رمزية الشجرة بين السينمائي والشاعر والروائي

تجلياتها عند تاركوفسكي ومحمود درويش وسليم بركات

Getty images/Eduardo Ramon
Getty images/Eduardo Ramon

رمزية الشجرة بين السينمائي والشاعر والروائي

يقرأ الروائي المغربي إسماعيل غزالي في هذا النصّ، دلالات حضور الشجرة عند تاركوفسكي ومحمود درويش وسليم بركات.

شجرة السينمائي

قلّما يخلو فيلم لأندريه تاركوفسكي من حضور شجرة، لا تبزغ في المشهد كشيءٍ يضيف لبلاغة المكان، بل كشخصيّةٍ رمزيّةٍ أيضا. هذا حال فيلمه الأخير "القربان" أو "التضحيّة"، الذي يبدأ متنه البصري بألكسندر الأب (ممثل مسرحي متقاعد) مع ابنه في جزيرة عزلاء. يغرس الأب شجرة جافّة على حافّة البحر، بمحاذاة طريق تعرّج صوب بيته في الأقصى، وهو يسرد على ابنه حكاية أحد الكهنة قام فيما مضى بزراعة شجرةٍ جافة مماثلة في أعلى الجبل وطلب من تلميذه أن يقوم بسقيها كلّ يوم كي تحيا الشجرة من جديد، وهذا ما تفاجأ به التلميذ حينما التزم بوصيّة الكاهن وتحقّقت المعجزة.

- في البداية كانت الكلمة وأنت الآن أخرس مثل سلمون. قال ألكسندر لابنه.

إنّها الشجرة نفسها التي ستزهر في نهاية الفيلم، بعد أن يحترق بيت الممثّل المسرحي في مشهد شعريّ مهول، ويظهر الصبيّ وحده مع الشّجرة التي باتتْ يانعة وخضراء كما شجرة الكاهن.

- في البداية كانت الكلمة، لماذا يا أبي؟ نبس الصبيّ الأخرس أخيرا وقد أوتي نعمة الكلام على نحو مفاجئ.

عن شجرة فيلم "القربان" كشف أندريه تاركوفسكي في كتابه "النحت في الزّمن"، بأنّها ترمز إلى الإيمان.

بحسب الفيلم، الإيمان بالفكرة أو الشيء تلزمه تضحيّة أيضا، بدونها لا يمكن أن تُزهر شجرة الوجود. هو مبدأٌ دينيٌّ في الأصل، حاولتْ استيهاماتُ الفيلم أن تلبسه أقنعة فلسفية، نيتشيّة بالذّات.

بحسب الفيلم، الإيمان بالفكرة أو الشيء تلزمه تضحيّة أيضا، بدونها لا يمكن أن تُزهر شجرة الوجود. هو مبدأٌ دينيٌّ في الأصل، حاولتْ استيهاماتُ الفيلم أن تلبسه أقنعة فلسفية، نيتشيّة بالذّات

بصرف النّظر عن إسقاطات الفيلم على حياة المخرج تاركوفسكي المنفيّ، المريض بالسّرطان، ورسالته المشفرة إلى ابنه المحاصر في الاتّحاد السوفييتي سابقا، وبالتجرّد عمّا قاله تاركوفسكي نفسه عن شجرته وما ترمز إليه وفق تصوّره، يمكننا النظر إجمالا إلى شجرة فيلم "القربان" نظرة مجازية، قرينة بكلّ خطر كونيٍّ سببه الخطأ البشري ذاته، وهو لا يتهدّد الوجود الإنساني وحده، بل كوكب الأرض ككلّ.

إنّها شجرة الأبوكاليس، التي سيظلّ شبحها يلوح عند كلّ كارثة إنسانية ماحقة، والدرس يقتضي إيمانا وتضحية لكي تزهر من جديد.

 

شجرة الشاعر

يرصد محمود درويش أثر حادثة انكسار السروة في قصيدة "انكسار السروة"، راسما بعين السينمائيّ المشهد الأوّلي، فهي انكسرت كمئذنة، ونامت على الطريق، محافظة على ألق خضرتها، بينما دعست العربات أغصانها واستثار الغبار. أوّل ما يبزغ في المشهد الحمامة التي لم تغيّر عشّها العلنيّ في دار مجاورة، ثم طائران مهاجران تبادلا حوارا بالرموز. يعقب مقام الطير مقام البشر، وهنا يتقصّى الشّاعر انطباعات الشاهدين على الحادثة:

امرأة تسأل جارتها إن رأت عاصفة وتردّ جارتها بالنفي ولا شاهدت حتى جرافة، فما سبب السقوط الغامض إذن؟ ذلك هو السؤال الضمنيّ، المحفوف بالغرابة.

ما يفتأ يخمن عابرون على حطامها معقبين: قد يكون السبب الدّامغ هو الإهمال، بالأحرى قد يكون الهرم، بدليل أنها طويلة كزرافة، وقليلة المعنى كمكنسة غبار، بل ولا تظلّل حتّى عاشقين.

يدلي طفل بدلوه في تعقّب سيرتها، ويعرب بأن كان يرسمها بلا خطأ، إذ أنّ قوامها سهل.

وتعلّق طفلة هي الأخرى، بأنّ السماء ناقصة بسبب انكسار السروة.

ويعترض فتى بالقول، ولكن السماء اليوم كاملة والسبب دائما هو انكسار السروة.

ثمّ تنتهي لعبة الانطباعات بختم الشاعر نفسه، الذي يفصح بأن لا غموض ولا وضوح في الأمر، فالسروة انكسرت لا غير.

التناغم الهارموني بين الشعري والسردي دامغ في النصّ، بل هو محض قصة قصيرة متنكرة في قميص قصيدة.

من فيلم "التضحية"

في معاجم اللغة مفردة سرو مصدر لفعل سرا، وَسَرُوَ الرّجل بمعنى شرف، كان سريّا صاحب مروءة وكرم، والسرو أيضا ما ارتفع من الوادي، كذلك شجرة السرو وهي من فصيلة الصنوبريّات، شاهقة القامة، وكريمة لأنّها دائمة الخضرة، ومنذورة دوما لزينة المكان بسخاء، حديقة كان أو ساحة أو ضفّة شارع.

لا يحمّلُ الشّاعر حادثة انكسار السروة أكثر ممّا لا تحتمل، إذ يرتكن في زاوية الحياد، راصدا المشهد ببصيرة باردة، ولكن انطباعات الآخرين، طيرا وبشرا، تداولت احتمالات وتخمينات عن الانكسار، وأسبغت عليه معنى يتأرجح بين الغرابة والعبثية، بين الانطباعيّة والفطريّة، بين الواقعيّة والسريالية، بين التشكيليّ والسينمائيّ، بين المرئيّ واللامرئيّ، بين البديهيّ والفلسفيّ...إلخ

لا يحمّلُ الشّاعر حادثة انكسار السروة أكثر ممّا لا تحتمل، إذ يرتكن في زاوية الحياد، راصدا المشهد ببصيرة باردة، ولكن انطباعات الآخرين، طيرا وبشرا، تداولت احتمالات وتخمينات عن الانكسار

وخلف المعنى يعرب كل واحد عن علاقته الضمنية بالشّجرة، عابرا كان أو مقيما، ثمّ حصادُ كلّ ذلك في توقيع الشّاعر الحاسم بأن الشجرة انكسرت وحسب، ليس لأنّ المسألة لا تحتاج إلى طائل تفسير، ولا لأنّ تعقيبه ينطوي على سخرية سوداء، ولكنّ السروة نفسها، المغيّبة في الخطاب كشاهدة على ذاتها، ما يعرف السّبب الخفيّ.

تلك هي شجرة الحياة اليومية الاعتيادية التي خلّف انكسارُها أثرا غير اعتياديّ.

 

شجرة الروائيّ

يفتتحُ سليم بركات في روايته "الفلكيون في ثلاثاء الموت: عبور البشروش" المشهد بشجرة الخروب الضخمة، مفصدة الظلال بمنتصف ظهيرة حزيرانية، يرقبها السارد الجالس في المقهى، بينما تهدر جبالة الإسمنت في الجوار. اعتاد السارد الجلوس ثلاث ساعات يوميا في تسع سنين داخل المقهى، حتى أمسى مَعْلَما من معالمها، وفيما العابرون من عمال البناء وسائقي شاحنات الرمل يتغيرون، وحدها شجرة الخروب الضخمة الثابت الوحيد، الراسخ في المشهد أمامه.

يفصح السّارد منذ البداية عن حادثة إطلاقه لرصاصتين على غريب في قبو مسكنه، ويقرن الخوض في هذا الخطب الجلل بالعذاب الذي يعتمل داخل ثمرات شجرة الخروب نفسها.

وكان السّارد القادم من روسيا إلى نيقوسيا قد رصد أثناء تجواله خللا في بناء قنطرة قَيْدَ التشييد، فنبّه عمّالها إلى الخُمس غير المحسوب في قوس القنطرة الرّابعة الّذي يهدّدُ انهيار الجسر. أهّلتْهُ هذه الملاحظة الذكيّة ليتعرّف على المهندس الكردي جانو، ومن غرابة المصادفات أن يكون قد درس هو نفسه في روسيا، بل وكان على صلة بشاعر كرديّ سبق للسّارد أن التقاه مرّات في موسكو، يدعى ميلان المهووس بقصِّ عاناتِ النّساء.

يلحقه جانو بمجمع المهندسين السّاهرين على مشروع تشييد متحف يتخذ شكل سفينة تخترقها أنفاق، فيقاسمهم السكن في منشأةٍ من المنازل شُيّدت في حلقة دائريّة.. تمضي الأشياء اعتياديّة إلى أن يكتشف قبوا لصيقا بدرج مطبخه، وهناك يصطدم بشبح الشاب الذي سيطلق عليه رصاصتين.

تتفاقم متاهة الرّواية الّتي تدور وقائعها على مدار أسبوع منصرفة تارة إلى موسكو عندما يتذكّر السّارد زمن دراسته المعماريّة. وتارة تفردُ حيّزا كبيرا لمخطوط (التّأسيس الكبير) المنسوب لأبي المعضل أويس المارديني، إذ إليه يعودُ سرُّ ولعِ السّارد بالهندسة، وما يفتأ يردّدُ لازمته الأثيرة: (القوس محنة الهندسة).

ثمّ تنتهي الوقائع المريبة بانهيار المتحف.

لا يفضي تحقيق السارد وتحرّيهِ لملابسات قضية القتل إلى حقيقة دامغة، فيتعزّز الإشكال الوجودي لمتاهة الرواية بغموض قضية عالقة بلا تفسير.

ينهار المتحف بينما تظلُّ  شجرة الخرّوب الضّخمة واقفة، راسخة في المشهد، منها وإليها يؤولُ إيهامُ الحكايات السّوداوية، الملتبسة بشكلٍ دوّار.

إنّها شجرة المتاهة الشّاهدة على المصائر المتشابكة على نحو دائريّ، منتصبة كقدر ساخر مما حدث ويحدث، إذ هي فاعلة وليست محايدة، فإلى ظلالها تحتكم مقاسات اللعبة البوليسية لحوادث القتل والضياع.

font change

مقالات ذات صلة