عن فلسطين والملفات القديمة والمفتوحة في المنطقة العربية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
صورة ملتقطة من جبل الزيتون مسجد قبة الصخرة في البلدة القديمة بالقدس، في 22 سبتمبر 2025.

عن فلسطين والملفات القديمة والمفتوحة في المنطقة العربية

تبرز دائما في قضايا المنطقة العربية قضايا وآراء. منها المفتوح، ومنها المغلق، ومنها المؤجل. وكلها قضايا تتزاحم في خاطر الشعب العربي من المحيط إلى الخليج، ويشترك معهم في ذلك الدول الإسلامية، وربما خارج الإطار العربي الإسلامي إلى دول وشعوب أخرى كانت بادية وظاهرة للعيان خلال السنتين الماضيتين.

أما القضايا المفتوحة فيمكن إبرازها بشكل واضح ومؤثر، وعدم التعامل معها بجدية ومنطق، قد يلزم شعوب المنطقة مزيداً من الأهوال والمصائب، لأن هذه المنطقة العربية لم ترتح يوماً، خلال حقب التاريخ ومنذ القدم. لماذا؟ لموقعها الاستراتيجي، وغناها التاريخي ودورها الجيوبوليتكي، ولذلك كانت منذ زمان بعيد، موقعاً مهماً للطامعين، والباحثين عن الثروة، والموقع الاستراتيجي المتحكم، فكانت لها خصوصية خاصة، وفي متناول أمم شتى ونوازع شتى تزيد السيطرة عليها والتحكم بها، واستثمارها.

ولم تكن تلك الغزوات والهجمات بمعزل عن دوافع اقتصادية وسياسية واجتماعية. ومن هنا رأينا كيف نجح بعض المغامرين في التجاوز عليها واستعمارها، واستثمار غناها الثقافي والديني والميثولوجي. وهكذا وجدنا غزوات التاريخ من الشرق والغرب كانت تتوجه نحو هذه المنطقة وتحاول فرض سلطانها عليها، بواقع الغلبة والعسكرة وسحق كل الإرادات الوطنية والقومية لهذه البلاد، ثم تأتي أقوام أخرى، وهكذا دواليك.

الحروب الصليبية وما بعدها

ولا نزعن في الاستغراق في التاريخ القديم ومآسيه، بل نأخذ ما حل بنا خلال القرون الماضية، لا سيما، في القرن التاسع عشر، وقبله في 1096 و1185 وهذه المرحلة المفصلية للغزوات الصليبية التي أرادت أن تستوطن في بلادنا تحت ادعاءات ظاهرة ومخفية، وأهمها أنها بلاد السمن والعسل، ومكثت في بلادنا لقرنين من الزمان، إلى أن تهيأت لهذه البلاد قيادات، كانت قادرة على لم الشمل، وكنس هذا العدو المستوطن، تحت عباءة الدين والصليب.

ظهرت "المسألة الشرقية" في القرن السابع عشر 1668، أو المسألة السورية، وهي بدعة أوروبية هدفها الاستفراد بالأقطار العربية، وإعمال أشكال من العبودية الاستعمارية

ولقيت هذه الرغبة مشتعلة لدى الأوروبيين، فكانت غزوات نابليون بونابرت بعد قيام الثورة الفرنسية التي توجهت أول ما توجهت إلى مصر الكنانة، لتنطبق نحو بلاد القدس، فلسطين، وتندحر على أسوار عكا بقيادة أحمد باشا الجزار الذي جهّز دفاعاتٍ قوية ضد الحملة الفرنسية ومنافسة الإنكليز للفرنسيين في القدوم إلى الشرق، وهذا ما حدث. ومن يومها لم تقم أية فرصة للراحة والاستراحة لشعوب هذه المنطقة لالتقاط الأنفاس، وتحسين الحياة، والتخلص من الحروب وسيل الدماء والاضطهاد.

وقبل ذلك هجمات المغول والتتار وتدمير حاضرة العرب والإسلام 656 هجرية، إلى أن وجد الاستعمار الجديد آنذاك في بداية القرن العشرين وقبله مع نهاية القرن التاسع عشر أن هذه المنطقة التي كانت تحت سلطة الدولة العثمانية، وأيضاً تحت ستار الدين الإسلامي.

لكن شعوب هذه المنطقة التي سادها الجهل والفقر والعدمية، كان دورها المرسوم من لدن الدولة العثمانية تجهيز العنصر البشري للقتال، والحصول على الموارد كي تصب في خزينة السلاطين، والدفع بالمنطقة لأتون حروب ليست حروبها، وفقدانها للصنّاع والزرّاع والمهن المختلفة التي أُفرغت منها بلادنا ونُقلت إلى مواقع أخرى لا تنتفع منها هذه المنطقة.

"المسألة الشرقية"

وظهرت "المسألة الشرقية" في القرن السابع عشر 1668، أو المسألة السورية، وهي بدعة أوروبية هدفها الاستفراد بالأقطار العربية، وإعمال أشكال من العبودية الاستعمارية فيها بموجب قرارات منفردة قام بها القناصل الأجانب بمعزل عن أهل هذه المنطقة، تمهيدا لاستعمار هذه المنطقة، وإعادة استثمارها وتقسيم بلاد الشام، فكان المؤتمر الصهيوني الأول في 1897 الذي عُقد بزعامة ثيودور هرتزل في مدينة بازل بسويسرا، وكانت قرارات المؤتمر هي إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين بوسائل بينها: تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتنظيم اليهود في المنظمة الصهيونية، واتخاذ السبل والتدابير للحصول على تأييد دول العالم للهدف.

جيتي
مقاتلون فلسطينيون بالقرب من شاحنة إمدادات مدرعة محترقة تابعة للهاغاناه، على الطريق إلى القدس، عام 1948.

وعملت المنظمة الصهيونية العالمية بعدها بإصرار على صدور قرار تأسيسها والذي تضمن إقامة وطن لليهود ونجحوا بتحقيق الخطوات الهامة، بينها عقد المؤتمر الأول في أغسطس/آب 1897، واتفاقية "سايكس بيكو" لتقسيم إقليم بلاد الشام في 1916، ووضعه تحت الانتداب الذي صدر عن اتفاقية "سان ريمو" 1918، وتبنتها عصبة الأمم المنشأة بعد الحرب العالمية الأولى (1914- 1918).

وفي عام 1920، كانت صكوك الانتداب مقسمة بين بريطانيا وفرنسا، على أن تكون فلسطين مع الأردن والعراق من حصة بريطانيا، ولبنان وسوريا من حصة فرنسا. وعليه فقد بدأت الهجرات اليهودية المنظّمة من روسيا وأوروبا الشرقية بتمويل من الصندوق القومي اليهودي برعاية روتشيلد. ومن خلال سلطة الانتداب البريطانية ومندوبها السامي هربرت صموئيل نجحت المنظمة الصهيونية في تنمية الهجرات اليهودية إلى فلسطين، وقمع الثورات المناوئة للاحتلال البريطاني وبداية تحقيق المشروع الصهيوني، وسلّمت بريطانيا فلسطين للعصابات الصهيونية التي تشكلت من المهاجرين المستوطنين، وأشهرها (الهاغاناه، وشتيرن).

بالرغم من اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، فإن إسرائيل زادت شهيتها للعدوان

وأقيمت دولة لليهود بناء على وعد آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا وصديق روتشيلد في 1917، وبإشراف لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، ونص الوعد على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين خلافاً لكل المفاهيم والقوانين الدولية، لأن بريطانيا ليست مالكة لفلسطين بل هي منتدبة، كما أن شعب فلسطين موجود تاريخيا من آلاف السنين.

وكانت النكبة الأولى في 1948 التي بموجبها تم تهجير 700 ألف فلسطيني كلاجئين، ولا زالوا كذلك هم وأجيالهم برغم تقادم السنين، واستيلاء العصابات على مدن الفلسطينيين وقراهم، ونسفاً للقرار181 الصادر عن الأمم المتحدة وقرار التقسيم 1946. وهكذا كان شعب فلسطين لاجئاً في الشتات، وفلسطين مقسمة إلى الضفة الغربية غرب نهر الأردن، وقطاع غزة. ومن بقي من الفلسطينيين عاشوا مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة في دولة تدعي الديمقراطية.

ملف قديم مفتوح

هذا عن الملف القديم الجديد الذي لا زال مفتوحاً على مصراعيه خلال الثمانين سنة بل المئة سنة الأخيرة والمنصرمة، والتي لم تجد لها سبيلاً للحل، بل زادت تعقيداً بإصرار الرعاة القدماء والجدد للمشروع القائم على أرض فلسطين الذي هو جزء لا يتجزّأ من بلاد الشام، والتي بقيت مستهدفة خلال عقود من الزمن. هذا المشروع شن حروباً مستمرة ضد الفلسطينيين أولاً، حينما تم تشريدهم وتجزئة فلسطين التاريخية بين دولة إسرائيل، التي ضمت الأجزاء الرئيسة من فلسطين، واستوعبت فيها، ومعها المزيد من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وعاملتهم، ولا زالت، بمنتهى القسوة والاضطهاد، لكنها لم تنجح في إبعادهم.

أ.ف.ب
خادم الحرمين الشريفين الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، و رئيس وزراء السودان محمد أحمد محجوب، خلال اجتماع قمة جامعة الدول العربية في الخرطوم، السودان، في الأول من سبتمبر 1969.

لكن الفكرة لدى الدولة الإسرائيلية لا زالت قائمة وهي إبقاء الضفة الغربية وقطاع غزة في حالة من الارتباك والعدوانية المستمرة، فكان ذلك في حرب يونيو/حزيران 1967، حيث أكملت احتلال فلسطين التاريخية بكاملها، وزحفت على سوريا باحتلال الجولان، وعلى مصر باحتلال سيناء، وأجزاء من الأردن، وادي عربة مثلاً، في حرب خاطفة مدعومة من إدارة الرئيس الأميركي ليندون جونسون وبريطانيا وغيرهما.

وأعيد فتح هذا الملف من جديد على طاولة مجلس الأمن الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 1967، حيث صدر القرار 242 الذي يقول بصريح العبارة، إن ما تم احتلاله في القدس والضفة الغربية والقطاع وسيناء والجولان غير قابل للتصرف، وينبغي عودة هذه المناطق لما كانت عليه قبل 5 يونيو 1967.

وتم تعيين ممثل للأمين العام كمبعوث، لإيجاد حل لذلك، فكان المبعوث غونار يارنغ ولفترة طويلة. لم تستجبْ إسرائيل لذلك، وأصبح القرار في طي النسيان. وفي عام 1973، حيث حرب أكتوبر، صدر القرار 338 الداعم للقرار 242، ولكن إسرائيل ومن يدعمها ضربا عرض الحائط بذلك واستمرت العدوانية الإسرائيلية تضرب في غزة وفي جنوب لبنان.

اتفاقات سلام

بالرغم من اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، فإن إسرائيل زادت شهيتها، فكانت الحرب على لبنان 1978، والهجوم الكاسح واحتلال جنوب لبنان وبيروت في عام 1982، وطرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وتهجيرها إلى عواصم عربية بعيدة آلاف الأميال عن فلسطين.

نظراً لتجديد العلاقة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، فإن الجهد السعودي البارز، وإصراره على ضرورة التحرك الجدي لإقامة الدولة الفلسطينية، وإحلال السلام في المنطقة، خطوات مباركة ومقدّرة

وفي عام 1991 عُقد مؤتمر للسلام في مدريد، وحاول وزير خارجية أميركا جيمس بيكر والرئيس جورج بوش ثم بيل كلينتون أن يحدثا اختراقاً، ولكن الصلف والعدوانية الإسرائيلية كانا بالمرصاد. وجراء ذلك كانت محادثات أوسلو السرية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل والتي أسفرت عن اتفاقية أوسلو 1993 والتي بموجبها دخلت منظمة التحرير إلى غزة وأريحا أولا، ثم تم تقسيم الضفة الغربية إلى المناطق (أ. ب. ج)، على أن يتم الانسحاب الإسرائيلي خلال خمس سنوات، ويتم تسليم المناطق الثلاث لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكن تم قتل رابين للحؤول دون ذلك، وتقام السلطة الوطنية الفلسطينية التي تتطور باتجاه إقامة الدولة الفلسطينية، وبقي الخلاف حول القدس.

أ.ف.ب
الرئيس المصري أنور السادات وهو يتحدث في الكنيست، أثناء زيارته التاريخية إلى إسرائيل، في 20 تشرين الثاني 1977 .

وتم إغلاق الملف من قبل إسرائيل، حيث بدأت الهجمات المنظمة لاستيطان أراضي الضفة وإقامة المزيد من المدن الاستيطانية في الضفة الغربية والأسوار الاستيطانية بحيث تقلصت مساحة الضفة التي كانت تشكل 20 في المئة من أراضي فلسطين التاريخية إلى 14 في المئة فقط من مساحة فلسطين التاريخية. وازدياد وتيرة الاستيطان مع تشكيل الحكومة اليمينية برئاسة بنيامين نتنياهو الأخيرة بحيث يستحيل قيام الدولة الفلسطينية مع هذا الوضع الاستيطاني الجديد.

7 أكتوبر 2023

ومع أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، واندفاع الجيش الإسرائيلي وجرائمه ضد غزة وأهلها خلال سنتين، رأت المملكة العربية السعودية وفرنسا ضرورة فتح ملف الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967، وإقامة دولتين معترف بهما.

ونجحت المملكة في زيادة زخم الاعتراف بالدولة الفلسطينية بحيث وصل تعداد الدول بما فيها الدول الأوروبية الهامة إلى 157 دولة تطالب بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في فلسطين. لكن إسرائيل ومن يدعمها لا زالا ينكران حقوق شعب فلسطين في إقامة دولته، وبموجب خطة الرئيس دونالد ترمب تمت إضافة موضوع الدولة الفلسطينية، وكان ولا يزال موقف المملكة العربية السعودية المؤثر والهام وراء ذلك، كما أن موضوع وقف حرب غزة والنقاط التي أثيرت حول إقامة الدولة الفلسطينية كان لها أثرها الواضح، ولكن ذلك يحتاج إلى جهد عربي مضاعف.

أ.ف.ب
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحضران قمة الأمم المتحدة حول "حل الدولتين" في مقر الأمم المتحدة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 22 سبتمبر 2025.

وحول زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، للولايات المتحدة في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ونظراً لتجديد العلاقة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، فإن الجهد السعودي البارز، وإصراره على ضرورة التحرك الجدي لإقامة الدولة الفلسطينية، وإحلال السلام في المنطقة، خطوات مباركة ومقدّرة، لما للمملكة من أهمية ودور استراتيجي واقتصادي وسياسي مؤثر في السياسة الدولية، ولعلنا نستطيع التفاؤل بعد كل ما جرى من أحداث.

أخطر ما يواجه المنطقة، العدوان المستمر على لبنان والضرب في جنوب الليطاني وشماله وعمق الأراضي اللبنانية

لكن الحكومة الإسرائيلية تحاول عرقلة تطبيق اتفاق غزة والانسحاب من القطاع، وبداية المشروع الوارد في نقاط الرئيس ترمب لإحلال السلام وإعمار غزة. إذ إن إسرائيل ترى أن خططها للتخريب لا زالت قائمة، فهي تقتل الفلسطينيين في غزة وقد بلغ عدد القتلى منذ وقف إطلاق النار نحو 350 شخصا وهي تزحف بالخط الأصفر وتعترض على كيفية نزع السلاح، وتحاول أن تفشل مشروع ترمب، وتتحرك في كل الاتجاهات، وهي مذعورة من زيارة الرئيس أحمد الشرع واجتماعه في البيت الأبيض الأميركي، وازدادت فزعاً من النتائج التي حققتها زيارة الأمير محمد بن سلمان.

إسرائيل نتنياهو فقدت صوابها نظرا للدور السعودي الداعم لسوريا الجديدة وقيادتها وتجاوب ترمب مع ذلك، والدور المؤثر للسعودية مع الرئيس ترمب والإدارة الأميركية، وتحرك جيل الشباب في الولايات المتحدة وأوروبا، وإسرائيل المعزولة.

لذلك قامت برئاسة نتنياهو وحكومته بزيارة غير مرحب بها للمناطق السورية التي دخلها الجيش الإسرائيلي في سوريا بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، ولا زال. وأخطر ما يواجه المنطقة، العدوان المستمر على لبنان والضرب في جنوب الليطاني وشماله وعمق الأراضي اللبنانية.

وكل ذلك يأتي ضمن حلقات مؤجلة، لكنها مفتوحة على كل الاحتمالات. وعلى المنطقة أن تأخذ بعين الاعتبار التحركات الإسرائيلية واحتلالاتها لأكثر من نصف قطاع غزة، والأراضي السورية المتاخمة للجولان، والجولان السورية المحتلة، والأراضي اللبنانية باحتلالها للنقاط الخمس. فضلاً عن تدخلها الفج في الداخل السوري ومحاولة زعزعة الاستقرار في لبنان وسوريا وفلسطين، وطموحها في احتلال الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان... لا زالت المنطقة العربية في حالة توتر دائم.

font change