مكارثي الذي "خذل" الديمقراطيين... والجمهوريين

أنصار ترامب والديمقراطيون اجتمعوا على وصفه بأنه "غير جدير بالثقة"

 AFP
AFP
كان بوسع الديمقراطيين إنقاذ مكارثي، لكنهم قالوا إنهم لن يساعدوا الجمهوريين على حل مشاكلهم

مكارثي الذي "خذل" الديمقراطيين... والجمهوريين

قبل نحو عام على الإنتخابات الرئاسية الأميركية يحتدم الصراع السياسي داخل الولايات المتحدة، بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفي داخل الحزبين نفسيهما، وبالأخص في صفوف الجمهوريين المنقسمين حول تأييد الرئيس السابق دونالد ترمب الذي يحظى بدعم الجناح اليميني المتشدد في الحزب.

وكانت آخر ترجمات هذا الصراع المزدوج، تجسدت في عزل مجلس النواب الأميركي، الثلاثاء، رئيسه الجمهوري كيفن مكارثي في سابقة بتاريخ الولايات المتحدة؛ فللمرة الأولى في تاريخه الممتد منذ 234 سنة، صوّت مجلس النواب بغالبية 216 صوتا مقابل 210 لصالح مذكرة طرحها الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري تنص على اعتبار "منصب رئيس مجلس النواب شاغرا".

وصوت ثمانية نواب جمهوريين إلى جانب الأقلية الديمقراطية في المجلس لصالح عزل مكارثي الذي أثار غضب الجناح المتشدد في الحزب بعد إبرامه صفقة مع الديمقراطيين، خلال عطلة نهاية الأسبوع، أدت إلى تمرير اتفاق مؤقت بشأن الموازنة لتجنّب إغلاق الحكومة، وهو ما دفع النائب عن فلوريدا الموالي لترمب مات غيتس إلى تقديم مذكرة لعزل مكارثي من منصبه.

الجميع غاضب

وإذا كان المحافظون المتشدّدون اعتبروا أنّ مكارثي حرمهم فرصة فرض تخفيضات هائلة في الميزانية، فالديمقراطيون في المقابل غضبوا منه مرارا في الأسابيع الأخيرة، بعد إطلاقه تحقيقا بهدف مساءلة الرئيس جو بايدن، ويوم السبت من خلال منحهم القليل من الوقت لقراءة مشروع قانون الإنفاق المؤقت لتجنب الإغلاق الجزئي الرابع للحكومة الاتحادية خلال عقد من الزمن.

الجدير ذكره أن هذا القانون أثار جدلا واسعا بشأن مستقبل الدعم الأميركي لأوكرانيا، بعدما استبعد، في اللحظة الأخيرة، المزيد من التمويل العسكري من اتفاق الكونغرس بشأن الموازنة.

وكان البيت الأبيض ومعظم الديمقراطيين والعديد من الجمهوريين، قد ضغطوا بشدة من أجل إدراج مساعدات جديدة لأوكرانيا، على الرغم من مقاومة حلفاء ترامب.

كان مكارثي أيد موقف ترمب المتمثل في إنكار فوز بايدن في انتخابات 2020 وشارك في الجهود القانونية لإبطال النتائج، لكنه أدان لاحقا اقتحام مبنى الكابيتول من قبل أنصار ترمب عام 2021

لكن مكارثي الذي حاول على الأرجح، إرضاء الطرفين، أي الديمقراطيين وأنصار ترمب داخل الكونغرس، من خلال تمرير اتفاق الموازنة وهو ما يرضي الديمقراطيين، لكن من دون تضمينه بند المساعدات لأوكرانيا وهو ما طالب به مؤيدو ترمب، فشل فشلا ذريعا في محاولته تلك، بل يمكن القول إنها انقلبت عليه وأطاحت به من منصبه.

ترمب الحاضر الغائب 

وكان بوسع الديمقراطيين إنقاذ مكارثي، لكنهم قالوا إنهم لن يساعدوا الجمهوريين على حلّ مشاكلهم.
واستدعى خروج الصراعات الداخلية في الحزب الجمهوري إلى العلن رداً من دونالد ترمب الذي قال على منصته "تروث سوشل": "لماذا يقضي الجمهوريون وقتهم في الجدال في ما بينهم؟ لماذا لا يقاتلون الديمقراطيين اليساريين المتطرّفين الذين يدمرون بلادنا؟"، من دون أن يذكر اسم مكارثي مباشرة، علما أن الأخير كان أيد موقف ترمب المتمثل في إنكار فوز بايدن في انتخابات 2020 وشارك في الجهود القانونية لإبطال النتائج، لكنه أدان لاحقا اقتحام مبنى الكابيتول من قبل أنصار ترامب عام 2021.

REUTERS
ترمب أثناء حضوره المحاكمة في منهاتن بقضية احتيال مدني في 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وكان عدد من النواب الجمهوريين سارعوا، فور صدور نتيجة التصويت، للإحاطة بمكارثي (58 عاما)، الذي لم يصدر عنه أيّ تعليق، بل إكتفى برسم ابتسامة على وجهه وتبادل وإياهم العناق والمصافحة.
وما لبث مكارثي أن عقد مؤتمرا صحافيا مساء الثلاثاء أعلن فيه أنّه لن يترشّح للمنصب الذي عزل لتوه منه، حتى وإن كان النظام الداخلي لمجلس النواب يسمح له بذلك.

"غير جدير بالثقة"

يذكر أن مكارثي لم ينه عامه الأول في رئاسة مجلس النواب، إذ انتخب في كانون الثاني/ يناير بعد مفاوضات شاقة ومضنية تعين عليه خلالها أن يقدّم تنازلات كبيرة لحوالي عشرين نائبا من أنصار ترمب، بما في ذلك أن يتمكن أيّ نائب ساعة يشاء من أن يدعو لإجراء تصويت لتنحيته، وهو ما فعله غيتس في نهاية المطاف.
وكانت قيادة الحزب الجمهوري حذّرت نواب الجناح المتشدّد من إغراق الحزب "في الفوضى"، لكنّ غيتس، الذي اشتكى مراراً من عدم احترام مكارثي الاتفاقات المبرمة مع المحافظين، ردّ قائلاً إنّ "الفوضى هي رئيس مجلس النواب مكارثي".

حاول مكارثي إرضاء الطرفين، أي الديمقراطيين وأنصار ترمب داخل الكونغرس، من خلال تمرير اتفاق الموازنة وهو ما يرضي الديمقراطيين، لكن من دون تضمينه بند المساعدات لأوكرانيا وهو ما يرضي مؤيدي ترمب، فشل فشلا ذريعا في محاولته تلك، بل يمكن القول إنها انقلبت عليه وأطاحت به من منصبه

وأضاف غيتس بعد التصويت أنّ "سبب سقوط كيفن ماكارثي اليوم هو أنّ لا أحد يثق به.
لقد قدّم وعودا متناقضة متعددة، وعندما استحقت جميعها، خسر". المفارقة أن "الإئتلاف الديمقراطي الجديد"، وهو كتلة من المشرعين الديموقراطيين المؤيدين لقطاع الأعمال، وصفوا مكارثي بأنّه "ببساطة غير جدير بالثقة"، لأنه لم يلتزم باتفاق مع بايدن في مايو / أيار بشأن الإنفاق الحكومي.

ماذا بعد مكارثي؟ 

قالت شبكة "سي بي إس نيوز"، إنه وفقاً لقواعد الكونغرس في حالة خلو منصب رئيس المجلس، فإن العضو التالي المسمى في قائمة ترشيحات البدلاء التي قدّمها مكارثي إلى مجلس النواب عند توليه منصبه، سيصبح رئيسا مؤقتا، حتى يتم انتخاب رئيس للمجلس. وهذا العضو هو النائب باتريك ماكهنري من ولاية كارولاينا الشمالية، وبالتالي تم تعيينه رئيسا مؤقتا.
وقال ماثيو غرين، أستاذ السياسة في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، إنه بعد أن يتولى الرئيس المؤقت مهامه "من المفترض أن يكون الإجراء التالي الذي ينبغي العمل عليه هو اختيار رئيس جديد". وأشار إلى أنه "من غير المرجح أن يستمر مجلس النواب في العمل كالمعتاد من دون اختيار رئيس جديد".
وفي أول تصريح له بصفته رئيسا مؤقتا، أعلن ماكهنري أن "منصب رئيس مجلس النواب أصبح شاغرا"، وأضاف أنه "قبل الشروع في انتخاب رئيس جديد، سيكون من الحكمة أخذ فترة استراحة، لإعطاء كلا الحزبين فرصة لمناقشة الطريق إلى الأمام". ثم أعلن أن المجلس في عطلة.

المهمة تبدو معقدة بالنسبة إلى الجمهوريين الذين سيجتمعون على الأرجح الثلاثاء المقبل للإتفاق على مرشّح جديد على أن يتمّ التصويت لانتخابه في اليوم التالي

من جانبه، دعا بايدن إلى المسارعة لانتخاب رئيس جديد لمجلس النواب. وجاء في بيان للمتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان - بيار "نظراً إلى أنّ التحدّيات الملحّة التي تواجه بلدنا لا تنتظر، يأمل (الرئيس) بأن ينتخب مجلس النواب رئيساً له سريعاً".
لكنّ المهمة تبدو معقدة بالنسبة إلى الجمهوريين الذين سيجتمعون على الأرجح الثلاثاء المقبل، أي بعد نحو أسبوع، للإتفاق على مرشّح جديد على أن يتمّ التصويت لانتخابه في اليوم التالي. 
وليس واضحا من هو الشخص الذي يمكنه حشد الدعم الكافي للفوز بالمنصب، بينما يتمتع الجمهوريون بغالبية ضئيلة تبلغ 221 مقابل 212، ولم يتمكن مكارثي من أن يصبح رئيسا إلا بعد 15 جولة تصويت على مدار 4 أيام.

موظفون يعيدون الأعلام الأميركية إلى مكتب رئيس مجلس النواب بعد أن تم استخدامها كخلفية في المؤتمر الذي عقده مكارثي عقب عزله

وقال كيسي بورغات، الأستاذ المساعد في جامعة جورج واشنطن، إنه قد يكون من الصعب العثور على مرشح لخلافة مكارثي يمكنه الحصول على دعم كبير، وفي الوقت نفسه تكون لديه رغبة كبيرة في تولي المنصب.
ومن أبرز النواب الجمهوريين المرشحين لتولي المنصب خلفا لمكارثي، كل من زعيم الغالبية في مجلس النواب ستيف سكاليز، وهو الرجل الثاني في الحزب الجمهوري، وكيفين هيرن رئيس أكبر مجموعة للمحافظين الجمهوريين في مجلس النواب، ورئيس اللجنة القضائية في المجلس جيم جوردان، وتوم إيمير وهو قيادي ومسؤول في المجلس.

font change

مقالات ذات صلة