فيكتور أوربان... فن التوازن الاستراتيجي بين ترمب وبوتين

تبلور وعيه السياسي في زمن انهيار الشيوعية في روسيا

سارة بادوفان
سارة بادوفان

فيكتور أوربان... فن التوازن الاستراتيجي بين ترمب وبوتين

حين اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقد قمة جديدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضمن مساعيه لإنهاء الحرب في أوكرانيا، لم يكن من المفاجئ أن يختار العاصمة المجرية بودابست مكانا لانعقادها.

فمنذ عودة فيكتور أوربان إلى رئاسة الوزراء في المجر عام 2010، انخرطت بلاده بعمق في الصراع الدائر في أوكرانيا المجاورة. وقد وجد أوربان، الذي تربطه علاقات وثيقة بفلاديمير بوتين، نفسه لاعبا محوريا في مساعي تسوية النزاع، لا سيما في ظل عضوية المجر في كل من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

وفي ظل تصاعد التوتر بين موسكو والغرب نتيجة الحرب في أوكرانيا، برز فيكتور أوربان كوسيط أساسي يتمتع بفهم عميق لهواجس الطرفين. وعلى الرغم من أن إدارة ترمب اختارت في نهاية المطاف تأجيل قمة بودابست بسبب مخاوف من عدم اهتمام فلاديمير بوتين بالمقترح الأميركي لوقف إطلاق النار، فإن قدرة أوربان على الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجانبين، تجعله مرشحا دائما للعب دور جوهري في تسوية النزاع.

ولا تزال احتمالية استضافة بودابست قمة مستقبلية تجمع بين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين قائمة، إذا ما تحقق تقدم ملموس في خطة ترمب الأخيرة لإنهاء الحرب في أوكرانيا. وقد بدا الانسجام بين ترمب وأوربان واضحا خلال زيارة الأخير إلى البيت الأبيض في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، والتي اختُتمت بإعلان ترمب إعفاء المجر مؤقتا من العقوبات المفروضة على مواصلة شراء النفط والغاز الروسيين، وذلك لمدة عام كامل.

وقال دونالد ترمب إن الإعفاء كان قيد الدراسة "نظرا لصعوبة حصوله (فيكتور أوربان) على النفط والغاز من مصادر بديلة". وقد جاء هذا القرار بعد أن أدرجت الإدارة الأميركية أكبر شركتين نفطيتين في روسيا على القائمة السوداء، وهددت بفرض عقوبات على الدول التي تواصل التعامل معهما، وذلك في إطار جهود واشنطن لتكثيف الضغط على موسكو من أجل إنهاء حملتها العسكرية في أوكرانيا.

وبعيدا عن احتياجات المجر في مجال الطاقة، ركّز دونالد ترمب وفيكتور أوربان جزءا واسعا من لقائهما الأول منذ عودة ترمب إلى الرئاسة على مناقشة الوضع في أوكرانيا، وإمكانية استئناف المحادثات مع فلاديمير بوتين. وقال ترمب: "إن أوربان يعرف بوتين جيدا ويفهم طريقة تفكيره... وأعتقد أن فيكتور يشعر أننا نقترب من إنهاء هذه الحرب خلال فترة ليست بعيدة".

من جانبه، شدد الزعيم المجري على أن بلاده والولايات المتحدة هما الجهتان الوحيدتان اللتان ترغبان فعليا في تحقيق السلام في أوكرانيا، مضيفا: "جميع الحكومات الأخرى تفضل استمرار الحرب، لأن كثيرا منها يعتقد أن أوكرانيا قادرة على تحقيق النصر في ساحة المعركة، وهو ما يعكس سوء فهم للواقع".

وسأله ترمب بعد ذلك إن كان يعتقد أن أوكرانيا غير قادرة على كسب الحرب، فرد أوربان: "حسنا، يمكن أن تحدث معجزة". وبالتوازي مع علاقته المتينة بإدارة ترمب، يتجلى الدور الفريد الذي يؤديه أوربان في تمثيل مصالح الطرفين في تصريح للناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الذي صرّح مؤخرا للصحافيين بأن لأوربان "علاقة دافئة للغاية مع ترمب وعلاقة بناءة جدا مع بوتين."

الدور الذي يلعبه أوربان في الحرب الأوكرانية لا يحظى بالقبول لدى جميع الأطراف المعنية، وعلى رأسهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يعتبر رئيس الوزراء المجري شخصية انتهازية وشعبوية موالية للكرملين

غير أن الدور الذي يلعبه أوربان في الحرب الأوكرانية، لا يحظى بالقبول لدى جميع الأطراف المعنية، وعلى رأسهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يعتبر رئيس الوزراء المجري شخصية انتهازية وشعبوية موالية للكرملين. ولهذا السبب عارض زيلينسكي فكرة اختيار بودابست كمقر محتمل لأي قمة قادمة تجمع بوتين وترمب.

وتزايد استياء زيلينسكي بعد التصريحات التي أدلى بها أوربان خلال مؤتمر حزب "فيدس" في السابع من سبتمبر/أيلول، حين زعم أن مصير أوكرانيا بات محسوما بالفعل، وأن البلاد ستنقسم إلى ثلاث مناطق: منطقة روسية وأخرى منزوعة السلاح وثالثة غربية، نتيجة استمرار المفاوضات حول إنهاء الحرب، مضيفا أن المنطقة الروسية قد تشكلت فعليا في الأراضي التي تحتلها موسكو.

كما عبّر أوربان أيضا عن رفضه لانضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، محذرا من أن هذه الخطوة، قد تمهد لحرب أوسع بين روسيا وأوروبا وتدفع اقتصاد الاتحاد الأوروبي نحو الانهيار.

إعادة تشكيل النظام السياسي للمجر

لم يسبق لأي زعيم حالي في الاتحاد الأوروبي أن قاد بلاده لفترة أطول من فيكتور أوربان الذي بدأ ولايته الحالية عام 2010. ومنذ ذلك الحين أعاد تشكيل المجر جذريا إلى درجة دفعت البرلمان الأوروبي إلى وصفها بأنها "نظام هجين من الاستبداد الانتخابي". أما أوربان نفسه فيبدو مترددا في تحديد توصيف واضح للمشروع السياسي الذي اخترعه، إذ استخدم في وصفه مصطلحي "ديمقراطية غير ليبرالية" و"حرية مسيحية".

رويترز
مصافحة بين الرئيسين ترمب وبوتين أثناء لقائهما لبحث إنهاء الحرب في أوكرانيا، ألاسكا، الولايات المتحدة، 15 أغسطس

بدأ أوربان يترك بصمته في الحياة السياسية في المجر أواخر الثمانينات مع انهيار الاتحاد السوفياتي، حين أسس حركة سياسية حملت اسم "فيدس" أي تحالف الشبان الديمقراطيين. وكان ما يزال طالبا في كلية الحقوق في معهد "بيبو استيفان" في بودابست عندما ألقى عام 1989 خطابا جريئا استمر سبع دقائق دعا فيه الجيش الأحمر السوفياتي إلى مغادرة البلاد.

وقال في خطابه يومها أمام نحو ربع مليون مجري احتشدوا في ساحة الأبطال في بودابست للمشاركة في مراسم إعادة دفن إيمري ناجي، قائد انتفاضة عام 1956 الفاشلة: "إذا ما آمنا بقوتنا، فإننا قادرون على إنهاء دكتاتورية الشيوعية".

وبعد مرور عشرة أعوام قال أوربان إنه قد "عبّر عمّا كان يشكّل رغبة مكتومة لدى الجميع في قيام انتخابات حرة وفي بناء دولة مجرية مستقلة وديمقراطية".

وُلد فيكتور أوربان عام 1963 في منطقة تقع إلى الغرب من بودابست بنحو ساعة، وهو الابن الأكبر بين ثلاثة أبناء لأب يعمل مهندسا زراعيا، وعضوا في "الحزب الشيوعي"، وأم تعمل مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة.

وقبيل التحاقه بالجامعة، أدى خدمته العسكرية، ويقول إنه رفض خلالها عرضا من أجهزة الاستخبارات الشيوعية للعمل كمخبر. والمفارقة أنه لم يكن في طفولته ما يشير إلى أنه سيغدو يوما مناهضا للنظام الشيوعي، إذ التحق بمدرسة ثانوية تقليدية، وكان عضوا ناشطا في رابطة الشبيبة الشيوعية.

وبعد خطابه الشهير في ساحة الأبطال، سافر فيكتور أوربان لفترة قصيرة إلى جامعة "أكسفورد" لدراسة الفلسفة السياسية، بمنحة قدّمها الملياردير جورج سوروس، المولود في المجر، والذي سيصبح لاحقا أحد أبرز خصومه.

وبصفته نائبا شابا، انضم أوربان وحزبه عام 1992 إلى الحركة الدولية الليبرالية. ويرى عالم السياسة زولتان لاكنر أن أوربان غيّر توجهه الأيديولوجي في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، عندما كانت المجر تحت حكم ائتلاف ليبرالي اشتراكي، إذ أدرك أن النجاح السياسي يقتضي التخلي عن الليبرالية، وتحويل حزبه إلى قوة قومية مناهضة لها.

أوربان غيّر توجهه الأيديولوجي في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، عندما كانت المجر تحت حكم ائتلاف ليبرالي اشتراكي، إذ أدرك أن النجاح السياسي يقتضي التخلي عن الليبرالية وتحويل حزبه إلى قوة قومية مناهضة لها

تولى أوربان قيادة حزب "فيدس" عام 1993، وكان قد بدأ بالفعل في دفعه نحو يمين الوسط بحلول عام 1994، حين خسر حزب "المنتدى الديمقراطي المجري" (MDF) المحافظ السلطة، فملأ "فيدس" الفراغ الذي خلفه تراجع المحافظين.

ويصف بيتر رونا، الاقتصادي المقيم في أكسفورد والمرشح السابق لرئاسة المجر، لقاء جمعه بأوربان في أوائل التسعينات، قال فيه الأخير إنه يطمح إلى تأسيس "حزب محافظ عصري" وعندما حذره رونا من أن السياسيين الذين حاولوا ذلك سابقا سرعان ما تخلوا عن صفة "العصري" حين اقتضت الظروف، أجابه أوربان بنبرة واثقة: "فليكن ذلك إذن".

وفي عام 1998، قاد أوربان حزب "فيدس" إلى الفوز في الانتخابات، ليصبح في سن الخامسة والثلاثين أصغر رئيس وزراء في أوروبا، وقاد المجر إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي عام 1999.

وبعد أن مني بهزيمتين انتخابيتين في عامي 2002 و2006، عاد إلى السلطة في خضم الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2010، ولم يخسر منذ ذلك الحين.

وعلى مدى السنوات الأربع عشرة الماضية، أعاد فيكتور أوربان تشكيل المجر من الداخل عبر سلسلة من التعديلات القانونية والدستورية التي رسخت قبضته على السلطة، فاز خلالها بأربع انتخابات متتالية، محققا في كل مرة "أغلبية كبرى" مكّنته من السيطرة على ثلثي مقاعد البرلمان.

وتبدو المفارقة لافتة في أن زعيما من أوروبا الوسطى، تبلور وعيه السياسي في زمن انهيار الهيمنة الروسية، بات اليوم السياسي الأوروبي الوحيد القادر على الحفاظ على علاقات وثيقة مع فلاديمير بوتين، متجاهلا أن الأخير وصف تفكك الاتحاد السوفياتي بأنه "أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين".

ومن العقبات التي قد تعترض فيكتور أوربان في حال عقد القمة المرتقبة بين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في بودابست، أن الطائرات الروسية ما زالت ممنوعة من التحليق في أجواء الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك المجر. وإذا قرر بوتين السفر إلى بودابست، فسيتعين عليه الحصول على إذن خاص لعبور أجواء إحدى الدول الأعضاء. كما أن المجر، بوصفها دولة غير ساحلية، ليست الوجهة الأسهل لرئيس روسي نادرا ما يغادر بلاده، ولم تطأ قدماه أراضي الاتحاد الأوروبي منذ سنوات.

ومع ذلك، ناقش بوتين وأوربان القمة المرتقبة في اتصال هاتفي، وأكد وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو للصحافيين أن حكومته "ستضمن بالطبع أن يتمكن من دخول المجر، وعقد محادثات ناجحة هنا، ثم العودة إلى بلاده".

font change