تغير المناخ أحد أكبر التهديدات الصحية في العالم

رئاسة "كوب 28" تستضيف أول يوم مخصص للصحة في تاريخ مؤتمرات الأطراف

تغير المناخ أحد أكبر التهديدات الصحية في العالم

* مقال مشترك بقلم: الدكتور سلطان أحمد الجابر، الرئيس المعين لمؤتمر الأطراف في اتفاق الأمم المتحدة الإطاري بشأن تغير المناخ (COP28)، والدكتور ‫تيدروس أدهانوم غيبريسوس، ‬‫المدير العام لمنظمة الصحة العالمية‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬، والدكتورة فانيسا كيري، المبعوثة الخاصة لمنظمة الصحة العالمية المعنية بتغير المناخ والصحة، والمديرة التنفيذية لمنظمة "سيد غلوبال هيلث".

تواجه البشرية في العصر الحالي واحدا من أكبر التهديدات الصحية في تاريخها والمتمثل في تغير المناخ. وعلى الرغم من خطورة هذا التهديد وتداعياته، فإن التدابير التي اتخذت حتى الآن للتصدي له ليست كافية.

إن انعكاسات تغير المناخ واضحة للجميع في كل أنحاء العالم، وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنه من بين كل أربع حالات وفاة فإن واحدة منها ترجع إلى أسباب بيئية كان بالإمكان الوقاية منها، وأن تغير المناخ يؤدي إلى زيادة خطر هذه التداعيات.

ويفرض تغير المناخ كثيرا من التحديات الصحية المعقدة التي تشمل أمراضا وأضرارا تسببها الظواهر المناخية شديدة القسوة، إضافة إلى انتشار الأمراض المُعديَة وتدهور الحالات المرضية المزمنة. وتزداد خطورة هذه التحديات الصحية المرتبطة بتغير المناخ بسبب عدم إمكان الوقاية منها من خلال اللقاحات، أو علاجها بالمضادات الحيوية، إلا أننا على يقين من قدرة البشرية على التخفيف من آثارها.

AP
يضع الناس أقنعة بسبب الهواء الملوث في هيرالد سكوير في نيويورك، في 7 يونيو/حزيران 2023. يعتقد المزيد من الأميركيين أنهم شعروا شخصيًا بتأثير تغير المناخ بسبب الطقس وفقا وكالة أسوشيتد برس- مركز "نورك" للأبحاث

يعد خفض انبعاثات جميع القطاعات الاقتصادية عاملا بالغ الأهمية في معالجة تغير المناخ وتفادي تجاوز ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض مستوى 1,5 درجة مئوية. ولتحقيق هذه الغاية، لا بد من العمل على إزالة الكربون من منظومة الطاقة الحالية العالمية وخفض الانبعاثات بنسبة 43 في المئة على الأقل على مدى السنوات السبع المقبلة.

وإذا لم نتخذ الإجراءات اللازمة، فإن تغير المناخ سيؤثر سلبا على النُظُم الصحية في العالم، وسيزداد تواتر وشدة الظواهر المناخية المتطرفة، مثل الجفاف والفيضانات وموجات الحر، بالتزامن مع ارتفاع درجة حرارة الأرض.

من بين كل أربع حالات وفاة فإن واحدة منها ترجع إلى أسباب بيئية كان بالإمكان الوقاية منها، وتغير المناخ يؤدي إلى زيادة خطر هذه التداعيات

منظمة الصحة العالمية

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك، الفيضانات التي ضربت باكستان العام المنصرم وأدت إلى نزوح ثمانية ملايين شخص، وتضرر منها 33 مليون شخص في المجمل. وإذا لم تتخذ إجراءات جريئة وعاجلة، فسيكون القادم أسوأ، فوفقا لتقديرات البنك الدولي، سيؤدي تغير المناخ إلى نزوح نحو 216 مليون شخص بحلول عام 2050، كما أنه يعرض حياة الناس وسبل عيشهم للخطر في ظل الضغط الكبير على النُظُم الغذائية العالمية لتغذية العدد المتنامي من سكان العالم، إضافة إلى تعرض مصادر المياه للخطر.

ويؤدي تغير المناخ أيضا إلى ارتفاع مفاجئ في معدلات الإصابة بالأمراض المُعديَة، مثل حمى الضنك والكوليرا التي تعرض الملايين للخطر. ومن خلال تدابير خفض الانبعاثات وتقليل تلوث الهواء الذي يودي بحياة سبعة ملايين شخص كل عام، يمكن تحقيق فوائد صحية كبيرة.

الاستثمار في المرونة المناخية

إن العلاقة بين الصحة وتغير المناخ واضحة، ويجب على المجتمع الدولي أن يعمل من الآن على تسريع تحقيق انتقال منطقي ومنظم ومسؤول وعادل في قطاع الطاقة، بالتزامن مع بناء وتعزيز المرونة المناخية، والقدرة على الصمود في مواجهة تداعيات تغير المناخ. 

جفاف في منطقة كانت ذات يوم تحت مياه بحيرة ميد الترفيهية، بالقرب من مدينة بولدر في ولاية نيفادا، كما بدت في 27 يناير/كانون الثاني 2023

ومن المفيد معرفة أن الاستثمار في المرونة المناخية على المستوى الوطني في مختلف الدول يؤتي ثمارا جيدة، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن كل دولار يُنفَق على بناء القدرة على مواجهة تغير المناخ، يولد عائدا يبلغ في المتوسط 4 دولارات، إذ أن تحسين جودة الرعاية الصحية والبنية التحتية يفيدان المجتمعات المحلية، ويحققان تأثيرات إيجابية بعيدة المدى على مختلف القطاعات.

والأهم من ذلك، أن الخسائر ستكون فادحة إذا لم يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة بصورة عاجلة، فتداعيات تغير المناخ تؤثر فعليا على نحو نصف سكان العالم. وبحلول عام 2050، وبحسب سيناريو ارتفاع درجة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين، سيتعرض نحو 1,4 مليار شخص للإجهاد الحراري، وستعاني غالبيتهم من أشد أشكاله خطورة.

إن العلاقة بين الصحة وتغير المناخ واضحة، ويجب على المجتمع الدولي أن يعمل من الآن على تسريع تحقيق انتقال منطقي ومنظم ومسؤول وعادل في قطاع الطاقة

لهذه الأسباب، يجب أن تكون الصحة بندا أساسيا ضمن أي خطة فاعلة ومنصِفة لمكافحة تغير المناخ، مع الأخذ في الاعتبار أن المجتمعات الأقل قدرة على مواجهة تداعيات تغير المناخ هي الأكثر عرضة للمعاناة، وأصبحت الدول منخفضة ومتوسطة الدخل أكثر معاناة من غيرها، على الرغم من أنها مسؤولة عن نسبة صغيرة للغاية من الانبعاثات العالمية.

وربما تصبح الصورة أسوأ في المستقبل، حيث يؤكد البنك الدولي أن نحو 40 في المئة من الفقر المرتبط بتغير المناخ سيكون مرتبطا بتأثيرات صحية ومادية إما بسبب ارتفاع النفقات الطبية، وإما بسبب خسارة الأفراد مصادر رزقهم. 

AP
رجال الإطفاء يعجزون أمام النيران الهائلة على طول طريق جيلمان سبرينغز أثناء حريق رابيت، في 14 يوليو/تموز 2023، في وادي مورينو في كاليفورنيا

ومن المؤكد أننا جميعا نريد أن يكون المستقبل أفضل من واقعنا الحالي، لذلك، ندعو الحكومات والمعنيين الرئيسين في جميع أنحاء العالم إلى أن يقدموا خلال مشاركتهم في "COP28" حلولا طموحة لمساعدة المتضررين وتجنب حدوث تداعيات صحية خطيرة.

الاستثمار في المرونة المناخية على المستوى الوطني في مختلف الدول يؤتي ثمارا جيدة، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن كل دولار يُنفَق على بناء القدرة على مواجهة تغير المناخ، يجلبُ عائدا يبلغ في المتوسط 4 دولارات

لقد أكدت استجابة العالم لجائحة "كوفيد-19" أنه بإمكان البشرية مواجهة التحديات التي تشكل تهديدات صحية كبيرة، وذلك من خلال تضافر الجهود وتطبيق الإجراءات اللازمة والوفاء بالتعهدات.

يوم الصحة في "كوب 28"

وإدراكا لأهمية الترابط بين موضوعي الصحة والمناخ، ستستضيف رئاسة "COP28" في 3 ديسمبر/كانون الأول، أول يوم مخصص للصحة في تاريخ مؤتمرات الأطراف، وستطلقُ دعوة حاسمة إلى العمل انطلاقا من ركيزتين أساسيتين:

الأولى، هي استضافة أول اجتماع وزاري بشأن الصحة والمناخ في مؤتمرات الأطراف، حيث عملنا بشكل وثيق مع عدد من الدول الرائدة في هذا المجال، ومنها البرازيل، ومالاوي، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية، وهولندا، وكينيا، وفيجي، والهند، ومصر، وسيراليون، وألمانيا، لإعداد "إعلان "COP28" في شأن المناخ والصحة" الذي أطلقناه الشهر الجاري خلال مؤتمر قمة الصحة العالمية، والذي يهدف إلى وضع الصحة في صميم خطط مكافحة تغير المناخ وضمن الإرث الإيجابي لمؤتمر "COP28".  وندعو الحكومات إلى التوقيع على هذا الإعلان الذي يمثل الركيزة الأولى للعمل المطلوب، لأننا حين نتعاون ونوحد جهودنا، سنكون قادرين على إرساء نُظُم صحية تتمتع بالمرونة المناخية ومستدامة ومنصفة لا تضر بالمناخ ويستفيد منها الجميع.

ندعو المؤسسات المالية الدولية وبنوك التنمية متعددة الأطراف إلى زيادة تدفق التمويل الميسر إلى دول الجنوب لتقليل الأخطار، وجذب المزيد من رؤوس الأموال الخاصة

أما الركيزة الثانية فهي "التمويل"، الذي سيكون من المحاور المهمة في يوم الصحة خلال "COP28"، حيث لا يقتصر هدفنا على زيادة المبلغ الإجمالي لتمويل مكافحة تغير المناخ، بل من الضروري أيضا دعم توجيه استثمارات خاصة للصحة، خصوصا أن الصحة تحظى حاليا بـ 2 في المئة فقط من التمويل المخصص للتكيف المناخي و0,5 في المئة من التمويل المناخي متعدد الأطراف.

AP
الفيضانات بين المنازل والسيارات في مقاطعة ميرسيد، كاليفورنيا، في 10 يناير/كانون الثاني 2023

كلنا ثقة بأننا سنكون قادرين خلال "COP28" على المساهمة في إحداث تغيير جذري في الهيكل الأساسي لمنظومة التمويل المناخي. وندعو المؤسسات المالية الدولية وبنوك التنمية متعددة الأطراف إلى زيادة تدفق التمويل الميسر إلى دول الجنوب لخفض الأخطار، وجذب المزيد من رؤوس الأموال الخاصة، إضافة إلى زيادة نسبة التمويل المخصص لكل من موضوعي "التكيف المناخي"، و"الصحة". 

لا شك في أن تحديات تغير المناخ عديدة وغير مسبوقة، لكن لدينا قناعة راسخة بقدرة البشرية على إيجاد الحلول المطلوبة لمواجهتها. ولضمان استجابة فاعلة لهذه التحديات، يجب أن تشمل هذه الحلول التركيز على موضوع الصحة. 

font change

مقالات ذات صلة