ألكسي نافالني... مسيرة حياة وموت معارض مثير للجدل

اتهم بأنه قومي روسي متشدد

Reuters
Reuters
شخص يضيء شمعة بجوار صورة زعيم المعارضة الروسية أليكسي نافالني

ألكسي نافالني... مسيرة حياة وموت معارض مثير للجدل

أعلنت مصلحة السجون الروسية وفاة ألكسي نافالني المعارض الليبرالي الأشرس لحكم الرئيس فلاديمير بوتين، في سجن بعيد قرب القطب الشمالي، نُقل إليه أواخر العام الماضي لقضاء حكم بالسجن لمدة 19 عاما في قضايا تُجمع "المعارضة غير النظامية" في روسيا والبلدان الغربية على أنها لاعتبارات سياسية.

وقد وضع الموت حدا لمسيرة هذا المعارض، لكن الجدل سيتواصل حول مواقفه السياسية والاجتماعية وملابسات وفاته المفاجئة.

ولد نافلني في 4 يونيو/حزيران 1976 في منطقة أودينتسوفو، غربي موسكو. وتخرج في كلية الحقوق بجامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو في 1998. وفي 2001 أنهى دراسة إضافية في كلية المال والائتمان في الأكاديمية المالية التابعة لحكومة الاتحاد الروسي وحاز دبلومة في تخصص "أعمال الأوراق المالية والبورصات". عمل نافالني لفترة قصيرة في مجال المحاماة، ولكنه انتقل إلى قطاع الأعمال.

بدأ نشاطه السياسي المتركز على محاربة الفساد الحكومي والانتهاكات بحق المواطنين عام 2004 وكان أحد أبرز "لجنة حماية سكان موسكو"، المشكلة لهذه الغاية. وفي 2005 أسس مع بعض الليبراليين مؤسسة شبابية تعنى بإيجاد البديل الديمقراطي وحرية الإعلام.

وساهم في تأسيس حركة "الشعب" في 23 يونيو 2007، ولاحقا في 2008 أصبح أحد مؤسسي منظمة "اتحاد المساهمين الأقلية"، التي تحمي حقوق المستثمرين من القطاع الخاص وتعمل لزيادة الشفافية في عمل مؤسسات الدولة الأساسية مثل شركات الطاقة والمناجم والمصانع الكبيرة. وفي عام 2008 صعد نجم نافالني كمدون بارز في قضايا سوء الإدارة وفساد الشركات الحكومية. واستطاع جذب شريحة واسعة من الشباب لاستخدامه المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي. كما برز ببرامجه الانتقادية في إذاعة "صدى موسكو" المعارضة.

في ديسمبر 2011 اعتقل نافالني وسُجن لمدة 15 يوما لوصفه حزب "روسيا الموحدة" الحاكم بأنه حزب من "اللصوص والمحتالين"

وفي ديسمبر/كانون الأول 2011 اعتقل نافالني وسُجن لمدة 15 يوما لوصفه حزب "روسيا الموحدة" الحاكم بأنه حزب من "اللصوص والمحتالين"، وكان أحد أبرز وجوه الاحتجاج في ساحة "بالوتنيا" وسط موسكو والتي شهدت نهاية 2011 أكبر مظاهرات رفضا لتزوير الانتخابات البرلمانية، والمعارضة لترشح بوتين للرئاسة في 2012.

في 18 يوليو/تموز 2013، قضت محكمة في مدينة كيروف (تبعد 850 كيلومتر عن موسكو) بسجن نافالني خمس سنوات. وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول 2013، استبدلت محكمة كيروف عقوبة السجن الفعلي، بالسجن مع وقف التنفيذ. ووجه قسم من المعارضة اتهامات لنافالني بأنه يعمل مع الكرملين بسبب مشاركته في انتخابات عمدة موسكو حينها ضمن صفقة سمحت له بالترشح رغم وجود حكم بالسجن عليه لمدة خمس سنوات من محكمة في مدينة كيروف بسبب ما عرف بقضية "غابة كيروف". وتدور القضية حول سرقة ممتلكات للدولة خلال الفترة التي عمل فيها نافالني مستشارا لحاكم منطقة كيروف، نيكيتا بيليخ.

واحتل نافالني المركز الثاني في انتخابات عمدة موسكو 2013، حيث حصل على 27.24 في المائة من الأصوات وخسر أمام العمدة الحالي سيرغي سوبيانين.

ومنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2013، رأس المجلس المركزي لحزب روسيا المستقبل السياسي. وفي ديسمبر/كانون الأول 2016، أعلن عن نيته المشاركة في الانتخابات الرئاسية الروسية، التي نظمت في مارس/آذار 2018. ولكن في 25 ديسمبر 2017، رفضت لجنة الانتخابات المركزية تسجيله بسبب سجله الجنائي في البلاد. قضية كيروفليس. وفي 2017-2018، كان زعيما لحركة الاحتجاج الجماهيرية في روسيا ضد قانون رفع السن التقاعدية.

في عامي 2012 و2021، صنفته مجلة "تايم" ضمن أكثر 100 شخص تأثيرا في العالم

وفي قضية جنائية أخرى، في 30 ديسمبر 2014، دانت محكمة زاموسكفوريتسكي في موسكو ألكسي نافالني وأخاه أوليغ بتهمة الاحتيال في قضية فرع شركة "إيف روسيه" الفرنسية في روسيا، وحكمت على ألكسي بالسجن لمدة 3.5 سنة. واستأنف الأخوان نافالني الحكم أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي قضت في 17 أكتوبر 2017 بأن القضية نُظر فيها في انتهاك للحق في محاكمة عادلة وأعلنت أن الحكم تعسفي ولا أساس له من الصحة. وفي يوليو 2018، حصل ألكسي نافالني على أكثر من 4 ملايين روبل من الحكومة الروسية كتعويض عن قضية "إيف روشيه".

واختارت صحيفة " فيدومستي" الروسية الرصينة نافالني في عام 2009 "شخصية العام". وفي عامي 2012 و2021، صنفته مجلة "تايم" ضمن أكثر 100 شخص تأثيرا في العالم، وفي يونيو 2017، ضمن أكثر 25 شخصا تأثيرا على الإنترنت. وفي عامي 2017 و2019، تم اختياره كأفضل سياسي لهذا العام وفقا لـ"فيدوموستي".

AFP

وأسس نافالني صندوق مكافحة الفساد في2012، على خلفية تقارير الفساد التي أطلقها صندوق مكافحة الفساد الذي أسسه نافالني ولم تستثن أحدا في الكرملين والحكومة، ازداد عدد أعدائه بين النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية الروسية، وفي 2018 تعهد رئيس الحرس الوطني الروسي فيكتور زولوتوف بتحويل نافالني إلى "شريحة لحم في غضون دقائق"، في حال قبول دعوة للمبارزة مع الجنرال المقرب من بوتين الرافض لتهم بالفساد له ولعائلته في تقرير لصندوق مكافحة الفساد.

وأدرجت وزارة العدل الروسية صندوق مكافحة الفساد ضمن قائمة "العملاء الأجانب" في سبتمبر/أيلول 2019 نظرا لأنه يحصل على قسم من تمويله من منظمات خارجية. أغلقت السلطات الروسية الصندوق في يونيو 2021 بعدما اعتبرته منظمة إرهابية. وفي السنوات الماضية كشف الصندوق في سلسلة تحقيقات عن فساد النخب الحاكمة والمسؤولين الروس وكشف عن العقارات التي يملكها كثير منهم داخل روسيا وخارجها. ومن أهم التحقيقات الاستقصائية ما كشف عنه الصندوق عن فساد رئيس الوزراء السابق ديمتري مدفيديف، والقصر الضخم للرئيس فلاديمير بوتين على ضفاف البحر الأسود الذي أصدره الصندوق في 19 يناير 2021 ، كما فضح نشاطات كثير من المسؤولين الروس وعلاقاتهم مع رجال الأعمال.

 وأدرجت وزارة العدل الروسية في سبتمبر 2019 صندوق مكافحة الفساد في قائمة "الوكلاء الأجانب" بتهمة تمويلها من الخارج.

في مارس 2022، حكمت المحكمة على نافالني بالسجن 9 سنوات، واتهمته بالاحتيال في جمع التبرعات و"ازدراء" المحكمة

وعلى عكس المعارضين الليبراليين المدعومين من الغرب، لم يعارض نافالني ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، وحينها أشار في مقابلة مع إذاعة "صدى موسكو" إلى أنه على الرغم من أن الاستيلاء على شبه جزيرة القرم كان انتهاكا للقانون الدولي، فإن "الحقيقة هي أن شبه جزيرة القرم هي الآن جزء من روسيا"، مشددا على أن "القرم لنا" (لروسيا).

وتتهمه عدة أطراف بأنه قومي روسي متشدد وتستشهد بمشاركته في "روسكي مارش" (المسيرة الروسية) في 2011 وهو مسيرة نظمتها الحركات القومية الروسية ضد الأجانب. وأثارت تصريحاته الرافضة للعمالة من آسيا الوسطى ذات الغالبية المسلمة وإطلاقه على العمال المهاجرين أوصافا غير لائقة غضبا واسعا في 2008.

وفي منطقة شمال القوقاز ينظر إليه على أنه معاد للإسلام إثر تصريحات له بشأن الحجاب وحرية المرأة وكذلك رفضه بناء مساجد جديدة في موسكو أثناء حملته الانتخابية لمنصب عمدة العاصمة في 2013.

واعتقل نافالني عدة مرات بين 2017 و2020 وفرضت عليه الإقامة الجبرية في المنزل بسبب تصريحات وتقارير عن الفساد، ولمشاركته في مظاهرات غير مرخص بها.

وفي المرة الأخيرة احتجز نافالني في يناير 2021 حين عاد إلى روسيا من ألمانيا، حيث كان يتلقى العلاج بعد تسميمه بمادة نوفتشوك أثناء رحلة له في أقصى شرق روسيا.

وكان نافالني قد شعر بوعكة صحية أثناء رحلة جوية من تومسك إلى موسكو يوم 20 أغسطس/آب الماضي، مما أدى إلى هبوط الطائرة اضطراريا في مدينة أومسك وإيداع المعارض السياسي في مستشفى محلي بحالة حرجة، ووضعه على جهاز التنفس الاصطناعي، قبل أن يتم نقله إلى برلين لتلقي العلاج بعد وساطة من زعماء غربيين، وخرج نافالني من غيبوبة امتدت 18 يوما، وبدأت صحته في التحسن ونشر عدة صور من المشفى مع زوجته وأولاده.

وأكدت ثلاثة مخابر في ألمانيا وفرنسا والسويد نهاية 2020 أن نافالني تعرض للتسميم بغاز "نوفوتشوك" للأعصاب.

وبعد عودة نافالني التي اعتبرت تحديا للكرملين، استبدلت محكمة في موسكو الحكم مع وقف التنفيذ بآخر حقيقي في قضية "إيف روشيه". وفي مارس 2022، حكمت المحكمة على نافالني بالسجن تسع سنوات في سجن عادي، واتهمته بالاحتيال في جمع التبرعات و"ازدراء" المحكمة. وفي أغسطس 2023، حُكم عليه بالسجن 19 عاما في قضية تنظيم "جماعة متطرفة".

منظمة العفو الدولية جردت نافالني من صفة "سجين رأي" بعدما وصلتها شكاوى من تعليقات معادية للأجانب أدلى بها في الماضي

في البداية، كان نافالني مسجونا في منطقة فلاديمير على بعد 150 كيلومترا شرقي موسكو. وفي منتصف ديسمبر 2023، تم نقل نافالني إلى سجن "الذئب القطبي" في قرية خارب بمنطقة يامالو-نينيتس ذاتية الحكم، شمالي البلاد، في الدائرة القطبية الشمالية.

وأثار نافالني غضب السلطات نظرا لتكتيكاته الانتخابية، فقد ابتكر عدة طرق للتخفيف من التزوير وتقليل مقاعد الحزب الحاكم، وأهمها "التصويت الذكي" الذي أطلقه في خريف 2018 أثناء الانتخابات المحلية بهدف حرمان حزب روسيا الموحدة من الفوز بالانتخابات والاستفادة من تشتت الأصوات المعارضة، وحينها وضع نافالني هدفا يكمن في توحيد الأصوات الاحتجاجية في انتخابات حاكم سانت بطرسبورغ، وإلحاق الهزيمة بمرشح السلطة في خباروفسك وبريمورسك لمنصب الحاكم وإبعاد مرشحي "روسيا الموحدة" من المجلس المحلي وبرلمان خباروفسك، وفيما أخفق في المهمة الأولى بفارق ضئيل فإنه نجح بشكل لافت في المهمتين الأخريين، ما شجعه على المضي في خطته، وإلحاق هزيمة بمرشحي روسيا الموحدة في مجلس العاصمة موسكو في 2019، حيث فقد الحزب الحاكم الأغلبية المطلقة في المجلس وفازت المعارضة بنحو 20 مقعدا من أصل 45 بعدما كان "روسيا الموحدة" مهيمنا منذ 2014 على 40 مقعدا، ولجأ مرشحو الحزب إلى الترشح فرديا في محاولة للفوز لكنهم فشلوا بسبب استراتيجية "التصويت الذكي" التي لاقت استحسانا عند الناخبين ذوي المزاج الاحتجاجي. وبعد نجاج تجربة "التصويت الذكي" في 2018 أغلقت هيئة الرقابة على الإعلام موقع التصويت الذي كان يحدد للناخب أي مرشح بعد إدخال بياناته الشخصية بسبب اتهامات بخرق حق استخدام البيانات الشخصية، وحينها عزت الهيئة القرار إلى عدم تحديد سياسة واضحة للخصوصية واستخدام البيانات.

واللافت أن منظمة العفو الدولية جردت في فبراير 2021، ألكسي نافالني، من صفة "سجين رأي" بعدما وصلتها شكاوى تلقي الضوء على تعليقات معادية للأجانب أدلى بها في الماضي.

font change

مقالات ذات صلة