دور الفلسطينيين في إسرائيل أثناء الحرب على غزة

صراع بين الهوية الوطنية الفلسطينية من جهة، والجنسية الإسرائيلية

Reuters
Reuters

دور الفلسطينيين في إسرائيل أثناء الحرب على غزة

حيفا- انقسم الفلسطينيون جغرافيا وسياسيا، على أثر نكبة 1948، وأصبحوا في غالبيتهم لاجئين، ومواطنين ثانويين في الأردن أو حتى مواطنينَ من الدرجة الثانية، وربما الثالثة، في إسرائيل.

يمتلك الفلسطينيون في إسرائيل، الذين يشكلون حوالي 20 في المئة من مجمل الفلسطينيين، مكانة خاصة بفعل انتمائهم المزدوج؛ للهوية الوطنية الفلسطينية من جهة، وللمواطنة الإسرائيلية، من جهة أخرى، مما يجعلهم في حالة "خاصة" تجبرهم على تطور منفصل عن بقية الفلسطينيين، وتفرض عليهم أنماطا سلوكية، مدنية وسياسية، خاصة بهم. ويبرز ذلك في الأزمات كلها التي مر بها، ولم يزل يمر بها، الصراع الإسرائيلي- العربي، بما في ذلك الحرب الحالية المشتعلة في غزة.

ومن هنا نجتهد في هذا المقام في طرح أوضاع الفلسطينيين داخل إسرائيل عرضة النقاش، هؤلاء الذين وقعوا ضحية استشراسٍ إسرائيلي، له مقدمات تاريخية، وقد بات سافرا أكثر وشاملا أكثر وعنيفا أكثر مما سبق. وعلى القارئ المطلع الذي يرغب في التزود بالمعلومات العينية العودة إلى تقارير مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية في إسرائيل، منها تقارير جمعيات ناشطة، مثل: "عدالة"، و"مساواة"، وغيرهما، وتقارير واستطلاعات لمؤسسات يهودية- عربية، أو حتى يهودية في المجتمع المدني، نجدُ الكثير منها في شبكة الإنترنت.

ما يهمنا هنا هو نقاش سيرورة التطورات لدى الفلسطينيين في إسرائيل، مع الأخذ بعين الاعتبار مكانتهم "الخاصة" بوصفهم مواطنين في إسرائيل، من ناحية، وجزءا ومركبا هاما من الشعب الفلسطيني، من ناحية أخرى. ومن أجل التوضيح يجدر بنا الإشارة إلى أن هذا النقاش ليس بجديد؛ لكنه يعود إلى عدة محطات تاريخية- سياسية متتالية؛ انطلاقا من النكبة وإسقاطاتها، ثم صعود الحركة الوطنية الفلسطينية التي رافقتها محاولة موازية من قِبل قيادات التيارات الوطنية لدى الفلسطينيين في إسرائيل بالجمع بين قُطبَين يشكلان طرفَي معادلة مركبة: المواطنة الإسرائيلية ومعانيها مقابل استحقاقاتها، من جهة، وحقيقة انتماء الفلسطينيين في إسرائيل، هوية وثقافة وتاريخا، إلى الشعب الفلسطيني مقابل صعود حل الدولتيْن و"التخلي" عنهم ليكون ذلك جزءا من حل القضية الفلسطينية، من الجهة الأخرى.

يمتلك الفلسطينيون في إسرائيل مكانة خاصة بفعل انتمائهم المزدوج؛ للهوية الوطنية الفلسطينية من جهة، وللمواطنة الإسرائيلية، من جهة أخرى

تاريخيا لاقى هذا الموقف المركب تجاوبا واسعا من قِبل قيادات الفلسطينيين في إسرائيل وتياراتهم السياسية، كما لاقى ترحيبا عند عموم الفلسطينيين وقبولا لا بأس به عند جزء كبير من الإسرائيليين، غير أن هذا الموقف المعقد لم يحبط عزم الفلسطينيين في إسرائيل على الإسهام في حل الدولتَين، والتجاوب مع تطلعات الحركة الوطنية الفلسطينية إلى إقامة دولة إلى جانب دولة إسرائيل، علاوة على دعم حكومات إسرائيلية ادعت "الوسَطية" وقالت إنها على استعداد للعودة إلى محادثات السلام، وهو ما لم يحدث فعليا، حتى وصلنا اليوم إلى الحرب المشتعلة في غزة.

من الواضح أن غالبية الفلسطينيين في إسرائيل، وقواهم السياسية، لا زالوا يروجون لفكرة "الدولتين" والحل السياسي المبني على التقسيم، وهذا الطرح، من وجهة نظري الشخصية، انتهى ولم يعد هناك منطقٌ في الترويج له، إلا لأولئك الذين قد يقبلون أن تكون الدولة الفلسطينية "بانتوستانا"، أي دولة دون حدود ومنزوعة السلاح، ترعى وتتابع الحاجات المدنية للفلسطينيين داخل حدودها، وتهتم بحماية إسرائيل وأمنها، حتى لو تم تصوير هذه المهمة على أنها ضرورةٌ في سبيل الدفاع عن الفلسطينيين ومستقبلهم.

EPA
فلسطينيون أجبروا على ترك منازلهم في رفح

لكن أهم ملامح الرد أو التعامل لدى الفلسطينيين في إسرائيل مع تطورات حرب غزة وتداعياتها عليهم هو وهن الاستجابة للحدث، والافتقار الجدي لرؤية متكاملة تتسق مع حجم التحدي الذي تفرضه الحرب أو تداعيات الحرب من حيث تعميق الملاحقة والمطاردة والتمييز تجاه الفلسطينيين في إسرائيل على كافة الأصعدة والمستويات.

"الخوف" الشعبي والقيادي في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل هي من تداعيات حرب غزة. وهذا الخوف أتى بصفتهم "فلسطينيين"

يجدر بنا الانتباه هنا إلى أن تعامل الفلسطينيين في إسرائيل مع الحدث يقع في سياق يمتد إلى ما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول والحرب الحالية، فحالة الوهن والتفسخ وانعدام القدرة على تكوين تصور سياسي مستقبلي يتعدى فكرة الدولتين، وأنماط التفكير السائدة هي حالة قديمة تخللها انفراط في العمل الوطني وحالة عميقة من الفوضى وانتفاء المجتمع المنظم بوصف هكذا مجتمع أداة نظرية وسياسية. هذه الحالة من الفوضى تفسر كل ما وصلنا إليه قبل السابع من أكتوبر وبعده، تحديدا لدى الفلسطينيين في إسرائيل.

عندما نطرح الطروحات والتساؤلات فهذا لا يرمي إلى التقليل من أهمية النشاط الذي قامت به لجنة المتابعة العليا، الممثل السياسي الأعلى للفلسطينيين في إسرائيل، من إحياء نشاط "لجنة الطوارئ" داخلها وتجنيد مؤسسات وناشطي المجتمع المدني في سبيل التصدي لحملات المطاردة والاعتداء على الفلسطينيين في إسرائيل، ومنها اعتداء الجامعات الإسرائيلية على جزء من طلابهم العرب وفصل عمال جهاز الصحة، وملاحقة غيرهم لردعهم من اتخاذ مواقف مغايرة للإجماع الإسرائيلي، فيما يتعلق بالحرب والمقاومة وغيرهما من الأمور.

حالة من الخوف

في هذا السياق من المهم الإشارة إلى أن حالة "الخوف" الشعبي والقيادي في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل هي من تداعيات حرب غزة، هذا الخوف أتى بصفتهم "فلسطينيين"، وهو عمليا امتداد لما حدث من جرائم إسرائيلية في غزة، وهول ما أحدثته إسرائيل في غزة، أي إن الفلسطينيين في إسرائيل وقياداتهم يخشون، ضمنيا، من حدوث استهداف لهم كما يجري في غزة، وهذا يلتقي مع نقاشات سابقة حول حالة الأبرتهايد الإسرائيلية التي تعتبر استمرارا لحالة الاستعمار- الاستيطاني في فلسطين التاريخية وليس في الضفة وغزة فقط، بل في فلسطين التاريخية. ما أعنيه أن حالة الخوف تتلاقى مع ضرورة إعادة التفكير في "واقع الدولة الواحدة"، المتمثل بحالة الأبرتهايد أولا، وبحالة استهداف أشمل سمته جنوب أفريقيا في دعواها في المحكمة الدولية ضد إسرائيل وحربها، بأنه حالة "إبادة جماعية، وجينوسايد".

يعني ذلك أنه لا يمكن استمرار فصل نضال الفلسطينيين في إسرائيل عن نضال وسيرورة باقي الفلسطينيين ويتطلب تجندهم أكثر لأجل التصدي لحالة "التوحش الإسرائيلي"، وأصبح حضورهم مهمة فلسطينية وإنسانية من الطراز الأول في سبيل إنهاء حالة الأبرتهايد والتوحش الإسرائيلي في فلسطين التاريخية، بما يشمل الفلسطينيين من مواطني إسرائيل ولأجل الدفاع عن مستقبلهم.

وعمليا تنضج الحاجة إلى إجراء تغيير جذري في البرنامج السياسي الأساسي للفلسطينيين في إسرائيل، بما يشمل طرق نضالهم، بحيث يكون أكثر تجانسا مع النضال الفلسطيني العام، والذي يقول إن المستقبل يتطلب بالضرورة إجراء تغيير جذري في النظام السياسي المتحكم في فلسطين التاريخية، ولا يمكن أن يكون فقط من خلال مطلب إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية، بل من خلال إعادة الاعتبار لفلسطين التاريخية وضرورة إجراء مصالحة تاريخية شاملة تبدأ بمعالجة أثار النكبة وتنتهي بوقف استهداف الغزيين وضمان حياة كريمة لهم، كما لباقي الفلسطينيين في الضفة والجليل ومخيمات اللجوء خارج فلسطين.

الأهم هنا هو الدفع لتطبيق تفاهمات القاهرة بالنسبة للمصالحة الفلسطينية في سبيل إنهاء الانقسام 

ما الذي يمكن للفلسطيني أن يفعله؟

بناء على كل ما ذُكر سابقا، يُطرح السؤال: كيف يمكن التعامل مع الحدث المتطور يوميا في غزة وعموم فلسطين؟ أورد هنا بعض الأفكار التي يمكن أن توضح ادعاءاتي حول الكيفية التي يجب أن يتعامل بها الفلسطينيون في إسرائيل مع الأوضاع الناجمة عن الحرب.

أولا- المساهمة في وقف الحرب على غزة: يستطيع الفلسطينيون في إسرائيل المساهمة، ولو بشكلٍ محدود، في جهود وقف الحرب. فعلى الصعيد الفلسطيني الكلي، بإمكان الفلسطينيين في إسرائيل دعوة القيادة الفلسطينية الرسمية الممثلة في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير إلى وقفة أكثر جدية ومثابرة في سبيل الضغط لوقف الحرب، ومنها مثلا الانخراط في جهد أكبر للضغط دوليا وعربيا، وحث السلطة الفلسطينية على اتخاذ خطوات أكثر حزما في التعامل مع إسرائيل واعتداءاتها، ومنها اتخاذ مواقف أو القيام بخطوات تهدد التعاون الأمني والاقتصادي مع إسرائيل، والتي قد تؤدي إلى تهديد الوضع القائم المستقر ظاهريا في الضفة الغربية والقدس. من شأن هذه الجهود الفلسطينية الرسمية أن تدفع إسرائيل إلى "معاقبة" السلطة وقياداتها وتدفيعها ثمن ذلك، لكن أي ثمن يدفع الآن في سبيل وقف الحرب على غزة يكون مبررا. علاوة على ذلك، هنالك أهمية للدفع والضغط لتكون قيادات السلطة (والمنظمة) أكثر انفتاحا واستعدادا لإجراءات ضم "حماس"، و"الجهاد"، إلى منظمة التحرير ومؤسسات السلطة، لكي لا تستمر إسرائيل في روايتها حول "عدم تمثيل حماس" وكأنها مقطوعة عن الشعب الفلسطيني وتطلعاته.

Reuters
دمار هائل بسبب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة

والشيء الأهم هنا هو الدفع لتطبيق تفاهمات القاهرة بالنسبة للمصالحة الفلسطينية في سبيل إنهاء الانقسام وتحول منظمة التحرير إلى حالة تمثيلية أكثر شمولا لكل الفلسطينيين.

كما يستطيع قادة الفلسطينيين في إسرائيل إسماع صوت أوضح لقادة "حماس"، و"الجهاد"، لكي تكون بدورها أكثر انفتاحا لمساعي "المصالحة" مع "المنظمة" وحركة "فتح".

ثانيا– تكثيف المساعي الدولية: يستطيع الفلسطينيون في إسرائيل تشكيل "خلية عمل" جدية تكون جزءا من جهد فلسطيني أوسع لأجل التواصل مع العالم ضد الحرب الحالية أولا، وفي سبيل السعي إلى إحداث تغيير استراتيجي في نظام التفوق العرقي والأبرتهايد في فلسطين التاريخية ثانيا. ولهذا المسعى مظاهر عدة، منها: التواصلُ مع السفارات في البلاد، والحديث إلى وسائل الإعلام، وإرسال وفودٍ للقاء الممثلين الدوليين والمؤسسات الفاعلة. وأيضا، مخاطبةُ الشعوب، وتحديدا في الغرب، حول ضرورة وقف الحرب وتوقف إسرائيل عن استهداف المدنيين حاليا، وإجراء تغيير استراتيجي في فلسطين التاريخية بعد ذلك.

وفي هذا السياق، أدرك جيدا وجود بعض النشاطات والمساعي الدولية، إلا أنها ليست منظمة ولا استراتيجية، وبالتأكيد ليست كافية في ظل الأثمان المهولة في غزة وفي القدس والضفة، أو حتى في ظل المطاردة والاعتداءات على المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. وعليه، يستطيع قادة الفلسطينيين في إسرائيل ونخبهم القيام بفعلٍ أكثر جدية وأكثر تأثيرا من أجل الإسهام في تكثيف الضغوطات الدولية أكثر على إسرائيل لوقف اعتداءاتها واستهدافها للشعب الفلسطيني، ووقف الحرب في غزة.

ثالثا– العمل أمام الرأي العام الإسرائيلي: يستطيع الفلسطينيون في إسرائيل، وقادتهم بشكل خاص، إظهار حجم الجرائم الإسرائيلية الحاصلة في غزة للإسرائيليين أنفسهم، إذ توجد عشرات المنصات التي يمكن من خلالها عرض هذه الجرائم المختلفة للشارع الإسرائيلي الذي لا يرى حقيقة ما يجري بسبب الإعلام المجند، والذي يضخ ليلا ونهارا الرواية الرسمية ورواية المتحدثين باسم الجيش، وما تحمله تلك الرواية من تشويه للحقائق وقلب لمجريات الأمور.

وفي السياق نفسه، من الأهمية بمكان العمل على تجميع وتقوية الأصوات الإسرائيلية المناهضة للحرب وللرواية الإسرائيلية الرسمية حول أسباب هذه الحرب وتطوراتها. وقد جرت نشاطات ولقاءات ضمن هذا المضمار، لكنها ليست كافية وليست مبنية على جهد منهجي جدي ينطلق من أهمية "شق الصف" الإسرائيلي في سياق الحرب أو ما يتعداها، وهي مهمة لا يستطيع أن يقومَ بها جديا إلا الفلسطينيون في إسرائيل وقادتهم، الأمر الذي يتطلب جهدا منهجيا جديا، لم يحصل حتى الآن.

رابعا– رفع سقف الاحتجاج ضد الحرب: في ظل حالة الخوف التي تسود المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، فإن إحدى مهمات القيادات المركزية، هي العمل على رفع سقف الاحتجاج على الحرب وتبعات تلك الحرب على الفلسطينيين في إسرائيل.

من الصحيح أن بعض الجهود قد بذلت في هذا المضمار، ومنها مظاهرة قطرية أواخر يناير/كانون الثاني الماضي في حيفا دعا إليها ائتلاف واسع من التنظيمات والمؤسسات وعلى رأسها الجبهة الديمقراطية للسلام وللمساواة، إلا أنها لم تزل قليلة جدا ولم ترقَ لمستوى الحدث. وهنا أذكر أنه حتى في فترة الحكم العسكري (1948-1966) كانت النشاطات الاحتجاجية، بل وحدة الخطاب، أوسع وأكبر مما يحدث اليوم، وربما من المفيد التذكير بكسر حالة السكوت عن مذبحة كفر قاسم عام 1956 أو الدعوة لإضراب يوم الأرض عام 1976، وغيرها من العشرات أو المئات من حالات الاحتجاج التي تم إخراجها إلى حيز التنفيذ في ظروف لا تقل صعوبة عن الأوضاع الحالية.

خامسا– حملاتُ دعمٍ ومساندة: في ظل حالة الخوف الجماعي والسكوت بسبب ملاحقات السلطة وقوى اليمين الإسرائيلي، ضد الفلسطينيين في إسرائيل وناشطيهم، والتي تمنع حالات التضامن من خلال التظاهر والاحتجاج على الحرب ومؤازرة الغزيين أو حتى المقدسيين وأهل الضفة، هنالك حاجة لابتداع أدوات تسهل على الناس المساهمة في التخفيف عن أهلهم في تلك المناطق، وأعني الدعوة وتنسيق حملات للدعم المادي الإنساني والتكافل بين عموم الفلسطينيين في ظل الأوضاع المعيشية التي وصلت إلى تجويع أهالي غزة.

هنا لا بد من مبادرة قُطرية وطنية جدية، وليس من خلال أحزاب أو جمعيات حزبية، لتنسيق حملة دعم إنساني جدية، تتجاوز كل ما حصل حتى الآن وتقوم على رسالة جدية مفادها أن الفلسطينيين في إسرائيل يعون التحديات تجاههم، لكنهم ليسوا منفصلين عن شعبهم في هذه الأوضاع العصيبة. وأعي صعوبة إيصال مواد غذائية أو وسائل تساهم في جعل حياة الغزيين أسهل، إلا أن ذلك ممكن، وخصوصا من خلال منظمات الدعم الدولية مثل "الأونروا"، والصليب الأحمر، وغيرهما.

من أهم ما يستطيع الفلسطينيون في إسرائيل فعله المساهمة في ترشيد الخطاب الفلسطيني لكي يكون أكثر فاعلية وجدوى

سادسا– ترشيد الخطاب السياسي الفلسطيني: من أهم ما يستطيع الفلسطينيون في إسرائيل فعله المساهمة في ترشيد الخطاب الفلسطيني لكي يكون أكثر فاعلية وجدوى بالنسبة للمستقبل. فتجربتهم الخاصة ومكانتهم المميزة عن باقي الفلسطينيين، بما في ذلك احتكاكهم اليومي بالإسرائيليين، جعل "رؤيتهم" (إذا جاز التعبير)، أكثر نضوجا وتركيبا من غيرهم، بما في ذلك رؤيتهم للإسرائيليين وتلمس إمكانيات الحياة معهم، والانتباه أكثر إلى ضرورة ملاءمة التطلعات المستقبلية للفلسطينيين ووسائل نضالهم في سبيل ذلك، وجعلها "أقل حربية"، و"أكثر مدنية"، وذلك يشمل التخلص من فكرة "هزيمة إسرائيل عسكريا" أو التخلص منها بطرق عنيفة مفتوحة تجيدها إسرائيل أكثر من الفلسطينيين. وبالتالي المساهمة في تجنيب الفلسطينيين عموما الآثار المدمرة للمواجهة العسكرية المفتوحة مع إسرائيل، والسعي إلى بلورة تصورات استراتيجية وتكتيكية تساهم في تعميق الوجود الفلسطيني في فلسطين التاريخية وتفوت على إسرائيل فرص التنكيل والقتل والطرد للفلسطينيين.

للتلخيص، رغم أهمية ما جرى ويجري من نشاطات للجنة المتابعة العليا، ومؤسسات المجتمع المدني العربي، والعربي-اليهودي في إسرائيل، وهي بالتأكيد جهود تستحق الإشادة، فإننا لم نزل بعيدين عما هو مطلوب كحد أدنى. وحرب غزة تمنح المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل فرصة أخرى لتنظيم عمله ونشاطه بشكل أكثر جدية من الآن، وعلى الرغم من تأخر الفعل في هذا المضمار، فإن الباب لم يزل مفتوحا لفعل الكثير، وخصوصا أن الإشارات الرئيسة للحرب وتبعاتها تفيد بأنها ستستمر وتمتد لأشهر على الأقل، وربما لسنوات. والمجتمع الفلسطيني في إسرائيل قادرٌ على ذلك، بل إن قدراته الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية تمكنه وبسهولة من القيام بدورٍ أكثر جدية مما حصل حتى الآن، ولا يوجد أي تبرير منطقي لقيادات الفلسطينيين في إسرائيل بالاستكانة وعدم المبادرة إلى فعل أكثر جدية، فالمطلوب ليس التحدث للإعلام وتحليل المشهد الحالي، بل المطلوب هو القيام بفعلٍ وطني جمعي، يلبي متطلبات المرحلة، وإخراجه إلى حيز التنفيذ.

font change

مقالات ذات صلة