يحي جابر يقدّم في بيروت 4 مسرحيات دفعة واحدة

يسعى إلى التعرف على المجتمع اللبناني

facebook
facebook
يحيى جابر

يحي جابر يقدّم في بيروت 4 مسرحيات دفعة واحدة

بيروت: يكرّس يحي جابر نفسه أخيرا للمسرح مؤلّفا ومخرجا. له 4 مسرحيات تعرض حاليا في بيروت، من تأليفه وإخراجه، تؤدي فيها 3 نساء لكل منهن حكاية، يخضن الحديث بجرأة عالية ويقلن كل ما لديهن دون مواربة أو حذر، عن تجربة جابر بتحويل المسرح الى كرسي بوح، وعن دخوله عوالم البيئات اللبنانية المختلفة وفضح أسرارها، وعن السخرية من القضايا الكبيرة والشخصية الصغيرة، دار حوار "المجلة" هذا معه.

  • أنت كاتب وشاعر وصحافي وممثل ومخرج، أي من هذه الألقاب أقرب اليك؟

أنا يحي جابر، هذا ما أعرفه عن نفسي، وليس لدينا فرع آخر، ولا تعاريف أخرى، تآلفت مع اسمي وحاولت أن أصنع منه صفة، فأتت أدوات التعبير لاحقا، تمثيل وإخراج ومسرح وشعر ورواية، كلها تتحد لخدمتي ولست أعمل لخدمتها، تتقاطع حينا وتتنافر أحيانا، لكنها في النهاية كلها موجودة لهدف واحد: التعبير. أعبّر وأبوح وأقول ما لديّ، وهذا أهم ما في الأمر، وهذا ما أحسن فعله.

  • هل تراعي سيكولوجية الجماهير/القراء في أعمالك؟

كلمة جمهور فضفاضة وكذلك كلمة قارئ، منذ زمن وأنا اتعامل مع الاثنين، وأظنني أحسنت فعل ذلك، أقيم بين رصيفين، لا أهداف إنسانية لي ولا رسائل، أفعل كل ما أفعله بهدف المتعة، لأمر خاص جدا وشخصي، ولكنه يسقط مني على المتلقي فيستمتع هو أيضا.

 نتفق جميعا على حق استعادة الأرض، ولكن علينا أن نتفق أيضا على أن الفلسطيني منكل به في المخيمات والشتات ومحروم من أدنى حقوقه الإنسانية

  • بدأت مسيرتك كمناضل سياسي وصاحب قضية، ماذا تقول اليوم عن هذه القضية؟

أنا من الناجين، وفرصة عظيمة أني هنا الآن حيٌ وأقوم بما أقوم به، ممنون لأني لست شهيدا، فأنا لا اعرف حتى ماذا اسمي رفاقي الذين ذهبوا إلى الموت من اجل قضايا آمنوا بها حينها، قتلى أم شهداء، وذلك كله نتيجة أسئلة كثيرة أطرحها على نفسي يوميا: هل كنا أدوات في حرب باردة بين الاتحاد السوفييتي وأميركا؟ هل كنا مستعمَلين؟ حقي أن أطرح الأسئلة، وأعيد كل يوم صياغتها من جديد. بدأت بالتساؤل منذ أول الحرب وأنا في داخل المشهد وأكلمت حين صرت خارجه. لقد كان لدي حاسة ناقدة منذ أقمت داخل الأنفاق وحتى سكنت إلى الكتب. القراءة الكثيرة تصنع وعيا ناقدا ومحللا وبالتالي رافضا، حتما هذا خلق في داخلي صراعا بين المحارب والمثقف والقارئ، تأملت طويلا في ما حدث وقمت بمراجعة ذاتية ونقدية، فكانت النتيجة انسحابا مباشرا بعد الحرب الأهلية من المشهد كله والحلبات كلها، وطبعا هذا عرّضني لغضب الرفاق واتهامهم لي بالارتداد.

facebook

  • كيف تقرأ واقع القضية الفلسطينية حاليا؟

 نتفق جميعا على حق استعادة الأرض، وعلى أن فلسطين قضية شعب مظلوم وأرض محتلة  ولكن علينا أن نتفق أيضا على أن الفلسطيني منكل به في المخيمات والشتات ومحروم من أدنى حقوقه الإنسانية ويعامل بعنصرية مقيتة في شتى ميادين الحياة، السؤال هو، من الأهم الأرض ام الشعب؟ بالنسبة إليّ الناس هم الأساس بعد أن صارت القضية الفلسطينية تجارة مربحة للأسف. أنا مع صندوق الانتخابات ومع دولة فلسطينية حرّة. السؤال: هل أستطيع فعل ذلك من لبنان، وهل يمكننا تحريرها من هنا؟ الجواب: عندي دونما أرض في قريتي وما زلنا منذ وفاة الوالدين نتصارع أنا وأخوتي عليهما.

عن الشعر

  • لماذا ابتعدت عن الشعر؟ هل توصلت إلى لا جدواه في عالم مهزوم؟ وكيف ترى المشهد حاليا؟

الشعر هو أصل المسرح وكل الفنون. لم أتوقف عن الكتابة، أدراجي مليئة بالقصائد والمجموعات الشعرية، الكتابة هي فعل خاص جدا وحميم وداخلي وهي أيضا علاجي النفسي، أعالج قلقي واضطرابي، أثرثر وأبحث عما وراء الأشياء، وكأن الشعر هو دوما الما وراء، هو ذاك الغامض الذي يمكث في الكلمة والصوت والموت والحب والجنس. أخجل من النشر على هذا الكوكب المليء بالشعراء، وفي الفضاءات المستجدة شعر كثير، وهذه الكثرة تخجلني وتردعني عن النشر. اسأل نفسي بعد مرور عشر سنوات على نشر آخر مجموعة لي، هل تستحق هذه التجربة أن تنشر، هل تجاوزت نفسي، أم ما زال الصوت ذاته، هل أقول شيئا جديدا أم أنني أكرر فقط؟ هي أسئلة مشروعة أطرحها طالما اني لست في سباق مع أحد.

أراقب من بعيد ما يحصل على الساحة الشعرية، يبدو أننا ذاهبون إلى الشذرات واللمعات الصغيرة، لم أعد أشعر أن هناك حالة شعرية ناهضة وجيلا نقديا وحتى الصفحات الثقافية أراها تتشابه، وهذا برأيي يعود إلى الرقابة الهائلة في العالم العربي. إذ كيف يمكننا أن نبتكر مهرجانا تجريبيا مسرحيا أو شعريا تحت عين الرقابة وحدود الممنوع . هناك كتاب قصائد وليس شعراء، الشاعر هو الذي يحقق هذا الاختلاف نحو عالم يتغير طوال الوقت حولنا مع أفراده ولغته. الشعر للندرة.

  • من "الطريق الجديدة" إلى "مجدرة حمرا" إلى "من كفرشيما للمدفون" و"هيكالو" وغيرها من مسرحيات كل منها يشرّح بيئة ينتمي إليها، هل تحاول أن تضع الجمهور أمام مرآته، ألا ترى بأن الناس أسرى مراياهم؟

هذا العمل هو عمل أناني، يخصني أولا، فأنا أحب التعرف إلى المجتمع اللبناني الذي كنت أجهله قبل خوضي به. نعم الفن بشكل عام هو مرآة المجتمع، لكنني اكتشفت أن المجتمع اللبناني لا يعرف بعضه، لذا فتحت الأبواب الموصدة على الآخر، فمثلا في مسرحية "الطريق الجديدة" كنت أتكلم عن السُنّة الذين هم مجهولون لديّ  ولدى آخرين غيري من طوائف أخرى، فحملت طقوسهم شعائرهم وتقاليدهم وحتى يومياتهم إلى المسرح بلسان مواطن منهم (زياد عيتاني). ومن خلال المسرح اكتشفت أنني جاهل بمجتمعي وطائفتي أيضا، لذا كانت "مجدرة حمرا" (انجو ريحان) و"هيكالو"(عباس جعفر) و"شو ها"(حسين قاووق) عن شيعة الجنوب والضواحي وبعلبك. وقد خضنا في "من كفرشيما للمدفون" (نتالي نعوم) في المجتمع المسيحي. الحافز الأول من هذا كله هو المعرفة، والطريق للوصول إليها رحلة صعبة ومضنية. لكن السؤال يسهّل الطريق ويأخذك إلى المسرح وفي المسرح يتلصص الناس على بعضهم ويتعارفون. المعادلة أن يصير هذا المكان ليس نخبويا ولا شعبويا مع مراعاة  الشروط المسرحية الإبداعية.

سُخّفت قضايا المرأة، من قبل الرجل والمرأة معا، ولكن قضية المرأة في أعمالي المسرحية هي قضيتي كرجل أيضا

  • تقدم حاليا 4 ممثلات أربع مسرحيات على خشبات بيروت، يقلن فيها كل ما يقال وما لا يقال عادة، هل تُرجع للمرأة حقا سلب منها وهو البوح؟ أم أنه الترند: المراة مسلوبة الإرادة ومخذولة ومخانة والرجل الذئب؟

سُخّفت قضايا المرأة، من قبل الرجل والمرأة معا، المرأة التي تعتبر طائفتها أهم من أحوالها الشخصية، ولكن قضية المرأة في أعمالي المسرحية هي قضيتي كرجل أيضا، تحررها يحررني، أن تمشي هي يعني أني أمشي، الطريق لنا معا، لا يمكن العيش مع امراة ضحية نراعي مشاعرها طيلة الوقت، ونتفهم ظنونها ونحضن ضعفها. ولكن نعم  القوانين والمحاكم الشرعية الدينية المدعومة من النظام السياسي كرست ذئبية الرجل، فأمعن في التصرف كذئب.

facebook
يحيى جابر على خشبة المسرح

  • تبدو حرا بالكامل في سرد الوقائع على مسرحك، هل أنت كذلك؟

لست حرا بالكامل، بل أبحث دوما عن حيل لتجاوز الرقابة المجتمعية، رقابة الشارع هي الأكثر خطرا، لذا لا أتعامل بفجاجة وصلافة معه لأنه يقتل بكاتم صوت وقد يأخذ مجتمع كامل شكل كاتم صوت، لست مضطرا إلى أن أكون شهيدا من أجل أي مفهوم حتى لو كان الحرية ذاتها. ادوّر الفكرة لتصل بأقل خسائر ممكنة. لست بطلا، ولا أحب أن ينصب لي تمثال لأنهم سيقطعون رأسه لاحقا ولا أحب التعامل مع مرافقين لأنهم سيغتالونني. أدع الفن يلهو ويلعب وينمو بما تبقى من هذه الجمهورية الصغيرة. 

نص وممثل

  • أعمالك يؤديها ممثل واحد على مسرح خال تقريبا من الديكور والمؤثرات، هل تحاول بذلك إظهار النص؟

النص أولا ثم الممثل الذي يمسكه ويطير فيه. يدخل الأخير إلى مختبري، يتجول في منزلي، وعلى كنبتي يتمدد، ويبدأ بالبوح على الطريقة الفرويدية، يظهر الحديث رحلة طويلة، يكتب نفسه بنفسه. الممثل يحفظ النص من دون أن يدري لأنه صادر منه ويتكلم عنه، فالاثنان بخدمة بعضهما، حتما يشارك الممثل بصناعة النص ونمزجه مع عشرات الأبحاث والكثير من الاحاديث مع أناس أصغي إليهم.

  • العادات والحرب والهجرة والمشاعر المتضاربة واليوميات والتفاصيل الشخصية والعامة على خشبة واحدة، حتى يبدو أنك تحتاج للمزيد من الوقت كي تقول ما لديك؟ هل قلت كل شيء؟

لم أقل كل ما لدي، ولا مرة سينتهي الحكي، أتمرن على 4 مسرحيات في الوقت ذاته، آخرها "شو منلبس؟" التي تؤدّيها الممثلة أنجو ريحان.

font change

مقالات ذات صلة