رفائيل كورماك: قاهرة العشرينات كانت متفرّدة في المشهد العالمي

تتبّع سير الملاهي الليلية والفنانات في تلك الفترة

رفائيل كورماك

رفائيل كورماك: قاهرة العشرينات كانت متفرّدة في المشهد العالمي

اختار رفائيل كورماك فترة العشرينات في القاهرة ليسرد في كتابه الصادر بالإنكليزية عام 2020 بعنوان "منتصف الليل في القاهرة"، معاناة المرأة الفنانة وكفاحها، على خشبة المسرح والملاهي والنوادي الليلية وسعيها لاستقلاليتها وخلق حركة نسوية خاصة تختلف عن نسوية هدى شعراوي.

وصف كورماك، الحاصل على درجة الدكتوراه في المسرح المصري من جامعة إدنبرة، قاهرة فترة العشرينات بـ"باريس الشرق". عن تلك الفترة أجرت "المجلة" هذا الحوار مع رفائيل كورماك.

  • لماذا اخترت العشرينات من القرن الماضي لتسرد تاريخ الفن في شوارع وسط القاهرة؟

كانت تلك فترة رائعة في تاريخ مصر، كانت دولة مستقلة حديثا، وكان الناس يتساءلون عما يعنيه أن تكون مصريا في ذلك الوقت، وكيف يجب أن تبدو مصر الحديثة؟

كان هذا وقت التغيير الاجتماعي والسياسي والنسوي، والاشتراكي والديموقراطي، وأكثر من ذلك.

في مراحل ازدهار النوادي الليلية والملاهي كان الممثلون يجيبون عن هذه الأسئلة بطرقهم الخاصة والممتعة.

مصادر

  • ما المصادر التي اعتمدت عليها في تأريخ تلك الفترة؟

لا يوجد عدد كبير من المصادر الأرشيفية حول الحياة الليلية في تلك الفترة، لدينا القليل منها، على سبيل المثل، أوراق عباس حلمي الثاني (التي تحتفظ بها جامعة دورهام لكنها متاحة على الإنترنت)، وتحتوي على تقارير سرية للشرطة من تسعينات القرن التاسع عشر في الأزبكية التي تعبر بعض الشيء عن هذا المشهد، أما المصادر الرئيسة، فهي المجلات والصحف الترفيهية في العشرينات ومذكرات الممثلين والممثلات في تلك الفترة.

حولت الصحافة النساء إلى نجمات، ومنحتهن فرصة للعمل والنجاح لفترات طويلة، ولكن كان هناك ثمن يجب دفعه

  • كيف تصف تعامل الصحافة والدولة مع الفنانات في تلك الفترة في ظل تقديمهن للفنون وفقرات الرقص في الملاهي الليلية؟

كانت هناك علاقة عاطفية بين الصحافة ونجمات مصر، لكنها صعبة، إذ كانت المجلات والصحف مهووسة بكل تفاصيل حياة الممثلات والمغنيات، بداية من حياتهن الخاصة في منازلهن إلى ما يأكلنه على الإفطار. كانت هؤلاء النساء يظهرن على غلف المجلات التي استفادت منهن في تحقيق المزيد من بيع الأعداد. بدورها، حولت الصحافة النساء إلى نجمات، ومنحتهن فرصة للعمل والنجاح لفترات طويلة، ولكن كان هناك ثمن يجب دفعه أيضا حيث نشرت الصحف شائعات عن حياتهن الجنسية وأخضعتهن إلى مستويات عالية من التتبع والرصد، يمكن أن نقول إن المجلات كانت قاسية ولطيفة أيضا.

  • لماذا اخترت النساء تحديدا في تأكيد أن العشرينات كانت مزدهرة بالفنون؟

كانت النساء دوما قلب الفنون الشعبية ومركزها في عشرينات القرن الماضي، كن الممثلات والمغنيات والراقصات الأكثر شعبية. لذا كان من المستحيل الكتابة دونهن. مع ذلك، تظهر لنا حياة النساء أيضا أن عشرينات القرن الماضي لم تكن جنة، إذ استغلّت النساء وتعرّضن للأذية، لذا أتاح السرد من خلال النساء رؤية الجانبين، الخير والشر في مصر تلك الفترة.

  • لماذا يروج أن مصيرهن كان محتوما بالشعور بالحزن واليأس والوحدة، على العكس من الفنانين الرجال الذين أصبحوا أنجح وأكثر تأثيرا؟

لا أعتقد أن حياة النساء تنتهي بالحزن واليأس والوحدة أكثر من حياة الرجال، تكمن المشكلة في أن الناس بعد وفاتهم لا يعرفون كيف يروون قصة حياة المرأة المستقلة، كما أن الثقافة الإنسانية معادية للمرأة بشكل عميق ولا يستطيع الناس التعامل مع النساء القويات.

الفن والمجتمع

  • كيف تعامل المجتمع المصري مع دخول النساء الفن في فترة العشرينات؟

كان الكثير من الناس غاضبين أو مذعورين بسبب الوجود العام المتزايد للمرأة في مصر في عشرينات القرن الماضي، لا سيما في النوادي الليلية، كانوا قلقين وخائفين من تدمير أخلاق البلاد. وغالبا ما كانت تُمنع الفنانات من الجلوس في المقاهي بعد عروضهن ويتعرضن لمضايقات الشرطة، كما استهدفهن الرجال الذين اعتقدوا أنهن متاحات لهم جنسيا. كانت حياة فنية صعبة للغاية.

  • ما الأوضاع الاقتصادية لصناعة الترفيه في تلك الفترة وظروف الفنانات المادية؟

 بالنسبة الى معظم النساء، لم يكن يربحن من الظهور على خشبة المسرح الكثير من المال، كان الكثير منهن فقيرات وظللن فقيرات، حيث كن يعملن في النوادي الليلية لأن لديهن خيارات أخرى قليلة.

 لكن بالنسبة إلى بعض النساء فقد جعلهن الترفيه ثريات للغاية، حيث امتلكت بديعة مصابني ملهى ليليا خاصا بها لفترة وجنت الكثير من المال، وكانت أم كلثوم سيدة أعمال بارعة بشكل خاص، وأكسبتها عقودها القياسية الكثير من المال، لكن القلة المحظوظة فقط هي التي أصبحت ثرية عبر المراحل، معظم الفنانات كنّ يغطين نفقاتهن فحسب.

تمثل هدى شعراوي أحد جوانب النسوية المصرية، وهو جانب مهم للغاية. لكن حياتها وحياة المطربين في ملهى المسرح كانت مختلفة تماما

  • ​​​​​​هل ترى أن التركيبة المتنوعة من المواطنين سواء المصريين أو الأوروبيين ساهمت في التنوع في تقديم الفنون في المسارح أو الملاهي الليلية؟

كان هناك تنوع كبير في الثقافات المختلفة في صناعة الترفيه في مصر. ما أردت إظهاره في الكتاب هو أن هذا العالم الكوزموبوليتاني لم يكن أوروبيا فحسب، مثلما يعتقد الناس غالبا، كانت الثقافة المصرية الناطقة بالعربية متنوعة للغاية وعالمية.

  • لماذا ربطت بين هدى شعراوي وأوضاع الفنانات في تلك الفترة؟

تمثل هدى شعراوي أحد جوانب النسوية المصرية، وهو جانب مهم للغاية. لكن حياتها وحياة المطربين في ملهى المسرح كانت مختلفة تماما، لم يمكنهن أبدا فهم بعضهن بعضا والتلاقي في نقطة واحدة.أردت في الكتاب أن أبين أن الملاهي والمسارح في القاهرة أنتجت نوعا مختلفا من النسوية عن هدى شعراوي ولكنه كان لا يزال شكلا شرعيا من النسوية.

مزيج مثالي

  • ما الظروف والعوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية التي جعلت تلك الفترة في القاهرة مزدهرة بالفنون؟

في عشرينات القرن الماضي في القاهرة، أدّى مزيج مثالي من العوامل إلى خلق مشهد فني نابض بالحياة. من الناحية الاقتصادية، كانت المدينة قوية للغاية وكان الناس يأتون لزيارتها من جميع أنحاء العالم، كان لديهم أيضا أموال فائضة لإنفاقها في النوادي الليلية والمسارح والملاهي الليلية.

أما سياسيا، فكان هناك شعور بالتفاؤل يعم الأجواء، ومن الناحية الاجتماعية، كانت النساء ينتقلن أكثر فأكثر إلى المجال العام، وعلى الرغم من أن الظهور على خشبة المسرح وقتها لم يكن مقبولا اجتماعيا تماما للمرأة، إلا أنه أصبح ممكنا أكثر. قبل 30 أو 40 عاما، لاقت الفرق المسرحية صعوبة في التعاقد مع ممثلات يشاركن في مسرحياتهم. أما في العشرينات، فأصبحن في كل مكان، اجتمع كل هذا لخلق مشهد نابض بالحياة.

  • قلت إنك تجولت في القاهرة بمنطقة وسط البلد... ما التغيرات التي لاحظتها عن فترة العشرينات في خصوص الملاهي الليلية والمسارح ودور السينما؟

الغريب أن الأمور تغيرت كثيرا وبقيت على حالها أيضا. اختفت النوادي الليلية العظيمة التي تخص النساء أمثال بديعة مصابني. لم يبق من المسارح القديمة التي كانت تملأ شارع عماد الدين سوى مسارح قليلة، فبوابة أحد مسارح دار الأوبرا القديمة حولت الآن الى باب مكتب بريد، وكازينو نعيمة المصرية تحول الى متجر بيع قطع غيار السيارات، ومبنى المسرح المصري القديم أصبح مخزن بضائع، لكن شعرت أن خلف الأبواب المغلقة، لا يزال هناك العديد من الحانات الصغيرة أو الملاهي حيث يعيش شيء من روح العشرينات.

منيرة المهدية وأم كلثوم

  • لاحظت شغفك بالمطربة منيرة المهدية وعالمها. لماذا؟ وكيف تراها مقارنةً بالمطربة أم كلثوم؟

أعتقد أن منيرة المهدية وأم كلثوم تمثلان طريقتين متعارضتين تماما في التعامل مع الصحافة ومع المشاهير. ظلت أم كلثوم متحفظة، ونادرا ما أجرت المقابلات الصحافية أو التلفزيونية ووضعت حاجزا بين الإعلام وحياتها الشخصية. كانت منيرة مختلفة ومتوهجة، لقد بالغت في حياتها، من حيث لعب القمار، والسهر الى وقت متأخر، والشرب مع السياسيين. وعلى الرغم من ذلك، لا أصدّق كل القصص عن تنافسهما، فهما المرأتان الأكثر تمثيلا للصعوبات والفرص التي حققتها المشاهير الإناث في عشرينات القرن الماضي.

   لا أصدّق كل القصص عن تنافس منيرة المهدية وأم كلثوم، فهما المرأتان الأكثر تمثيلا للصعوبات والفرص التي حققتها المشاهير الإناث

  • كيف تصف تلك الفترة في مصر مقارنة بالفنون والمسرح في أوروبا؟

كان هناك الكثير من التواصل بين القاهرة وبقية أوروبا، كان فنانون أوروبيون يأتون إلى مصر بشكل متكرر وكان الممثلون المصريون يقومون بجولات في أوروبا أيضا، صحيح أقلّ، لكنهم كانوا يفعلون ذلك، وأفضّل عدم وضع المقارنة بين مصر وأوروبا في تلك الفترة. بدلا من ذلك، أفضل التفكير في القاهرة كمدينة متفردة في المشهد الفني العالمي.

  • كيف كانت العلاقة بين الرقابة والفنانين في تلك الفترة؟

وقتها، بدأت الرقابة تزداد قوة، غالبا ما كانت المسرحيات تخضع للرقابة، كما فعلت مع التسجيلات الموسيقية والأفلام، كان هناك صراع مستمر بين الفنانين والمراقبين، كما هي الحال دائما.

  • ما القصص التي لم تضعها في كتابك ولماذا لم تذكرها؟

كان هناك الكثير من القصص التي لم أتمكن من وضعها في الكتاب، على الرغم من أن هذا كان قبل 100 عام فقط، فقد الكثير منه في التاريخ. نُشر العديد من الخرافات والأساطير التي لا أساس لها في الواقع (حاولت عدم تضمين العديد من القصص التي لم أتمكن من التحقق منها، على الرغم من أن بعضها كان جيدا جدا بحيث لا يمكن استبعاده). اختفى تماما العديد من التفاصيل حول حياة الرجال والنساء الأقل شهرة في الحياة الليلية في القاهرة، رغبت في معرفة المزيد عن حياة ببا عز الدين وإفرانز وإيزاك ديكسون وآخرين، لكنني لم أجد سوى القليل من المواد والمصادر التي يمكن الاعتماد عليها.

font change

مقالات ذات صلة