمي من قبل القيادة العسكرية الأميركية العليا في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. ففي 21 يونيو/حزيران الماضي، شارك  الجنرال أليكسوس غرينكويتش، أحد كبار العسكريين الأميركيين في القيادة المركزية الأميركية جنوب غربي آسيا، وقائد القوة الجوية التاسعة وقائد المكون الجوي للقوات المشتركة، في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت لمناقشة نظرة القوات الجوية المركزية إلى التهديدات الناشئة المتعلقة بالمهمة ضد تنظيم داعش والجهود المبذولة من أجل تحقيق الأمن الإقليمي. وكشف أحد الأسئلة عن قلق ناشئ- وبُعد محتمل– لمهمة الولايات المتحدة في تقديم المشورة والمساعدة في المنطقة. ففي إجابته على سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن ضربات جوية على مواقع إنتاج المخدرات التي تستخدمها الجهات المؤذية في المنطقة، مثل النظام السوري والجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران، تحدث غرينكويتش  بإسهاب عن أن البعثة الأميركية ترى في هذه التجارة الناشئة وغير المشروعة تهديدا للاستقرار.

يواجه العسكريون الأميركيون المنتشرون في جميع أنحاء المنطقة صدامات مع تجارة المخدرات وشبكاتها الإجرامية بشكل أكثر تواترا


وأشار غرينكويتش  إلى أن تدفق الكبتاغون غير المشروع من سوريا يمثل تحديا "يجب على الجميع التركيز عليه". وحث على تضافر الجهود بين الولايات المتحدة والدول الشريكة في مجال أمن الحدود واتخاذ التدابير الدفاعية ضد التجارة غير المشروعة.

وبينما أكد غرينكويتش أن جهود مكافحة الكبتاغون ليست مهمة عسكرية بطبيعتها، وأن الوكالات الأميركية الأخرى تعمل في المقام الأول للمساعدة في وقف تدفق المخدرات، أشارت تصريحاته إلى فهم متزايد وتقدير داخل القيادة المركزية الأميركية للدور الذي يمكن أن تلعبه جهود مكافحة المخدرات كسمة لدور الولايات المتحدة في تقديم المشورة والمساعدة.

التقدم إلى الأمام

وبينما تواصل الولايات المتحدة العمل على الاستراتيجية التي قدمتها، ومع استمرار تجارة الكبتاغون في إيجاد طرق مرور جديدة في الأردن وتركيا والعراق وخارج الشرق الأوسط، يواجه العسكريون الأميركيون المنتشرون في جميع أنحاء المنطقة صدامات مع تجارة المخدرات وشبكاتها الإجرامية بشكل أكثر تواترا.

وستستمر وكالات تطبيق القوانين الأميركية في لعب الدور الأبرز في استراتيجية مكافحة الكبتاغون التي قدمتها الولايات المتحدة، من خلال إدارة تبادل المعلومات واستراتيجيات خفض العرض والطلب مع البلدان الشريكة، ووضع الحلول المبتكرة لعرقلة تجارة الكبتاغون ومشاركة الجهات الفاعلة المؤذية مثل النظام السوري والجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران.

ومع ذلك، فإن قرب القوات الأميركية من نقاط تهريب المخدرات عبر الحدود في البلدان الشريكة يخلق حاجة ملحة لوزارة الدفاع والقيادة المركزية الأميركية لتحديد الأثر الذي تتركه مكافحة المخدرات- إن وجد- على دور الولايات المتحدة المستمر في تقديم المشورة والمساعدة وتمكين الأنشطة في المنطقة.

font change

مقالات ذات صلة