كيف تعاطت صحافة إيران مع الهجوم "غير المباغت" على إسرائيل؟

يرى خبراء أن تدمير القوة العسكرية لطهران أولوية لتل أبيب

رويترز
رويترز
إطلاق صاروخ خلال مناورة عسكرية في أصفهان

كيف تعاطت صحافة إيران مع الهجوم "غير المباغت" على إسرائيل؟

في خضم التوتر الإيراني- الإسرائيلي الراهن، نقدم في ذلك التقرير رصدا لتصريحات الساسة وقيادات عسكرية ومحللين سياسيين في طهران عبر جولة في بعض الصحف والمواقع الإيرانية، بعد أيام من الهجوم الإيراني على إسرائيل باستخدام عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة، ردا على استهداف قنصليتها في العاصمة السورية دمشق.

وتراوحت الآراء في استعراض الصحف حول تحذيرات من مغبة إقدام إسرائيل على توجيه ضربة قوية لإيران، فيما رأى محللون سياسيون أن تدمير القوة العسكرية الإيرانية يتصدر أولويات الأمن الإقليمي لإسرائيل والولايات المتحدة بدلا من تغيير النظام في طهران.

وكتب التقرير قبل أن توجه إسرائيل ضربة صاروخية لإيران في منطقة أصفهان ليلة الجمعة، فيما بدا ردا انتقاميا، ولا توجد تقارير موثوقة حتى الآن حول الضرر الذي أوقعه، فيما قلل الإعلام الإيراني الرسمي من شأن الهجوم الإسرائيلي وسط تقارير عن استخدام الجيش الإسرائيلي طائرات من طراز "إف-35" لشنه ولتوجيه تحذير للنظام في طهران.

وأجمع المسؤولون السياسيون والقادة العسكريون في إيران على أن الهجوم الإيراني المباشر على إسرائيل، ردا على هجوم الأخيرة على القنصلية الإيرانية في دمشق، كان "عملية محدودة وغير مباغتة" غير أنهم حذروا إسرائيل من الرد على عمليات "الوعد الصادق"، منهم الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الذي قال يوم 17 أبريل/نيسان: "إذا كانت عمليات "الوعد الصادق" شاملة فلم يتبق شيء من (إسرائيل) الكيان الصهيوني وأن الحديث عن الخيار العسكري ضد إيران انتهى اليوم".

كما أكد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي أن "عمليات "الوعد الصادق" لم تكن إلا إجراء عقابيا" ضد إسرائيل

وصرح مجتبى أبطحي الأمين العام لمؤتمر دعم الانتفاضة الفلسطينية في البرلمان الإيراني ومستشار وزير الداخلية في جلسة حول مناقشة عمليات "الوعد الصادق" في طهران: "لقد وجهت (اسرائيل) ضربة قاسية لنا باستهداف 18 شخصا من جنرالات الحرس الثوري وكبار الخبراء والمستشارين الإيرانيين في سوريا منذ بدء طوفان الأقصى حتى اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان. كنا قد تحدثنا سابقا عن ضرورة التحلي بالصبر الاستراتيجي ولكن العدو كان متوهما بأن إيران لن تقدم على أي فعل وأنها تطلق الشعارات فقط وأن أسلوبها في المواجهة من خلال وكلائها فقط".

استدعى "الحرس الثوري" الإيراني السفير السويسري للمرة الأولى بدلا من الخارجية الإيرانية لتحذير الولايات المتحدة من مغبة القيام بأي عمل عدائي ضد إيران

وحول تفاصيل الهجوم نقل موقع "انتخاب" الإلكتروني عن أبطحي قوله: "لقد أجرى وزراء خارجية الكثير من الدول اتصالات مع طهران مقترحين القبول بوقف إطلاق النار في غزة مقابل امتناع إيران عن الهجوم، وكان آخر الاتصالات من قبل مسؤولين مصريين قبل بدء الهجوم بـ3 ساعات، حيث طلبوا منا إلغاء الهجوم، وبالفعل شارك كثير من الدول في التصدي للصواريخ والمسيرات عند بدء الهجوم من خلال 15 نظاما مضادا للمسيرات وإطلاق عدد من المسيرات. وكانت 6 بوارج في البحر الأحمر على استعداد كامل في هذه الفترة القصيرة. حيث كانت التقديرات تشير إلى أن هذه الحرب تستغرق ما بين شهر واحد إلى 3 أشهر على أقل تقدير، غير أنها لم تستغرق حتى يوما واحدا".

وأضاف الأمين العام لمؤتمر دعم الانتفاضة الفلسطينية في البرلمان الإيراني ومستشار وزير الداخلية أنه بعد العمليات تولى "الحرس الثوري" مهمة استدعاء السفير السويسري وذلك لأول مرة بدلا من الخارجية الإيرانية وتم تحذيره بأنه "إذا قام الأميركيون بأي عمل عدائي فسندمر كل المنطقة فوق رؤوسهم".

وتابع المسؤول الإيراني أن 10 دول في مواجهة إيران في عملية "الوعد الصادق"، قائلا: "لقد حددنا في البداية 6 أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية، غير أننا قررنا في النهاية استهداف المواقع العسكرية لأننا كنا نسعى إلى معاقبتهم أولا واستعراض تفوقنا في السيطرة على العدو. لم تكن العملية تحمل عنصر المفاجأة وكانت تهدف إلى استعادة قوة الردع ومعاقبة المعتدي ومنعه من أي عمل عسكري قادم".

وأشادت صحيفة "كيهان" في تحليلها الصادر يوم 17 أبريل/نيسان بـ"التناغم والتنسيق بين الدبلوماسية والميدان"، معتبرا أن ذلك هو "سبب نجاح عمليات الوعد الصادق". وأشارت إلى أن "عمليات الوعد الصادق التاريخية تشكل منعطفا في تاريخ المقاومة الإسلامية... ومحطة مهمة في السياسة الخارجية وقوة الردع للجمهورية الإسلامية".

أولويات إسرائيل والولايات المتحدة

من جهته، قال يد الله جواني، مساعد قائد الحرس الثوري للشؤون السياسية، إن الهجوم على إسرائيل "دشن مرحلة جديدة وإذا تم أي عمل شرير ضدنا فسيكون الرد من الأراضي الإيرانية".

هذا ودعا  الكاتب السياسي إحسان هوشمند في مقال له بصحيفة "شرق" إلى إدارة الأزمات الإقليمية عبر الدبلوماسية "لأن التصعيد الحالي يشكل تحذيرا خطيرا لإشعال حرب إقليمية كبرى".

وقال: "إن كل التكهنات تدور حول من الذي ينتصر أخيرا في المواجهة العسكرية وما ردود الفعل؟ غير أن التركيز الرئيس يجب أن يكون على تبعات الحرب المتنوعة والمعقدة لأن ملايين الأشخاص في إيران ودول المنطقة قد يتأثرون بهذه الحرب إذا اندلعت. ليست الحرب حلا للقضايا المعقدة التي نواجهها".

ونشر موقع "بولتن نيوز" الإخباري مقالا بقلم "مجتبى نعيمي" رأى فيه الكاتب أن المسؤولين، وبناء على منطق الحرب، لا يعلنون إلا جزءا يسيرا عن القدرات العسكرية المستخدمة.

وأضاف: "يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أمورا كثيرة بهذا السياق كالآتي: تسعى إيران إلى إزالة إسرائيل من الخريطة العالمية، ولكن الخيار العسكري لا يندرج ضمن أولوياتها لتحقيق هذا الهدف. لم يقل أحد إن الهدف من الهجمات الصاروخية الإيرانية الأخيرة هو تدمير إسرائيل لأن إزالة (اسرائيل) الكيان الصهيوني من الوجود تكون من خلال إجراء استفتاء بين السكان الأصليين في فلسطين وأن الحل العسكري هو الخيار الأخير".

وزعم الكاتب الإيراني أن إسرائيل "تتستر على خسائرها" جراء الهجوم الإيراني، وأن الهجوم الإيراني  سيدشن مرحلة جديدة في النظام الإقليمي وحتى الدولي.

يرى كتاب سياسيون إيرانيون أن الهجوم الإيراني الأخير سيدشن مرحلة جديدة في النظام الإقليمي والدولي

من جهته، دعا الأكاديمي والناشط الإصلاحي صادق زيبا كلام في حوار مع صحيفة "شرق" إلى إنهاء التوتر الحالي عند هذا الحد، قائلا: "أشعر بقلق كبير لأن الجمهورية الإسلامية ستتلقى ضربات وخسائر خطيرة في حال وصلت المناوشات بين إيران وإسرائيل إلى نقطة متأزمة".

وردا على سؤال عما إذا كان موقفه سيرفع من مستوى القلق في المجتمع الإيراني، أضاف زيبا كلام أن "الظروف حرجة".

وأضاف: "لا نمر بظرف اعتيادي. يجب فهم الظروف. صحيح أن إدارة بايدن لديها خلافات واسعة وعميقة مع حكومة نتنياهو بسبب الجرائم والانتهاكات الواسعة التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة وأن إدارة بايدن تحت ضغوط كبيرة بسبب استياء العالم العربي والإسلامي من الدعم الأميركي لإسرائيل ولكن رغم كل هذه الخلافات، إذا بدأت مواجهة عسكرية فعلية بين إيران وإسرائيل سيقدم الأميركيون وبعض الدول الأوروبية الدعم المطلق والعملياتي لإسرائيل وستدخل الولايات المتحدة الحرب- في حال اندلاعها- منذ اللحظات الأولى. وهذا ما جرى بالفعل عندما ساهمت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في اعتراض الصواريخ الإيرانية خلال الهجوم على إسرائيل لأن أميركا لم تتردد في التدخل عسكريا خلال الهجوم الإيراني على إسرائيل، فما بالك إذا شنت الحرب بين إيران وإسرائيل؟".

أ.ف.ب
إيرانيون يشاركون في تشييع جنازة سبعة من عناصر الحرس الثوري الإيراني قتلوا في غارة في سوريا

ويرى زيبا كلام أن "الولايات المتحدة وإسرائيل لا ترغبان في غزو إيران ولا حتى احتلال إيران ولا حتى تغيير النظام في حال حصول تصعيد خطير لأن المهم للأميركيين والإسرائيليين أن تفقد إيران قوتها العسكرية التي تخولها تهديد أمن إسرائيل. هذا هو مصدر القلق الرئيس للولايات المتحدة وإسرائيل بشأن إيران. كما أننا نرى ذلك بوضوح في الملف النووي الإيراني الذي يعتبر خطا أحمر بالنسبة لنتنياهو وإسرائيل حيث يخشون من حصول إيران على سلاح نووي. بالطبع هذا لا يعني أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا ترغبان في تغيير النظام الحالي ولكن أولويتهما هي تدمير القدرة العسكرية الإيرانية".

يرى محللون سياسيون إيرانيون أن تدمير القوة العسكرية الإيرانية يتصدر أولويات الأمن الإقليمي لإسرائيل والولايات المتحدة بدلا من تغيير النظام

وانتقد زيبا كلام "بعض التيارات والشخصيات السياسية المقربة من الحكومة والبرلمان بسبب تقليلهم من شأن القدرات العسكرية الإسرائيلية، حيث يتصورون أن إسرائيل لا تجرؤ أو لا تملك القدرة على مهاجمة إيران وأنها تخاف من إيران وأنها على وشك الانهيار". وأضاف زيبا كلام: "هذا التفكير خطير للغاية خاصة في الظروف الحرجة الحالية حيث لا يجب الاستهانة بقدرات العدو لأن ذلك قد يكلف البلاد، بل علينا الاستعداد الكامل".

قمع التعبير عن الرأي

وقامت السلطة القضائية الإيرانية باستدعاء عدد من النشطاء السياسيين والإعلاميين والصحافيين الذين انتقدوا الهجوم الإيراني على إسرائيل عبر توجيه اتهامات لهم على غرار "الإخلال بالأمن النفسي للمواطنين"، منهم حسین دهباشي الناشط الإعلامي ومنتج برامج وثائقية، وعباس عبدي المحلل السياسي الإصلاحي، وياشار سلطاني الصحافي الإصلاحي. كما أعلن المدعي العام في طهران عن تقديم شكوى ضد صحف "اعتماد"، و"جهان صنعت"، بسبب التعليق على الهجوم الأخير.

وكتب دهباشي بعد الهجوم الإيراني على إسرائيل على منصة "إكس": "لقد كان الهجوم استعراضا وغير كاف وغير ناجح، مما أثار قلقا بشأن القدرة الدفاعية الحقيقية للبلاد". وكتب عباس عبدي في مقال بجريدة "اعتماد" يوم 14 أبريل/نيسان: "الرد وعدم الرد كلاهما خياران خطيران". وأن "ضرر الحرب أكثر من نفعها حتى في حال الانتصار... وخلافا للخطاب السائد، أعتقد أن الهجوم الإسرائيلي (على القنصلية في دمشق) كان رد فعل بالأساس ولم يكن الرد الإيراني ضروريا". وتابع: "إن استعادة الردع من خلال استخدام أسلحة تقليدية ضد دولة لا يعترفون بها رسميا وينادون بتدميرها عمل عبثي".

قامت السلطة القضائية الإيرانية باستدعاء عدد من النشطاء السياسيين والإعلاميين والصحافيين الذين انتقدوا الهجوم الإيراني على إسرائيل

وأضاف زيبا كلام، بشأن أسلوب مواجهة السلطات لمنتقدي الهجوم على إسرائيل: "من قال إن ما يقوله المسؤولون في الأجهزة السياسية والدبلوماسية والعسكرية والدفاعية يمثل دفاعا عن السيادة الوطنية والأمن القومي وما يقوله آخرون على غرار صادق زيبا كلام، وعباس عبدي، وزيد آبادي، وسلطاني، ودهباشي، وغيرهم يمثل تهديدا للمصالح والأمن القومي؟ هل أصبح الانتقاد تهديدا للأمن القومي؟ من قال إن ما يقوله حسين أمير عبداللهيان، وناصر كنعاني، وأمثالهما يمثل الأمن القومي بحذافيره؟ لماذا لا يسألون الشعب ما هو التهديد الحقيقي للأمن القومي؟ هذه النظرة والانسداد السياسي والاحتقان لا تحقق أي شيء بل يجب الاستماع إلى كل الآراء والأفكار لأن ذلك قد يساعدنا على تحسن الوضع والخروج من المشاكل الحالية".

التحول إلى المواجهة المباشرة

من جهتها، اعتبرت صحيفة "شرق" في افتتاحيتها يوم 16 أبريل بقلم كوروش أحمدي، أن المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل هي بمثابة تحول إلى المواجهة المباشرة، وأن إيران انتقلت من مرحلة "الصبر الاستراتيجي" إلى الهجوم على إسرائيل في حال أي اعتداء إسرائيلي.

وتابع كوروش أحمدي أن "طهران قالت إنها لا تريد حربا شاملة، ولذلك امتنعت خلال الهجوم الأخير عن إيقاع خسائر بشرية"، مشيرا إلى أن الجهود الدبلوماسية الإيرانية خلال الأيام الأخيرة قبل الهجوم والامتناع عن شن هجوم مباغت دليل على عدم الرغبة الإيرانية في الحرب.

وأضاف: "حاولت إيران أن تعتمد خلال الهجوم على إسرائيل المقاربة المشابهة بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني واستهداف قاعدة عين الأسد. ولكن السؤال هو هل هذه المقاربة ناجحة؟ تشير الوقائع إلى أن الظروف الحالية مختلفة تماما عن الظروف بعد اغتيال الجنرال سليماني لأننا نواجه حاليا شخصية متطرفة يجسدها نتنياهو الذي يتعرض لضغوط من قبل ائتلافه اليميني والمأزق الإسرائيلي في غزة والمكانة المتزلزلة لنتنياهو لدى الرأي العام الداخلي والعالمي. ولكن تبقى المعارضة الحازمة الأميركية لتوسيع دائرة الحرب من أهم الموانع التي تحول دون أي رد إسرائيلي".

هذا وتطرق تقرير موقع "إيران واير" إلى المزاج الشعبي حول التوتر الحالي بين إيران وإسرائيل، وقالت رقية رضايي، في تقريرها المنشور يوم 16 أبريل إنه "وبالتزامن مع الهجمات الصاروخية التي شنها الحرس الثوري على إسرائيل تحدث كثير من النساء الإيرانيات في الشبكات الاجتماعية عما جرى عليهم من اعتداء وعنف بسبب عدم الالتزام بالحجاب الإجباري في الشوارع، معتبرات أن شوارع إيران هي ساحة الحرب الرئيسة بين النساء وقوات الشرطة وشرطة الأخلاق".

وأضاف التقرير أن الكثير من رواد الشبكات الاجتماعية والمواطنين في إيران يستذكرون في هذه الأيام فترة الحرب بين إيران والعراق (1980-1988) وما نتج عنها من دمار، معتبرين أنهم لا يريدون ولا يستطيعون أن يتحملوا مرة أخرى مصائب الحرب.

وتابع: "يستذكر الكثير من رواد الشبكات الاجتماعية فترة الحرب بين إيران والعراق والأيام الصعبة والمريرة آنذاك، حيث يقول أحد رواد الشبكات الاجتماعية: "الحرب ليست مزحة. الحرب تقتل أحباءنا وتدمر بيوتنا وتقتل أطفالنا الأبرياء".

ويستذكر مواطن آخر القصف الذي طال مناطق في طهران في مارس/آذار 1988، وأدى إلى تدمير عشرات المنازل ومقتل عشرات المدنيين حسب "إيران واير". وتقول مواطنة من طهران: "أخاف من صوت صفارات الإنذار والهروب إلى الملاجئ وأتذكر هذه الأمور خلال أيام الحرب بين إيران والعراق، لذلك لا أريد أن تكون هناك حرب أخرى في البلاد. لا تسمع الجمهورية الإسلامية مناشداتنا فيا ليت إسرائيل لا تهاجم إيران".

font change

مقالات ذات صلة