السعودية ومصر ضغطتا لحضور لبنان وسوريا توقيع ميثاق الأمم المتحدة

رئيس وزراء سوريا يستشهد بالخليفة الصدّيق

Getty Images
Getty Images
فارس الخوري يرفع العلم المقترح للامم المتحدة بين اعضاء اللجنة القانونية للجمعية العامة في 1947

السعودية ومصر ضغطتا لحضور لبنان وسوريا توقيع ميثاق الأمم المتحدة

في المفاوضات التي سبقت التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية سنة 1945، اتفق مندوبو الدول العربية الخمس– مصر والسعودية والعراق وسوريا ولبنان– على إضافة بند للنص المقترح على أن الأعضاء المؤسسين فيها هم "دول مستقلة استقلالا تماما وناجزا، ولا يجوز إخضاع هذه الدول لأي نظام من أنظمة الوصاية أو الانتداب".

وضع هذا النص لأجل سوريا ولبنان بالتحديد، لكونهما كانا تحت الانتداب الفرنسي منذ سنة 1920. وتعهد مندوب السعودية ووزير خارجيتها الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود، بوضع كامل ثقل بلاده خلف مطلبهما؛ فلم تكن السعودية، ولا سوريا، ولا لبنان، أعضاء في عصبة الأمم التي سبقت منظمة الأمم المتحدة. وحده العراق انضم إليها سنة 1932 وتبعته مصر سنة 1937.

فارس الخوري يوم التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة

نجح العرب سنة 1945 في فرض نصهم المقترح على الميثاق، الذي وقع يوم 26 يونيو/حزيران 1945 في مقر مخصص لتخليد ضحايا الحرب العالمية الأولى في سان فرانسيسكو. وقّعت مصر أولا، وبعدها- وبحسب أحرف الهجاء- كل من العراق ولبنان والسعودية وسوريا. وعند التوقيع قال رئيس الحكومة السورية ورئيس وفدها فارس الخوري باللغة الإنكليزية: "أرجو أن تكون قوة الحق في هذه المنظمة أقوى من حق القوة". ثم وجه كلامه للأمير فيصل مستشهدا بأبي بكر الصديق، أول الخلفاء الراشدين، حين قال: "سيكون قويهم ضعيفا عندي حتى آخذ الحق منه، ويكون ضعيفكم قويا حتى آخذ الحق له". أعجب المندوبون العرب ببلاغة الخوري واستشهاده بشخصية إسلامية كالصديق– لكونه (الخوري) مسيحيا من أتباع المذهب البروتستانتي– وكثيرا ما كان يستشهد أيضا في خطبه الأممية بحكمة الخليفة عمر بن الخطاب.

AFP
حميد فرنجية وكميل شمعون من الوفد اللبناني يتشاوران مع المبعوث الاميركي جورج وادسورث اثناء الاجتماع الاول للجمعية العامة للامم المتحدة في لندن في 1946

وبعد سنوات علق الخوري في حديث مع الصحافي محمد الفرحاني: "كانت (لحظة توقيع الميثاق) أجل لحظة في حياتي السياسية" ويعود له الفضل في اختيار شعار الأمم المتحدة الحالي، خريطة العالم وسط إكليل من شجرة زيتون، حيث كان رئيسا للجنة التي أقرته عام 1947.

تغيب رئيس وزراء لبنان

بحضور المندوبين العرب، أُقر ميثاق الأمم المتحدة بعدها بأشهر، في 24 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1945، وهو اليوم المتعارف عليه منذ ذلك الحين بيوم الأمم المتحدة. وهو في اليوم نفسه الذي كان زملاؤهم مجتمعين في فندق سان ستيفانو في الإسكندرية لاستكمال مبادئ جامعة الدول العربية التي كان توقيع ميثاقها يوم 22 مارس/آذار من العام نفسه.

كان الملك عبدالعزيز آل سعود مؤمنا بضرورة وجود العرب في المحافل الدولية كافة، وأراد روزفلت سحب البساط من تحت الفرنسيين في الشرق الأوسط، ورأى في الأمم المتحدة فرصة ذهبية لتحقيق ذلك

وكان تضارب هذين الموعدين سببا في تغيب رئيس وزراء لبنان عبد الحميد كرامي عن اجتماعات الأمم المتحدة، فقرر رئيس الجمهورية بشارة الخوري إيفاده إلى مصر وطلب إلى وزير الداخلية اللبناني وديع نديم ترؤس وفد بلاده إلى مؤتمر سان فرانسيسكو، علما أن الأخير كان يجهل السياسات الدولية وكان الآمر الناهي في الوفد اللبناني سفير لبنان إلى واشنطن شارل مالك. وكان الوفد اللبناني أصغر الوفود العربية يومها، حيث كان مؤلفا من تسعة أعضاء فقط نزلوا ضيوفا مع زملائهم السوريين في فندق مارك هوبكنز العريق. أما الوفد السعودي، وعدده 18 عضوا، فقد تمت استضافته في جناح الطابق 12 من فندق فيرمونت القريب.

دور الملك عبد العزيز والملك فاروق


معظم أعضاء الوفد السوري كانوا، مثل شارل مالك، خريجي جامعة بيروت الأميركية، مثل فارس الخوري وفريد زين الدين وقسطنطين زريق (الذي أصبح رئيسا لها بالوكالة بعد سنوات) والسفير ناظم القدسي (الذي انتخب رئيسا للجمهورية السورية عام 1961). وصلوا برفقة الوفد اللبناني إلى سان فرانسيسكو قبل افتتاح المؤتمر في 25 أبريل/نيسان 1945، وأول ما قاموا به كان تقديم واجب العزاء في الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت الذي توفي قبل ثلاثة عشر يوما من انعقاد الجلسة الأولى. روزفلت كان متحمسا لحضور العرب مؤتمر سان فرانسيسكو وهذا ما ألح عليه الملك عبدالعزيز آل سعود في لقائهما الأخير شهر فبراير/شباط من العام نفسه؛ حيث كان الملك عبدالعزيز مؤمنا بضرورة وجود العرب في المحافل الدولية كافة، وأراد روزفلت سحب البساط من تحت الفرنسيين في الشرق الأوسط، ورأى في الأمم المتحدة فرصة ذهبية لتحقيق ذلك. 

Getty Images
وزير الخارجية السعودي الامير فيصل بن عبد العزيز يصافح الرئيس الاميركي هاري ترومان وبدا رئيس الوزراء السوري فارس الخوري في سان فرنسيسكو في 25 يونيو 1945


أما حلفاؤه الإنكليز، فقد تخففوا من دعوة سوريا ولبنان بسبب اعتراض شارل ديغول على حضورهم بشكل مستقل، ولكن تدخلا سريعا من الملك عبدالعزيز ذلل معارضتهم، وكذلك فعل الملك فاروق الذي أعلم السوريين سرا بنجاح مساعيه مع العاهل السعودي وطلب إليهم أن يكتموا الأمر خوفا من غضب الفرنسيين. ولعبت مصر دورا إضافيا في الدفاع عن استقلال سوريا ولبنان من خلال عضويتها غير الدائمة في أول جلسة لمجلس الأمن، التي عُقدت في لندن يوم 17 يناير/كانون الثاني 1946. 

أول موضوع ناقشه مجلس الأمن يومها– قبل موضوع سوريا ولبنان– كان شكوى تقدمت بها إيران ضد الاتحاد السوفياتي، الذي غزاها سنة 1941 وأطاح بملكها رضا شاه بسبب تأييده أدولف هتلر

وللمفارقة فإن أول موضوع ناقشه مجلس الأمن يومها– قبل موضوع سوريا ولبنان– كان شكوى تقدمت بها إيران ضد الاتحاد السوفياتي، الذي غزاها سنة 1941 وأطاح بملكها رضا شاه بسبب تأييده أدولف هتلر. كان من المفترض سحب القوات السوفياتية من إيران بعد ستة أشهر ولكن الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين رفض ذلك، وعندما حاول مجلس الأمن تشكيل لجنة للنظر في الشكوى الإيرانية، استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) للمرة الأولى في تاريخ المنظمة الأممية.

رد فرنسا على دور سوريا في الأمم المتحدة


حضور سوريا المؤتمر الدولي في أميركا كان القشة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة لديغول. ردت فرنسا على مشاركة الوفد السوري في مؤتمر سان فرانسيسكو بقصف مدينة دمشق، يوم 29 مايو/أيار 1945، ضاربة بعرض الحائط وجود الوفود العربية في الأمم المتحدة. تناوب كل من فارس الخوري، والأمير فيصل، وحميد فرنجية من لبنان بإدانة الفرنسيين على وحشيتهم، حيث كانت مدفعيتهم قد دمرت مبنى المجلس النيابي وسط العاصمة السورية، بهدف اعتقال أو اغتيال رئيسه سعد الله الجابري. تكلم الخوري بالإنكليزية، وفرنجية بالفرنسية، والأمير فيصل بالعربية، مطالبين بوقف العدوان واحترام المبادئ التي أتوا إلى سان فرانسيسكو لأجلها. 
ولعب المندوب المصري محمود فوزي مهمة الضغط على بريطانيا للتدخل الفوري لأجل سوريا، الذي جاء عبر إنذار شهير أبلغه رئيس الحكومة ونستون تشرشل إلى شارل ديغول، بضرورة وقف النار والبدء بسحب قواته من سوريا، منهيا انتدابا كريها استمر منذ سنة 1920. وعندما أعلنت سوريا انسحاب آخر جندي فرنسي من أراضيها يوم 17 أبريل/نيسان 1946، توجه الأمير فيصل إلى دمشق لحضور عيد الجلاء الأول ومشاركة رئيس الجمهورية شكري القوتلي في رفع علم الاستقلال في سماء العاصمة السورية. 

font change

مقالات ذات صلة