هل أضحى اليمين الشعبوي هو الوضع الطبيعي الجديد؟

REUTERS
REUTERS
خيرت فيلدرز

هل أضحى اليمين الشعبوي هو الوضع الطبيعي الجديد؟

سلط النجاح الأخير الذي أحرزه الشعبويون في الانتخابات التي جرت في الأرجنتين بداية، وتلتها الانتخابات التي جرت في هولندا بعد ذلك، سلط الضوء من جديد على صعود الشخصيات والأحزاب السياسية اليمينية "المتطرفة" في الغرب. وفي السنوات القليلة الماضية، ولا سيما بعد فشل دونالد ترمب في إعادة انتخابه وفي عودته إلى سدة الرئاسة في البيت الأبيض في عام 2020، أثار الكثير من المعلقين والمحللين تكهنات حول ما إذا كانت الشعبوية اليمينية قد وصلت إلى نهايتها.

AFP
رئيسة الوزراء الايطالية جيورجيا ميلوني

إن مشهد السياسيين الوسطيين- من أمثال جو بايدن في الولايات المتحدة، ولويز إيناسيو لولا دا سيلفا في البرازيل- وهم يهزمون شعبويين من أمثال دونالد ترمب وجاير بولسونارو على التوالي، شجع بعض الناس على الاعتقاد بأن السياسة الغربية كانت تعود إلى "طبيعتها" وأن التحول إلى اليمين المتطرف كان بمنزلة شذوذ مؤقت.

ولكن انتخاب جورجيا ميلوني للمرة الأولى في إيطاليا وهي رئيسة ائتلاف "إخوان إيطاليا" اليميني، ومن ثمّ نجاح خافيير ميليه في الأرجنتين، وخِيرْت فيلدرز في هولندا، قلب هذه الافتراضات رأسا على عقب. ومع استمرار الحركات والأحزاب الشعبوية في التمتع بدعم متزايد في جميع أنحاء أوروبا والغرب، فإنه من الممكن القول إن الشعبوية وُجدت لتبقى. فهل تصبح الشعبوية اليمينية قريبا "الوضع الطبيعي" الجديد في الكثير من الدول الغربية؟

صعود اليمين الشعبوي

بعد هزيمة النازية والفاشية خلال الحرب العالمية الثانية، هُمشت سياسات اليمين المتطرف إلى حد كبير في معظم الديمقراطيات الغربية. وفي بعض الدول، حظيت أحزاب اليمين المتطرف بدرجة من الدعم. واستطاعت الحركة الاجتماعية الإيطالية الفاشية الجديدة (MSI) إحراز نسبة 8.7 في المئة من الأصوات في الانتخابات التي جرت عام 1972.

ظل اليمين المتطرف في معظم البلدان على هامش السياسة، مثل عصابات النازيين الجدد حليقي الرؤوس في ألمانيا، أو الجبهة الوطنية الفاشية في بريطانيا

أما في فرنسا، فقد وصل جان ماري لوبان، مؤسس حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، إلى المرحلة النهائية في انتخابات الرئاسة التي جرت عام 2002، لكنه تعرض لهزيمة ساحقة، إذ حصل على 17 في المئة فقط من الأصوات. ومع ذلك، ظل اليمين المتطرف في معظم البلدان على هامش السياسة، مثل عصابات النازيين الجدد حليقي الرؤوس في ألمانيا، أو الجبهة الوطنية الفاشية في بريطانيا.
ومع ذلك، وعلى أثر الانهيار المالي الذي حدث عام 2008 والركود الاقتصادي الذي رافقه، بدأت الجماعات اليمينية المتطرفة تتمتع بنجاح انتخابي متزايد؛ إذ إن الأحزاب الجديدة، وكذلك تلك الأحزاب التي لم تكن تتمتع بشعبية كبيرة سابقا، استغلت جميعها الإحباط المتزايد الناجم عن آثار الكارثة الاقتصادية. ويروج هؤلاء لأنفسهم بلغة قومية صارخة، وفي كثير من الأحيان تكون معادية للمهاجرين ولعملية العولمة، وهم كذلك يعادون الاتحاد الأوروبي في كثير من الأحيان. 
والأهم من ذلك أنهم قدموا أنفسهم كمتمردين خارجيين، وكمُتحدِّين لــ"المؤسسة" المفترضة، والتي كانت فاشلة. وأتاح لهم هذا الأمر الفوز بأصوات كثيرة، وهذا الأمر ليس على حساب الأحزاب المحافظة التقليدية المحسوبة على اليمين وحسب، بل على حساب الأحزاب اليسارية أيضا، فهذه الأخيرة شهدت انجذاب بعض ناخبيها التقليديين من الطبقة العاملة إلى تيار الشعبويين.

جعلت أنظمة الحكم السياسية في بعض البلدان دخولَ الحكومةِ أمرا صعبا على الأحزاب الشعبوية

وصل حزب "فيدس" بقيادة فيكتور أوربان إلى السلطة في المجر عام 2010، وعلى المنوال نفسه تولى حزب "القانون والعدالة" الشعبوي السلطة في بولندا بعد خمس سنوات. وفي الوقت نفسه، كان دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة من 2017 إلى 2021، بينما حكم جايير بولسونارو في البرازيل من 2019 إلى 2022. وفي أماكن أخرى، لم تفز أحزاب اليمين الشعبوية بالسلطة المطلقة، ولكنها كسبت العدد الكافي من الأصوات للانضمام إلى الحكومات الائتلافية. فحكم "الفنلنديون الحقيقيون" في إطار ائتلاف شُكِّلَ في فنلندا لمدة عامين من 2015 إلى 2017، بينما حكم حزب "الحرية" في النمسا كحزب حكومي صغير لمدة عامين بعد فوزه بنسبة 26 في المئة من الأصوات في انتخابات عام 2017. جعلت أنظمة الحكم السياسية في بعض البلدان دخولَ الحكومةِ أمرا صعبا على الأحزاب الشعبوية، لكن هذه الأحزاب ما زالت تشهد ارتفاعا في الدعم الذي تحصل عليه، إذ فاز حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AFD) في ألمانيا بنسبة 12 في المئة في الانتخابات التي جرت عام 2017 وكذلك بنسبة 10 في المئة في الانتخابات التي جرت عام 2021، بالإضافة إلى سلسلة من النجاحات في نسب الأصوات المحلية. 
في غضون ذلك، وفي فرنسا على وجه التحديد، وصلت ابنة جان ماري لوبان وخليفته، مارين، إلى جولة الإعادة في آخر انتخابات رئاسية، إذ حصلت على نسبة 34 في المئة من الأصوات في عام 2017 ونسبة 41 في المئة في عام 2022. 
أما في بريطانيا، وعلى الرغم من أن النظام الانتخابي الذي ينتخب فيه الناخب مرشحا واحدا جعل من العسير على حزب استقلال المملكة المتحدة الشعبوي (UKIP) الحصول على مقاعد برلمانية، إلا أن شعبيته المتزايدة ساهمت في التصويت على استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي. كما أثرت شعبيته في تحرك حزب المحافظين الحاكم لاحقا نحو تبني السياسات الشعبوية اليمينية خشية خسارة الناخبين لمصلحة الحزبين اللذين خلفا حزب استقلال المملكة المتحدة، أي "حزب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي"، وحزب الإصلاح.

 

إحياء شعبوي؟


كان البعض يأمل أن تكون الشعبوية اليمينية قد بلغت ذروتها برحيل دونالد ترمب عن منصبه في عام 2021. وخلقت هزيمة بولسونارو في عام 2022 وسقوط حزب القانون والعدالة البولندي في أكتوبر/تشرين الأول انطباعا بأن شعبية الشعبوية ربما تكون تضاءلت. ولكن، مثلما كان التحول الأولي إلى اليمين مدفوعا بالانهيار الاقتصادي الذي جرى عام 2008 والظلال الطويلة الأمد التي أرخاها على الواقع السياسي، فإن حرب أوكرانيا التي حدثت عام 2022 وأزمة تكاليف المعيشة المصاحبة لها منحتا الشعبوية جرعة أخرى على ما يبدو؛ فعلى سبيل المثال، دُفعت ميلوني إلى رئاسة الوزراء الإيطالية في سبتمبر/أيلول 2022، ويرجع ذلك جزئيا إلى الضغط الاقتصادي الذي كانت تعاني إيطاليا منه. وعلى الرغم من أنها تنفي كونها فاشية، إلا أن حزبها اجتذب الكثير من الأعضاء السابقين في الحركة الاشتراكية الإيطالية، ويُنظر إلى حكومتها على نطاق واسع على أنها الحكومة الإيطالية الأكثر يمينية منذ الحرب العالمية الثانية.

كان التحول الأولي إلى اليمين مدفوعا بالانهيار الاقتصادي الذي جرى عام 2008 والظلال الطويلة الأمد التي أرخاها على الواقع السياسي

ولعبت حرب أوكرانيا أيضا دورا رئيسا في نجاح حزب فيلدرز في الانتخابات الهولندية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني. واكتسب خطاب فيلدرز المناهض للمهاجرين، وخصوصا الخطاب المناهض للإسلام، زخما تدريجيا بين الناخبين الهولنديين منذ تشكيل حزبه عام 2006. ومع ذلك، توقع قليلون أن يفوز حزب الحرية بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات التي جرت عام 2023، أي 37 من أصل 150 مقعدا. وهو أعلى بكثير من "حزب الشعب" الذي حصل على 24 مقعدا فقط. 
ويتفق معظم الخبراء على أن شعبية فيلدرز ارتفعت بعد أن نجح في ربط أزمة تكلفة المعيشة بعدائه التقليدي للهجرة في نظر الكثير من الناخبين، وانتقد أيضا دعم الجيش الهولندي لكييف، وذلك على الرغم من معارضته لغزو بوتين. ومع ذلك، يشير نجاح ميليه في الأرجنتين إلى أن حرب أوكرانيا وتداعياتها ليست السبب الوحيد الكامن خلف نجاح الشعبوية؛ إذ فاز ميليه في جولة الإعادة الرئاسية بأغلبية 14.5 مليون صوت مقابل 11.5 مليون صوت لمنافسه، وذلك من خلال صياغة خطة لإنقاذ الأرجنتين من أزمة اقتصادية تعود إلى زمن أقدم بكثير من حرب أوكرانيا. 
وفي حين أدى ارتفاع أسعار الوقود العالمية على ما يبدو دورا في التضخم المتسارع الحاصل في الأرجنتين، فإن معظم المحللين يشيرون إلى سياسات خفض قيمة العملة التي تنتهجها الحكومة الحالية، والجفاف الذي ضرب القطاع الزراعي في الأرجنتين. وكما هو الحال مع الكثير من الشعبويين، فإن ميليه، الذي يُنكر ظاهرة التغير المناخي، والذي تعهد بإلغاء البنك المركزي والاتجاه نحو دولرة الاقتصاد، استهدف "المؤسسة" البيرونية [نسبة إلى أفكار خوان بيرون] التي ظلت في السلطة لعقود طويلة من الزمن. وأثار تعاطف ميليه الواضح مع استبدادية الأرجنتين في الفترة التي امتدت من 1976 إلى 1983 قلق الكثيرين حيث يخشى البعض من أنه سيفرض المزيد من السياسات الاستبدادية.


الاعتدال في السلطة؟


وبالنسبة إلى أولئك الذين يعارضون اليمين الشعبوي في كل من الغرب وأماكن أخرى من العالم، فإن هذه التطورات مثيرة للقلق. ومع ذلك، فإن سجل اليمين الشعبوي السابق في السلطة متفاوت. وتبين أن الكثير منهم أقل تطرفا مما كان يُخشى منه، وكثيرا ما خفف هؤلاء مواقفهم عندما واجهوا وقائع المنصب؛ فعلى سبيل المثال، نظم "الفنلنديون الحقيقيون" حملة من أجل خروج فنلندا من منطقة اليورو، لكنهم خففوا موقفهم بمجرد انضمامهم إلى الحكومة. ويشير محللو السياسة الهولندية بالفعل إلى أنه سيتعين على فيلدرز تقديم تنازلات مماثلة من أجل تشكيل ائتلاف حاكم.

سجل اليمين الشعبوي السابق في السلطة متفاوت. وتبين أن الكثير منهم أقل تطرفا مما كان يُخشى منه، وكثيرا ما خفف هؤلاء مواقفهم عندما واجهوا وقائع المنصب

وصرح ريم كورتويج، من معهد "كلينجينديل" البحثي، لصحيفة "الغارديان" بما يلي: "يملك كل حزب خطوطه الحمراء، وأوراق المساومة الخاصة به. وهناك دائما مساومة لا نهاية لها. وهذه المرة سيكون هناك المزيد؛ إذ أصبحت البيانات الانتخابية غير ذات صلة تقريبا". 

AFP
رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور اوربان


ومن أجل الفوز في الانتخابات، خفف فيلدرز بالفعل الكثير من خطاباته المعادية للإسلام. وأعلن منذ ذلك الحين أن الكثير من برنامجه المناهض للإسلام لا يمثل أولوية ملحة وسيُجمد في الوقت الراهن. وفي السياق ذاته، وعلى الرغم من قيامه بحملة من أجل إجراء استفتاء على عضوية هولندا في الاتحاد الأوروبي واقتراحه مغادرة منطقة اليورو، فإن أيا من شركائه المحتملين في الائتلاف لن يفكر في ذلك الأمر ومن المرجح أن يتخلى عن هذا التعهد أيضا.
وبالمثل بدت ميلوني معتدلة عند توليها المنصب. ويخشى الكثيرون أن تسحب دعم إيطاليا لأوكرانيا نظرا للمواقف السابقة لحزبها. ومع ذلك، عند توليها منصبها، دافعت عن قضية كييف، ونالت إشادة جو بايدن في هذه العملية. وعلى نحو مماثل أيضا، وبينما حافظت على موقف متشدد في التعامل مع المهاجرين، ومن ضمن ذلك تضييق الخناق على المهاجرين غير الشرعيين، اختارت ميلوني الخيار الأكثر تقليدية المتمثل في العمل مع الدول المجاورة، وتحديدا تونس وألبانيا، فضلا عن الاتحاد الأوروبي، من أجل التعامل مع هذه القضية.
وتشير العلامات المبكرة إلى أن ميليه قد يكون أقل تطرفا مما كان متوقعا. وعلى الرغم من أن إلغاء البنك المركزي وتداول الدولار بدلا من البيزو يعدّ أحد تعهداته الانتخابية الأساسية، نجد أنه عيّن شخصا معتدلا ليكون وزير الاقتصاد الجديد. ومن المعروف أن هذا الشخص المعيّن، وهو لويس كابوتو، يعارض خطط ميليه المتطرفة، وينظر الكثيرون إلى تعيينه على أنها خطوة عملية أقدم عليها الرئيس الجديد، وهو الأمر الذي يشير إلى أنه سيتخذ مسارا أكثر حذرا في البداية.


المخاوف الاستبدادية


ومع ذلك، وفي حين أثبت بعض الشعبويين وهم في السلطة أنهم أكثر اعتدالا مما كان متوقعا، لا زال آخرون منهم يتبعون أجندات متطرفة ذات عواقب طويلة الأمد. وأثارت السياسات الاجتماعية على وجه الخصوص القلق بين الليبراليين الغربيين، فعلى سبيل المثال، استهدفت ميلوني حقوق مجتمع المثليين في إيطاليا، وأصدرت مراسيم تزيل حقوق الوالدين المثليين. وعلى نحو مماثل، شنت حكومة "القانون والعدالة" في بولندا حملة صارمة على قوانين الإجهاض. وتردد صدى هذه الحملة لاحقا في الولايات المتحدة عندما ألغت المحكمة العليا قضية "رو ضد وايد" في عام 2022. 

أكثر ما يثير قلق الكثيرين بشأن اليمين الشعبوي هو ميليه إلى تبني سياسات أكثر استبدادية

وعلى الرغم من أن دونالد ترمب كان قد ترك منصبه بحلول هذه المرحلة، إلا أن إصدار الحكم أصبح آنذاك ممكنا بفضل القضاة المحافظين الذين سبق وعيّنهم في أثناء فترة وجوده في منصبه. 
لكن أكثر ما يثير قلق الكثيرين بشأن اليمين الشعبوي هو ميليه إلى تبني سياسات أكثر استبدادية. ويكمن الخوف في أن الشعبويين، وبمجرد وصولهم إلى السلطة، سوف يقوضون المؤسسات الديمقراطية التي استخدموها في طريقهم إلى هذه السلطة ذاتها. 

AFP
مظاهرة لليمين المتطرف الالماني في الاول من سبتمبر 2018 في مدينة شمينتز


وهذا ما برز بشكل فاضح في المجر. فمنذ انتخاب فيكتور أوربان عام 2010، أعادت مؤسسة "فريدوم هاوس" البحثية تصنيف المجر من دولة حرة إلى دولة حرة جزئيا فحسب. ويعكس هذا حملات القمع الواسعة النطاق التي أشرف عليها أوربان ضد حرية الصحافة، واستقلال القضاء، والنظام السياسي المتعدد الأحزاب. واتهم كثيرون، ومن ضمنهم مسؤولون في الاتحاد الأوروبي، بولندا بالانزلاق إلى تراجع ديمقراطي مماثل في ظل حزب القانون والعدالة.
وبطبيعة الحال، فإن أشهر مزاعم الشعبويين التي تدفع باتجاه تقويض الهياكل الديمقراطية كانت ادعاءات دونالد ترمب بأن الانتخابات الرئاسية الأميركية التي أُجريت عام 2020 قد سُرقت منه. ورفض النظام القضائي الأميركي هذه "الكذبة الكبرى" مرات كثيرة، لكنها ما زالت تمثل رسميا خط الحزب الجمهوري المعارض. 
وعلاوة على ذلك، يُزعم على نطاق واسع أن ترمب حرض مثيري الشغب على الاستيلاء على مبنى الكابيتول الأميركي لمنع خسارته للسلطة، وهو الاتهام الذي جعل ترمب عرضة للكثير من لوائح الاتهام في المحكمة. ومن بين المخاوف الكثيرة التي تساور معارضي ترمب بشأن عودته المحتملة إلى السلطة في عام 2024، يبرز هذا التجاهل الواضح للمؤسسات الديمقراطية الأميركية واستعداده الواضح لإلحاق الضرر بها على نحو دائم.


الوضع الطبيعي الجديد؟


إذا أعيد انتخاب ترمب، فإن هذا سيبدو بمنزلة دليل قاطع على أن الشعبوية لن تختفي، وهو الأمر الذي أشارت إليه بالفعل نجاحات ميليه وميلوني وفيلدرز. وليس من اليسير معرفة مدى استمرارية هذا التحول نحو اليمين في الغرب؛ فمن ناحية، يمكن القول إن السياسة غالبا ما تتصف بأنها دورية؛ ففي نهاية المطاف، أزاح بايدن ترمب، وأزاح لولا بولسونارو، وسيحدث الشيء نفسه بالنسبة إلى الدفعة الحالية من الشعبويين في نهاية المطاف. وبعد فترة من الوقت، وفي معظم الحالات في مجال السياسة، أصبح يُنظر إلى المتمردين على أنهم "النظام"، وسيُستبدلون بدورهم بمتمردين جدد، وغالبا انطلاقا من مواقف آيديولوجية مختلفة.

القلق السائد هو أن يُلحق اليمين الشعبوي ضررا دائما بالمؤسسات والأعراف السياسية الديمقراطية في أثناء وجوده في السلطة

ومن ناحية أخرى، كما رأينا في حالة كل من ترمب وأوربان، فإن القلق السائد هو أن يُلحق اليمين الشعبوي ضررا دائما بالمؤسسات والأعراف السياسية الديمقراطية في أثناء وجوده في السلطة. وكلما زاد نجاحهم، زاد احتمال سعي الجهات الفاعلة السياسية الأخرى إلى تكرار أساليبهم، وتطبيع السياسات والأساليب التي اعتبرت متطرفة للغاية أو خارجة عن المألوف لفترة طويلة.

font change

مقالات ذات صلة