خلاصات "كوب 30"... مفاوضات بلا نتائج، خيبات وأهداف مؤجلة

انتهى مؤتمر الأطراف الثلاثين في البرازيل ماذا حقق العالم في مواجهة تغيّر المناخ؟

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
رجل من السكان الأصليين يؤدي حركة مستلقياً على الأرض وهو يحمل كرة أرضية بيده، خلال 'مسيرة الشعوب الأصلية العالمية' في مؤتمر الأطراف للمناخ "كوب 30" في بيلم، البرازيل، في 17 نوفمبر 2025.

خلاصات "كوب 30"... مفاوضات بلا نتائج، خيبات وأهداف مؤجلة

حمل متظاهرون لافتات كتب عليها "غاباتنا ليست للبيع"، وبلغت أسعار الفنادق مستويات مرتفعة في مقابل كبائن مجانية على متن السفن لإقامة المشاركين، واندلع حريق ضخم، وغير ذلك كثير. تعددت هذه "الأحداث الجانبية" التي شتتت الانتباه عن العرض الرئيس في مدينة بليم البرازيلية خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني إلى درجة قد تجعل متابعي مؤتمر الأطراف الثلاثين، "كوب 30"، غير متأكدين من نتائج الملتقى السنوي الشهير بناء لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغيّر المناخ، الذي اختتم أعماله قبل أيام في البرازيل.

يستحق اختيار الدولة المضيفة وقفة تأمل في رمزيته. فقد عاد تركيز المعركة ضد تغير المناخ إلى البرازيل بعد أكثر من ثلاثين عاما. اذ استضافت ريو دي جانيرو عام 1992 مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية، المعروف بـ"قمة الأرض"، الذي أرسى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ واجتماعها السنوي لمؤتمر الأطراف. ومن السادس إلى الحادي والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2025 استضافت مدينة بليم في شمال البرازيل مؤتمر الأطراف الثلاثين، وشارك في المؤتمر أكثر من خمسين ألف شخص. وتمثل المدينة مكانا مميزا لقربها الشديد من غابة الأمازون المطيرة، وهي منطقة ذات أهمية حاسمة للمناخ على الصعيدين الإقليمي والعالمي. ولكن، هل قدم مؤتمر الأطراف الثلاثين ما يحتاجه الكوكب؟

غيابات لافتة لقادة الدول الأكثر تلويثا

وصف الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا مؤتمر الأطراف الثلاثين بأنه "مؤتمر الحقيقة"، في حين أطلق عليه مسؤولون آخرون وصف "مؤتمر التنفيذ". حملت تلك الكلمات الافتتاحية رسالة واضحة، إذ تحدث القادة عن التحرك في مواجهة تغير المناخ أعواما طويلة، غير أن المتابعة العملية بقيت محدودة. لكن الحاجة إلى التوافق حازت في النهاية الأولوية في بليم على حساب الحاجة إلى خطة عمل ملموسة، كما يحدث غالبا في المفاوضات الدولية. والمفارقة أن التوافق الوحيد الذي ساد في الأيام التي تلت مؤتمر الأطراف الثلاثين كان على أن المؤتمر أخلف كثيرا من وعوده.

بدا المؤتمر كأنه ينطلق في بداية متعثرة حتى قبل اليوم الأول. فلم يحضر قادة الدول الثلاث الأكثر تلويثا في العالم، الولايات المتحدة الأميركية والصين والهند

في الواقع، بدا المؤتمر كأنه يبدأ بداية متعثرة حتى قبل اليوم الأول. فلم يحضر قادة الدول الثلاث الأكثر تلويثا في العالم، الولايات المتحدة والصين والهند، إلى البرازيل. ومثلت الصين نائبة رئيس الوزراء، بينما ترأس وزير البيئة الهندي بهوبندر ياداف وفد بلاده إلى البرازيل. ولم يعد غياب أي شخصية بارزة من واشنطن يثير دهشة أوساط العمل المناخي، في ضوء الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترمب في يناير/كانون الثاني للانسحاب من "اتفاق باريس" وازدرائه لتغير المناخ بوصفه "أكبر عملية خداع تعرض لها العالم على الإطلاق".

 أسوشيتد برس
نشطاء من السكان الأصليين يلتقطون صورة أمام كرة أرضية خلال احتجاج خلال "كوب 30"، في بيليم، البرازيل. 17 نوفمبر 2025

وبالتالي، علق كثير من الناشطين المناخيين آمالهم على البرازيل والاتحاد الأوروبي لكي يقودا مؤتمر الأطراف الثلاثين نحو لتحقيق التزامات جديدة، غير أن هذه الدورة لم تكن في المحصلة العامة مرضية لهم.

مجرد تسويات للقضايا الكبرى

كان أحد الموضوعات التي يفترض أن يتناولها مؤتمر الأطراف الثلاثين هو وضع خريطة طريق للابتعاد عن الوقود الأحفوري. وركز الرئيس البرازيلي على هذه المسألة في مباحثاته مع قادة العالم خلال الأسبوع الذي سبق المؤتمر. غير أن السفير أندريه كورييا دو لاغو، الديبلوماسي البرازيلي المخضرم في ملف المناخ الذي عُهدت إليه رئاسة "كوب 30"، سعى إلى حلول توافقية أفضت في نهاية المطاف إلى غياب أي تقدم حقيقي. وبدلا من وضع خريطة طريق واضحة وأدوات لدفع هذه الأجندة إلى الأمام، استحضر دو لاغو كلمة "موتيراو" من لغة التوبي الغواراني الأصلية، التي تشير إلى روح العمل الجماعي، فجاء النص الصادر مخيبا لآمال كثيرين كانوا يتطلعون إلى تغيير فعلي.

لم يأت النص الختامي على ذكر الوقود الأحفوري، كما أسقط أيضا خريطة الطريق التي أيدتها قرابة تسعين دولة لمكافحة إزالة الغابات. وبدلا من ذلك، قررت رئاسة مؤتمر الأطراف الثلاثين البرازيلية، التي ستستمر حتى القمة المقبلة، تنظيم مؤتمر في كولومبيا في أبريل/نيسان 2026. ونظرا إلى أن هذا المؤتمر سينعقد خارج إطار العملية الرسمية لمؤتمر الأطراف، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت نتائجه ستكتسب أي صفة ملزمة، مما يعني أن الإجراء العملي الوحيد المتعلق بالوقود الأحفوري في مؤتمر الأطراف الثلاثين اقتصر على قرار مواصلة النقاش في شأنه في وقت لاحق.

ما مصير هدف "اتفاق باريس"؟

منذ مؤتمر باريس عام 2015 شرعت الدول المشاركة في إعداد مساهماتها المحددة وطنيا وتقديمها كل خمس سنوات. وهذا يعني أن مؤتمر الأطراف الثلاثين انعقد في مرحلة خضعت فيها هذه المساهمات لمراجعة جديدة، بعد أن وضعت الأهداف الأصلية قبل عقد من الزمن لعام 2025. وهي نسبة أدنى بكثير من مستوى الستين في المئة اللازم لجعل هدف 1.5 درجة مئوية قابلا للتحقيق. ومرة أخرى، لم يحرز "كوب 30" تقدما يُذكر على هذا الصعيد. فقد خلا التحديث الذي قدمته الصين من تعهد برقم محدد لخفض الانبعاثات، واكتفى بالإشارة إلى أن مستويات عام 2035 ستكون أدنى بنسبة 7 إلى 10 في المئة من "مستوى الذروة".

هناك حاجة ملحة إلى تمويل مناخي ميسر بمستوى التريليونات، وليس مليارات الدولارات

وزير البيئة في الهند بهوبندر ياداف

وأشارت مساهمة إندونيسيا إلى احتمال تحقيق بعض التقدم حتى عام 2030، على أن تستقر هذه الجهود من دون زيادة حتى عام 2035.

خسارة التمويل الأميركي

وكان كثير من المندوبين يترقبون موقف الهند، وهي من الدول الرئيسة في الانبعاثات الكربونية، بعد أن فوتت المهَل المحددة في فبراير/شباط وسبتمبر/أيلول لتقديم نسخة محدثة من مساهمتها المحددة وطنيا. وأوضح بهوبندر ياداف، وزير البيئة في الهند، أن هذه المساهمة ستصدر في ديسمبر/كانون الأول، لكنه شدد على الحاجة إلى "تمويل مناخي ميسر بمستوى التريليونات، وليس المليارات"، في إشارة صريحة إلى مطالبة الدول المتقدمة بتحمل الكلفة.

يرتبط ذلك مباشرة بالقضية المحورية المتعلقة بتمويل التكيف، التي شكلت أحد أهم مخرجات مؤتمر العام الماضي في أذربيجان. وقد تمكن النص الختامي لمؤتمر الأطراف الثلاثين، في نقطة حاسمة، من إبقاء الالتزام بتفعيل هذا التمويل إلى ثلاثة أضعاف، لكن مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين في باكو كان قد تضمن بندا يدعو إلى زيادة هذا المستوى في عام 2030.

واستشعر عدد كبير من المندوبين في بليم أن تحقيق هذه الزيادة أصبح أقل ترجيحا. ففي نهاية المطاف، لم تعد الإدارة الحاكمة في أغنى دولة في العالم تقر بأن تغير المناخ حقيقة. ولم يقتصر الأمر على إلغاء إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكثر من 13 مليار دولار أميركي من تمويل الطاقة المتجددة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر العمل على توسيع الاستثمارات في صناعة النفط والغاز.

إيجابيات لحماية الغابات ورعاية الصحة

سُجلت في بليم بعض النتائج الإيجابية، غير أن اللافت أن كثيرا منها تحقق على هامش الحدث نفسه. وكان من أبرز مجالات العمل التي طرحتها البرازيل إنشاء صندوق جديد يحمل اسم "مرفق الغابات الاستوائية إلى الأبد" (Tropical Forests Forever Facility – TFFF). حظي الصندوق حتى الآن بتأييد أكثر من خمسين دولة، وبلغت قيمة التعهدات المالية ما يقارب سبع مليارات دولار أميركي، على الرغم من أن الهدف الأولي كان في حدود 25 مليار دولار. ومنذ ذلك الحين خُفض الهدف المرتبط برأس مال المساهمين، إذ تتطلع البرازيل الآن إلى رقم أكثر واقعية في عام 2026.

رويترز
تزايد أخطار استهلاك أشجار غابات الأمازون، 13 نوفمبر 2025

وقال أمين شؤون المناخ والطاقة والبيئة في البرازيل، السفير ماوريسيو كارفاليو ليريو: "إذا بلغنا عشرة مليارات دولار، فسيسمح ذلك بتعبئة أربعين مليار دولار [من الاستثمارات الخاصة]". وإذا سارت الأمور وفقا للخطة، يُتوقع أن يسهم مرفق "TFFF" في حماية أكثر من مليار هكتار من الغابات الاستوائية في أكثر من سبعين دولة نامية. وستتلقى الدول مدفوعات من الصندوق تبعا لجهودها في حماية غاباتها واستعادتها، على أن تراقب هذه الجهود بواسطة صور الأقمار الصناعية وبيانات الاستشعار من بعد. ويضع الصندوق أيضا هدفا طموحا يقضي بتخصيص 20 في المئة من موارده، على نحو إلزامي، للشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، في خطوة رائدة ترمي إلى تعزيز مشاركة القواعد الشعبية في جهود الحفاظ على الغابات.

إما أن نقرر أن نتغير عن اختيار، معا، أو تُفرض علينا التغييرات بفعل المآسي

رئيس مؤتمر "كوب 30" أندريه كوريا دو لاغو

ويمكن اعتبار "تعهد بليم 4x"، وهو التزام طوعي لمضاعفة إنتاج الوقود المستدام واستخدامه إلى أربعة أضعاف في حلول عام 2035، نتيجة إيجابية أخرى لمؤتمر "كوب 30". وقد انضمت إلى البرازيل في هذا التعهد، دول بارزة مثل اليابان وإيطاليا والهند، إضافة إلى نحو عشرين دولة أخرى. وبالنظر إلى أن هذا المسار يشمل حلولا مثل الوقود الحيوي، والغاز الحيوي، والوقود الاصطناعي، والهيدروجين، فإن الدول النامية مؤهلة جيدا للاضطلاع بدور رئيس فيه.

تضمن نص مخرجات مؤتمر الأطراف الثلاثين إشارات إلى أهمية الفوائد الصحية الناتجة من خفض الانبعاثات المسببة لتغير المناخ. وشهد المؤتمر كذلك إعداد "خطة بليم للعمل الصحي". وتواكب هذه الخطة تعهدات أولية بقيمة 300 مليون دولار أميركي من مجموعة من الممولين، من بينهم مؤسسة بيل غيتس ومؤسسة "ويلكم" ومؤسسة روكفلر، الأمر الذي يمنح هذه المبادرة الجديدة ثقلا إضافيا ويعزز حضورها على الساحة الدولية.

هل تغير المناخ؟

على الرغم من أن رمزية اختيار بليم مقرا لمؤتمر الأطراف الثلاثين "كوب 30"، والتزام البرازيل الواضح مواجهة تغير المناخ، شكلا من السمات البارزة لمؤتمر هذه السنة، فإن الواقع يتمثل في أن المجتمع الدولي يناقش هذه القضايا منذ أكثر من ثلاثة عقود من دون أن يفي على نحو منتظم بالأهداف التي حددها لنفسه.

أ.ف.ب.
رئيس "كوب 30" السفير المخضرم أندريه كوريا دو لاغو، ويبدو متعبا، أثناء توقف الجلسة العامة بعد تدخل من كولومبيا في مؤتمر الأطراف في بيلم، البرازيل، في 22 نوفمبر 2025.

في رسالته الأخيرة إلى المندوبين قبيل انطلاق المؤتمر، دعا رئيس "كوب 30" السفير كورييا دو لاغو إلى الوحدة، وأشار إلى أن البديل من التوصل إلى اتفاق هو الكارثة، قائلا: "إما أن نقرر أن نتغير عن اختيار، معا، أو تُفرض علينا التغييرات بفعل المآسي". غير أن فكرة "الموتيراو" حُمِّلت في النهاية أكثر مما تحتمل، إذ حولتها المساومات المتواصلة إلى ظل باهت لما كان يمكن أن تكون عليه.

في نهاية المطاف، أعاد هذا العجز عن التحرك النقاش إلى المعضلة التي يتجنب الجميع الاعتراف بها: هل يترك نموذج مؤتمرات الأطراف أثرا حقيقيا فعلا في القضايا المحورية؟ ففي المحصلة، عشرات الآلاف من الأشخاص يسافرون جوا عبر العالم كله (وهو تناقض بذاته بالنسبة إلى مؤتمر يفترض أنه يعالج قضية تغير المناخ)، وكل شيء يدور حول الصياغات الدقيقة للنصوص. ويبدو أن "مؤتمر التنفيذ" أخفق، عموما، في ترجمة الشعارات إلى فعل، مكتفيا بإنتاج نص جديد صيغ بعناية كبيرة، لكنه يتحاشى إطلاق أي تعهدات كبيرة وملزمة.

font change

مقالات ذات صلة