نصوص ضائعة

نصوص ضائعة

مثلما نتساءل دوما عن مخطوطات عربية مفقودة تعنى بالعلوم والتراث، يتساءل الخبراء في الغرب عن المخطوطات اليونانية الضائعة، ويتأسفون لذهاب كثير منها أدراج الريح بسبب الحروب والصراعات التاريخية القديمة، أو بسبب إهمالها في عصور مختلفة. إلا أن هذه المخطوطات الضائعة، العربية منها واليونانية، بدأت تظهر بشكل مختلف منذ عصر النهضة الأوروبية وحتى القرن العشرين، وفي الحالتين لم يظهر الأصل منها، ولا النُسَخ المنسوخة كاملة عنها، بل هي بمثابة تعليقات على نصوص المخطوطات الضائعة قبل ضياعها، ونقد ما فيها من تراث، أو شرح ما فيها من علوم، مع ذكر عنوان المخطوط كمصدر، واسم المؤلف، فيظهر التعليق الطويل ليُخرج الأصل من الضياع. أما الطريقة الأخرى التي عُرفت بها المخطوطات الضائعة فخلال ترجمات قديمة لها، إلى اللاتينية مثلا، فخرجت الترجمة لتوثق الأصل الضائع.

فمثلا ترجم الإيطالي كارلو نيللينو المتوفى عام 1938، وهو مستعرب ومستشرق ومؤرخ إسلامي في روما، كتابا قديما باللاتينية في عنوان "كتاب الإسطرلابات والعمل بها"، ونشره بالإيطالية ثم ترجم إلى العربية، فخرج اسم إسحاق الفزاري، ليعرفه العالم بأنه أول من عمل بالإسطرلاب في العصر العباسي، وشرح عنه كارلو مكتشفا عالما غزيرا في علم الأنواء، وهو علم يعنى بالآثار العلوية أو علم الفلك الذي اهتم به أوائل العرب، لكن مؤلفات أبي إسحاق الفزاري حول الأنواء والنجوم، كانت محكومة بالضياع لولا هذه الترجمة اللاتينية القديمة، التي تؤكد أنه عاش في القرون الأولى من الحضارة الإسلامية، وبالتحديد في القرن الثامن الميلادي. بينما شهرته الموثقة في الشرق وحتى اليوم أنه كان فقيها وإماما من الكوفة وله مؤلفات في ذلك، أما مؤلفاته الفلكية فلا أثر لها، ليذكره كارلو نيللينو في كتابه "علم الفلك تاريخه عند العرب في القرون الوسطى"، وخصه فيه بشكل مفصل، وكيف له تصانيف في علم القياس، ذاكرا قصائده حول النجوم، وكتابه في تسطيح الكرة الذي منه أخذ العالم، وعن مؤلفه ومخطوطه بعنوان "المقياس للزوال" ومخطوط آخر "العمل بالاسطرلاب المسطح"، كما يذكر زميله ومعاصره الفلكي الذي يدعى "ما شاء الله الفلكي" معددا مؤلفاته الفلكية الضائعة. كلّ من الفزاري وما شاء الله الفلكي، عالج المادة العلمية في الأمطار والرياح وأثر الحركات النجومية في أحداث الجو، ولم يظهر كل ذلك إلا بفضل الكتاب اللاتيني المترجم.

في ظل هذا التبادل، خرجت مؤلفات عن مؤلفات أخرى، وترجمت بوصفها مصادر علمية

أما في الجانب الآخر، الشرقي، فقد جاءت التعليقات العربية على النصوص اليونانية القديمة، خاصة في العصور الوسطى في أوروبا التي تعادل العصر الذهبي للمسلمين والعرب في العصر الأموي والعباسي والأندلسي، حيث كان الهدف إحياء الطب والرياضيات والفلسفة، فحافظ العرب على المخطوطات اليونانية في المقام الأول، بالتعليق عليها والشرح، كما فعل الشارح ابن رشد في إعادة إحياء الفلسفة اليونانية.

وهناك في الجهة البيزنطية من روم وآشور وآرام شرقيين من فعلوا الشيء ذاته، فعلقوا في مخطوطاتهم على المصادر اليونانية مع ذكر أسماء المؤلفين وعناوينهم، فكان لهم الفضل في نقل النصوص وترجمتها والتعليق عليها وشرحها، ونقل المصدر بشكل واضح بأنه يوناني المصدر، لتبقى العلوم على الرغم من ضياع الأصل.

وأخيرا نستطيع أن نقول عن الضائع من المخطوطات اليونانية، إنها كانت يوما حاضرة لدى العرب، فترجم الكثير من نصوصها إلى العربية ومنها بعد ذلك إلى اللاتينية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المخطوطات العربية القديمة، فمن مراكزها في بغداد وبلاد الأندلس انتقلت إلى أوروبا في حركة التبادل الثقافي عبر المراكز اليونانية والبيزنطية وجنوب إيطاليا ودير جبل سيناء، وفي ظل هذا التبادل، خرجت مؤلفات عن مؤلفات أخرى، وترجمت بوصفها مصادر علمية، أشرقت من جديد على الرغم من ضياع الأصل.

font change