القفزة المصرية في فضاء المصارف الرقمية

سعي للشمول المالي وتسهيل الإيرادات بالدولار

أندي بوتس
أندي بوتس

القفزة المصرية في فضاء المصارف الرقمية

تغيرت ثقافة شريحة كبيرة من البشر في ضوء تطلعها إلى أحدث التكنولوجيات وأكبرها وأسرعها وأقلها تكلفة، في ظل الرقمنة والذكاء الاصطناعي وتقارب العالم وتفاعله وتأثره بكل ما هو ذكي. هكذا اختلط حابل العالم الواقعي بنابل العالم الافتراضي، واستطاع التطور التكنولوجي أن يتغلل في عالم الاقتصاد الرقمي. ومع تمدده، بدأت المصارف بإعادة تشكيل التطورات التي تخدم عملاءها ومواكبتها، لتختصر وقت الانتظار داخل المصارف أو خارجها. تغيرات جوهرية ستطرأ على العملاء في الدول المتقدمة على صعيد أداء المصارف وأنظمة الخدمات المصرفية بفضل التفاعل الرقمي. وستنتفي حاجة العملاء إلى الذهاب إلى المصرف، وسيقتصر التعامل على الهواتف الذكية والحوسبة السحابية.

أما مصر فقطعت شوطاً كبيراً خلال الآونة الأخيرة في مكننة المعاملات المالية، وتسعى في الوقت الراهن إلى الافادة المثلى من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتكون متأهبة للتحديات المستقبلية التي ستحقق النجاح الدائم في عالم المصارف الرقمية. هناك سعي إلى رقمنة حياة المواطنين بالتعامل اللانقدي مع فئات المجتمع كلها، ليكون متاحا لدى نسبة كبيرة من العملاء، على الرغم من أن تطبيقه سيكون صعبا على تعاملات فئة من المصريين لا تجيد التعامل مع الصرافات الآلية أو تتخوف من إيداع الأموال في المصارف من الأساس، وهذه شريحة لا يستهان بها عددياً على الرغم من جهود الدولة في زيادة الوعي تحقيقا للشمول المالي.

بدأ المصرف المركزي المصري اللحاق بركب التطورات ومواكبة العصر، إذ وافق أخيراً على الترخيص لمصارف رقمية تقدم خدماتها كلها من طريق الإنترنت بدلاً من تقديمها من خلال مقر رئيسي وفروع، لإحداث تطورات وطفرات في المعاملات المصرفية الافتراضية ولبناء مجتمعات فاعلة تنافسية ومستدامة. وكان قانون المصرف المركزي الجديد صدر عام 2020 وتمت الإشارة فيه إلى المصارف الرقمية صراحة، مع شمولها في قواعد تأسيس المصارف وعملها وضوابطهما في شكل عام، إلا أن قرار الموافقة على إصدار قواعد ترخيص وتسجيل المصارف الرقمية والرقابة والإشراف عليها صدر منتصف يوليو/تموز 2023، وسرعان ما تقدمت مصارف عدة للحصول على تراخيص لإقامة مصارف رقمية لكونها أصبحت تمثل حلقة الاتصال والنافذة الأكثر أهمية مع العالم الخارجي. بذلك، يكون جرى تفعيل القانون الجديد للمصرف المركزي، والبدء عملياً باستيعاب ذلك النوع من المصارف في السوق المصرية.

المحافظ الإلكترونية و"الفينتك"

في مقلب آخر، ساهمت المحافظ الرقمية أو الإلكترونية مثل "آبل باي" أو "باي بال" أو "غوغل باي"، في العمل وسيطاً بين حساب المستهلك التقليدي أو بطاقة الائتمان الخاصة به وبين البائعين، عادة عبر هاتف ذكي أو جهاز كومبيوتر. إلا أن التكنولوجيا المالية "فينتك" (fintech)، وهي اختصار لـ (financial technology) ساهمت في صورة كبيرة في تيسير عمليات الإقراض للمشاريع المتناهية الصغر، ونجحت في خفض التكلفة وزيادة إيرادات الشركات الصغيرة والمتناهية الصغر. ومن المزايا التي قدمتها هذه التكنولوجيا المالية، ابتكار المنتجات الجديدة والخدمات والاحتفاظ بالعملاء وسرعة الوصول إلى السوق، لذلك سعت المصارف إلى استخدام التقنيات التكنولوجية لتحسين وضعها الحالي.

بدأ المصرف المركزي المصري اللحاق بركب التطورات ومواكبة العصر، إذ وافق أخيراً على الترخيص لمصارف رقمية تقدم خدماتها كلها من طريق الإنترنت بدلاً من تقديمها من خلال مقر رئيسي وفروع، لإحداث تطورات وطفرات في المعاملات المصرفية الافتراضية

بهذا تكون شركات "التكنولوجيا المالية"، وهي شركات ناشئة عادة، تعمل في قطاع الابتكار التكنولوجي المطبق على الخدمات المالية والمصرفية، وتتراوح مجالات عملها بين التمويل البديل للشركات، والدفع عبر الإنترنت والهواتف، وإدارة المدخرات، والقروض، وتجميع الحسابات المصرفية، وما إلى ذلك، قد تقدمت لاحتلال مزيد من المواقع في القطاع. ودفع التحول الرقمي المصارف التقليدية الكبيرة إلى دخول سباق عالم تطبيقات الهواتف الذكية في محاولة لمنافسة المصارف الرقمية التي انتشرت بقوة ونالت رضا جيل كبير من الشباب في العالم المتعلق بالهواتف الذكية. 

Shutterstock

طرحت "المجلة" العديد من التساؤلات مع خبراء مصارف واقتصاديين حول المميزات والتخوفات والأخطار المتوقعة من طرح تراخيص للمصارف الرقمية في الوقت الراهن في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر وتحديات الخصوصية والأمان.

منافسة وأخطار

اعتبر الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور طاهر المرسي "أن المصارف الرقمية لن تكون منافساً للمصارف التقليدية، ولا سيما مع توقع تبعية معظمها للمصارف المعروفة في مصر، وبالتالي ستكون مجرد واجهة إلكترونية لهذه المصارف لضمان استمراريتها". وقال لـ"المجلة" إن مميزاتها "ستكون السرعة في تنفيذ العمليات، مما يساهم في شكل كبير في اختصار كثير من العمليات المصرفية التي ستنعكس على بيئة الأعمال، وتوفير مناخ داعم، خاصة للشركات الناشئة، حيث ستكون خياراً مفضلاً لدى رواد الأعمال الذين ينتمون إلى عصر التكنولوجيا، في مجتمع أصبحت التجارة الإلكترونية والرقمنة الاقتصادية فيه جزءاً لا يتجزأ من حياة هؤلاء".

ولفت الى "أن الدولة المصرية ماضية بعزم نحو تعميم التكنولوجيا المالية، لتحقيق الشمول المالي، وهذه التحركات ستساهم في تسريع وتيرة عملية التحول نحو الاقتصاد الرقمي، بما يمكن فئات المجتمع المختلفة من الافادة من الخدمات المالية غير المصرفية، وهذا ما يرفع كفاءة الاقتصاد المصري، ويعزز قدرة النظام المالي على تعبئة المدخرات وإعادة ضخها في شرايين الاقتصاد عبر الكيانات الاقتصادية من خلال حلول تمويلية واستثمارية وسيطة".

وقال: "لكني لا أرى في ذلك اتجاها رسميا لإلغاء النقود، بل هي حلول يجري تنفيذها للتغلب على شح السيولة في المدى المنظور على الأقل"، لافتاً إلى الإعداد والتجهيز لدى "بنك مصر" لإطلاق أول مصرف رقمي في مصر تابع له، وتدشين "شركة مصر للابتكار الرقمي" لهذا الهدف، وتقدم العديد من المصارف التقليدية للحصول على تراخيص مصارف رقمية.

في المقابل أكد الخبير الاقتصادي الدكتور هاني توفيق لـ"المجلة" أن المصارف الرقمية "ستنافس التقليدية بل وستلتهم من حصتها السوقية من تقديم الخدمات المالية خلال فترة قليلة نظراً إلى انخفاض تكلفة التشغيل مقارنة بالمصارف التقليدية"، لكنه حذر من تعرض الحسابات إلى أخطار الاختراق والهجمات السيبرانية معتبراً ذلك "المشكلة الأكثر خطورة، لأن القطاع المالي والمصرفي هو الأكثر عُرضة على الإطلاق لتهديدات الأمن السيبراني، نظراً إلى قربه من الموارد المالية وسهولة الحصول على السيولة المالية من القطاع". وأشار إلى ضرورة وجود مصارف رقمية في الوقت الراهن "في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر"، مؤكداً عدم اتجاه الدولة المصرية إلى إلغاء النقود الورقية على الإطلاق.

ستنافس المصارف الرقمية المصارف التقليدية، بل وستلتهم من حصتها السوقية من تقديم الخدمات المالية خلال فترة قليلة نظراً إلى انخفاض تكلفة التشغيل مقارنة بالمصارف التقليدية

الدكتور هاني توفيق، خبير اقتصادي

يبدو أن المتغيرات الاقتصادية التي يشهدها العالم حالياً تضمنت تطورات نوعية، فالمصارف الرقمية تواصل مسيرتها التقدمية ويصبح الوصول إليها أسهل يوماً بعد يوم، وبات كثر من العملاء يديرون مالهم ويطلبون قروضاً ويسددون أقساطها ويشترون بوالص تأمين من خلال الخدمات المصرفية الرقمية. وباتت المصارف الافتراضية عنصراً من عناصر التطور، نظراً إلى التحكم عن بعد في الحسابات وإجراء عمليات التحويل والدفع وغيرها من خلال الحواسيب الشخصية والهواتف الذكية.

في هذا السياق، قال الدكتور مصطفى أبو زيد، مدير مركز الدراسات الاقتصادية، لـ"المجلة" إن التحول إلى إنشاء المصارف الرقمية "سيساهم في دعم الاقتصاد المصري من خلال تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وفي قطاع السياحة، ويُعَدّ القطاعان من المصادر الرئيسة للإيرادات الدولارية لمصر الى جانب قناة السويس وتحويلات المصريين المقيمين في الخارج والصادرات المصرية، عبر إتاحة الخدمات المالية على مدار 24 ساعة يومياً. بالتالي تسهل هذه الخدمات عمليات تحويل الأموال من الاقتصاد المصري وإليه. وليس هناك اتجاه من الدولة إلى إلغاء التعامل بالنقود الورقية حاليا أو على المديين المتوسط أو البعيد إلا بعد التأكد من أن أغلبية الشعب المصري باتت تستخدم الخدمات المالية الرقمية في شكل كبير".

وتتجه مصر إلى التوسع في "الشمول المالي"، إذ وصل عدد المواطنين الذين لديهم حسابات في المصارف وفي مكاتب البريد، إضافة إلى محافظ الهاتف المحمول والبطاقات المسبقة الدفع (مثل بطاقة "ميزة")، إلى نحو 42 مليون مواطن من إجمالي 65 مليون مواطن بالغ (أي يتخطى 16 سنة) وهذا ما يعادل 65 في المئة فقط من السوق المستهدفة، فيما بلغ عدد محافظ الهاتف المحمول 34 مليون محفظة.

وكان المصرف المركزي المصري وضع القواعد التنظيمية لشبكة المدفوعات اللحظية (الفورية) "إنستا باي" (Instapay)، التي أطلقتها "شركة بنوك مصر" وتتيح التحويلات الفورية إلى عملاء المصارف والبطاقات المصرفية والمحافظ الإلكترونية، وهي حققت نجاحاً وزخماً بين عملاء المصارف منذ انطلاقها العام المنصرم، وبلغ عدد المعاملات من خلالها 20,3 مليون معاملة نفذها 2,16 مليون عميل بقيمة 112,7 مليار جنيه (3,65 مليار دولار) منذ انطلاقها في نهاية فبراير/شباط 2022، حتى مارس/آذار 2023، وفق بيانات المصرف المركزي.

وأعلنت "فوربس الشرق الأوسط" قائمة أقوى 30 شركة عاملة في مجال التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط لعام 2023، وجاءت مصر في المقدمة بـ8 شركات، تلتها السعودية بـ6 شركات ثم الإمارات والكويت بـ5 شركات لكلتيهما، وسط هيمنة لشركات المدفوعات على قائمة شركات التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط. وحلّت شركة "فوري لتكنولوجيا البنوك والمدفوعات الإلكترونية" المصرية في صدارة أقوى شركات التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط بحجم عملاء يقترب من 50 مليون عميل وحجم معاملات بلغ 6,8 مليار دولار عام 2022. 

وأكد الخبير المصرفي محمد عبد العال "أن تغير ثقافة العملاء واحتياجاتهم أبرز الدوافع التي أدت إلى التوجه إلى المصارف الرقمية وتطلع المصارف إلى دمج التكنولوجيا على نحو أكبر وبتكاليف أقل وبسرعة"، لافتاً الى فشل تجربة احد المصارف المصرية في أول استخدام لروبوتات الدردشة التفاعلية (Chatbots) كأحد الأمثلة البارزة على تطبيقات "المساعد الافتراضي"، حيث كان في فرع إلكتروني وليس رقمياً. ثمة توقعات لتأسيس أول مصرف افتراضي رقمي سيكون تابعا لـ"بنك مصر" وسيستخدم هذه الروبوتات، ويجري الإعداد له وقد تكون انطلاقته في النصف الأول من العام المقبل.

وقال لـ"المجلة" أن المصارف الذكية "أحد أهم إفرازات التطور التقني الهائل في تكنولوجيا المال والأعمال في الوقت الراهن وفى المستقبل القريب، وبات ضرورة حتمية فُرِضت على قطاع الصناعة المصرفية لمواكبة تطور احتياجات العملاء من المنتجات والخدمات المصرفية المتطورة، ولمواجهة المنافسة المتوقعة في عالم الاقتصاد الافتراضي والبلوك تشين، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والمجتمع اللانقدي".

تتوسع مصر في الشمول المالي، إذ وصل عدد المواطنين الذين لديهم حسابات في المصارف ومكاتب البريد، إضافة إلى محافظ الهاتف المحمول والبطاقات المسبقة الدفع، إلى نحو 42 مليون مواطن، من إجمالي 65 مليون مواطن بالغ

ولفت عبد العال إلى "أن المراحل الأولى لعمل المصارف الرقمية ستؤدي إلى منافسة المصارف التقليدية في مصر والعالم، لأن المنتجات المصرفية المالية وغيرها التي تقدمها المصارف الرقمية ستُعرَض في شكل أسرع من خلال التطبيقات السحابية على الإنترنت والبلوك تشين، وبتكاليف أقل، وسيستعيض العميل بذلك عبر ضغطة زر واحدة من هاتفه لدفع الأموال والشراء بسهولة تامة، فيوفر الوقت والجهد، مما سينعكس على تحسين المركز التنافسي مع المصارف التقليدية، التي ستلجأ بالتدريج بعد ذلك إلى تطوير خدماتها وأسلوبها في تعاملاتها وتحسينهما لكي تحتفظ بقاعدة عملائها". 

دور الذكاء الاصطناعي

اكتسب استخدام الذكاء الاصطناعي بالفعل مكانة بارزة في عمليات المصارف الافتراضية كلها، التي تصل إلى نحو 500 مصرف تعمل حول العالم، ولديها شريحة كبيرة من العملاء والأصول، بحسب الخبير المالي والمصرفي الدكتور محمد رضا، الذي أكد بدوره لـ"المجلة أن "المرحلة الأولى لإطلاق المصارف الافتراضية المزمعة في مصر كانت شركات الدفع الفوري، وتتجه الدولة في شكل عام الى الرقمنة في معاملاتها كلها، حيث كان ثمة قيود في الماضي على عمليات الدفع من طريق المصارف، ولذلك ظهرت شركات متخصصة مثل 'إي فينانس' و'فوري' التابعتين للدولة، واستحوذت على المعاملات والمدفوعات الحكومية كلها وجعلتها رقمية". واعتبر أن ذلك كان من اهم التحديات التي تواجه المصارف التقليدية إضافة الى التطورات السريعة والمتلاحقة في التكنولوجيا المالية "فينتك" التي تتميز بتقديم خدمات مالية أفضل وأرخص إلى العملاء، مما يجعلها منافسا في عالم الخدمات المصرفية والمالية والتأمين التقليدية، التي تتوافر لديها البنية التحتية. 

وأشار رضا إلى الشروط التي حددها المصرف المركزي المصري لتأسيس مصرف رقمي في مصر، والتي تتضمن ألا يقل رأس المال المصدر والمدفوع عن ملياري جنيه في حالة ممارسة الأعمال المصرفية كلها، باستثناء تمويل الشركات الكبرى، لافتاً إلى اشتراط المركزي المصري على المصارف التي ترغب في تمويل الشركات الكبرى أن ترفع رأس مالها إلى 4 مليارات جنيه، وكذلك أن يكون المساهم الأكبر مؤسسة مالية ذات أعمال سابقة في أنشطة مماثلة وألا تقل نسبة مساهمة المؤسسة المالية عن 30 في المئة من جملة قيمة رأس المال.         

font change

مقالات ذات صلة