حضرموت في قلب العاصفة... ماذا يريد عيدروس الزبيدي؟

اجماع على ان قيادة "المجلس الانتقالي الجنوبي"، قد "ارتكبت خطأ استراتيجيا"

المجلة
المجلة

حضرموت في قلب العاصفة... ماذا يريد عيدروس الزبيدي؟

تداخلت خلال الساعات الماضية خيوط الأزمة اليمنية على نحو بالغ التعقيد بعد أن تبيَّن أن إعلان الإمارات العربية عن سحب قواتها من اليمن لم يعط أي بارقة أملٍ على استجابة حليفها على الأرض، "المجلس الانتقالي الجنوبي"، للدعوات الداخلية والإقليمية والدولية الواسعة لسحب قواته من محافظتي حضرموت والمهرة، شرقي البلاد، وإعادة تلك القوات إلى معسكراتها وثكناتها التي قدمت منها في الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول المنصرم. بل على العكس من ذلك إذ استمر "المجلس الانتقالي" في تعزيز قواته بحشود عسكرية وقبلية كبيرة استمرّت في التوجه إلى حضرموت وتشديد قبضته على المناطق التي سيطرت عليها قواته.

وبينما كان المفترض أن تقوم قوات "درع الوطن" الموالية للحكومة الشرعية باستلام المعسكرات التي هيمنت عليها قوات "الانتقالي"، قال محافظ حضرموت سالم الخنبشي إن "التحركات السلمية لقوات "درع الوطن" تعرضت لهجمات وكمائن لعرقلة تنفيذها لمهمتها" في تهدئة أوضاع هذه المحافظة المضطربة.

وكان محافظ حضرموت، الذي صدر قرار رئاسي من رئيس "المجلس الرئاسي" رشاد العليمي، بتعيينه قائدا عاما لقوات "درع الوطن" ومنحه صلاحيات كبيرة "عسكرية وأمنية وسيادية"، قد أعلن عن "انطلاق عملية لاستلام معسكرات الجيش والأمن" في المحافظة، مشيرا إلى أن السلطة المحلية والدولة بمختلف مؤسساتها، وكذلك الأشقاء في السعودية بذلوا جميعا جهودا حثيثة لفتح كل الأبواب السياسية، وإتاحة كل مسارات الحوار والتفاهم، إلا أنه قال صباح الجمعة: "بكل أسف، واجهنا إغلاقا كاملا لكل الأبواب السياسية، ورفضا متعمدا لأي حلول مسؤولة، يقابله إعداد ممنهج لخطط تهدف إلى خلق فوضى عارمة، فوضى قد تخرج عن السيطرة، وتترتب عليها خسائر جسيمة لا تستطيع الدولة، ولا المجتمع، تلافي آثارها على حياة المواطنين وأمنهم واستقرارهم".

في خضم المشهد الملتبس تتداعى المزاعم والاتهامات والادعاءات خصوصا من جانب قيادات ومسؤولي "المجلس الانتقالي" لتبرير بقاء قواته في حضرموت ولخلط أوراق الأزمة

وعلّق الكاتب السياسي اليمني، جلال الحلالي، على ذلك بقوله: "لا شيء يفوق غباء عيدروس الزبيدي وقيادة المجلس الانتقالي، سوى قيادتهم العسكرية نفسها. تضع جنودك في صحراء مكشوفة في أرض ليست أرضك لتستدعي عمليات (عسكرية) واسعة لا تُبقي ولا تذر، وكأنك تقدّمهم قربانا مجانيا. هذه ليست معركة، بل عملية انتحار مكتملة الأركان، كان الانسحاب- على الأقل- أذكى سياسيا وأقل فداحة عسكريا".

سبأ
محافظ حضرموت، رئيس اللجنة الامنية، القائد العام لقوات "درع الوطن" بالمحافظة، سالم الخنبشي

في خضم المشهد الملتبس تتداعى المزاعم والاتهامات والادعاءات خصوصا من جانب قيادات ومسؤولي "المجلس الانتقالي" لتبرير بقاء قواته في حضرموت ولخلط أوراق الأزمة، حيث قال ‏رئيس "الانتقالي بوادي وصحراء حضرموت" محمد عبد الملك الزبيدي، إن "قوات كبيرة وصلت من مأرب إلى حضرموت تمهيدا للهجوم على قواتنا، ونحن مستعدون للمواجهة"، الأمر الذي نفته بشدة مصادر حكومية وقبلية في مأرب، واعتبرته "تضليلا مكشوفا" للتغطية على "الهجوم المتهور وغير المسؤول" من قبل قوات "المجلس الانتقالي" وتصويره على أنه "دفاع عن أرض الجنوب ضد غزو مكتمل الأركان"، كما قال المتحدث باسم "المجلس" أنور التميمي.

جاء إعلان الإمارات عن سحب قواتها من اليمن متأخرا بعد سنوات من المطالبة بتصحيح علاقة الحكومة الشرعية اليمنية بالتحالف الذي قادته السعودية وشاركت فيه الإمارات بدور أثار الكثير من الجدل

من جانبه، قال السفير السعودي لدى اليمن محمد سعيد آل جابر في سلسلة تغريدات عبر حسابه على موقع "إكس": "إن عيدروس الزبيدي، رئيس (المجلس الانتقالي الجنوبي)، يقوم بتصرفات غير مسؤولة، ويقوّض جهود التنسيق السياسي والعسكري والأمني، ويشكّل سابقة خطيرة تعكس الإصرار على تنفيذ أجندات خاصة ومصالح مالية شخصية لا علاقة لها بالقضية الجنوبية خاصة ولا باليمن عامة". وأضاف: "إن استغلال عيدروس للقضية الجنوبية والمزايدة بها لتحقيق مكاسب شخصية، وإقصاء وتهميش أبناء المحافظات الجنوبية، قد أضر بها وأفقدها المكاسب التي تحققت، سواء من خلال مخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل عام 2014 أو اتفاق الرياض 2019 أو قرار نقل السلطة 2022".

وفيما يبدو أنه أكثر المواقف السعودية وضوحا وحزما حيال الوضع في حضرموت واليمن عامة، قال السفير السعودي: "إن الزبيدي اتخذ الكثير من القرارات الأحادية دون أي اعتبار لالتزامه السياسي كعضو في مجلس القيادة الرئاسي اليمني، وكان أخطر تلك القرارات قيادته للهجوم العسكري على محافظتي حضرموت والمهرة، وما صاحبه من اختلالات أمنية بالمحافظتين، وترويع للآمنين، وسقوط قتلى وجرحى بين المدنيين من أبناء حضرموت".

هل انسحبت الإمارات فعلا من اليمن؟

‏كان إعلان الإمارات عن سحب قواتها من اليمن قرارا صائبا دون شك وجاء متأخرا بعد سنوات من المطالبة بتصحيح علاقة الحكومة الشرعية اليمنية بالتحالف الذي قادته السعودية وشاركت فيه الإمارات بدور أثار الكثير من الجدل حول أجندة وأهداف الإمارات من هذه المشاركة. لكن يظل من المبكر أو السابق لأوانه الحكم إن كان ذلك الانسحاب سيكون شاملا ونهائيا، إذ من المؤكد أنه سيظل لأبوظبي دور مباشر أو غير مباشر في النزاع اليمني، فالإمارات تمكنت من إيجاد حلفاء كثيرين لها في جنوب البلاد حيث قامت بمد هؤلاء الموالين لها بكل ما يحتاجون إليه من الأسلحة والعتاد والتدريب وغير ذلك من الأمور اللوجستية، وهؤلاء الموالون لها لهم اليوم اليد العليا التي تحكم السيطرة على مدن وموانئ وجزر جنوب البلاد كافة.

جرى تكوين قوات "درع الوطن" لتعمل بإمرة رئيس "مجلس القيادة الرئاسي" والحكومة الشرعية بهدف مواجهة جماعة "الحوثيين" وتولي قيادة المعسكرات الواقعة في نطاق سيطرتها

غير أن الطابع الميليشياوي ظل هو السمة الغالبة على معظم القوى والنخب والأحزمة الأمنية التي تم إنشاؤها على أسس غير وطنية، وتفتقر إلى قيادة موحدة وآلية تنسيقٍ مشتركة، وكانت تأتمر، كما هو معروف، بتوجيهات ضباط إماراتيين هنا وهناك في مواقع غير بادية للعيان.

السؤال الذي يتردد الآن هو حول ما إذا كانت الإمارات ستتوقف بالفعل عن دعم "المجلس الانتقالي" ماليا بحسب مطالب السعودية وغيرها أم إن هذا الدعم سوف يستمر بطرقٍ غير مباشرة وملتوية وهو ما قد يمثل في نظر الرياض خطرا على مصالحها والأمن القومي العربي عموما.

أ.ب
عناصر من "المجلس الانتقالي الجنوبي" في نقطة تفتيش بعدن، اليمن،31 ديسمبر 2025.

المؤمل أن لا يحدث ذلك ويفتح بابا واسعا لنزاع إقليمي أشمل وأكثر خطورة لا يمكن للمنطقة بأسرها تحمل عواقبه، بل من المفترض أن يكون للإمارات دور سياسي إيجابي في إقناع حلفائها في جنوب البلاد بالعودة إلى جادة الصواب، أولا بالانسحاب المنظم والسلس من محافظتي حضرموت والمهرة والرجوع إلى المعسكرات والثكنات التي قدمت منها، وثانيا باستئناف دورها في إطار الحكومة الشرعية اليمنية.

ما هي قوات "درع الوطن"؟

تتألف التشكيلات العسكرية التابعة لقوات "درع الوطن" في معظمها من أبناء المحافظات الجنوبية وتحديدا محافظة حضرموت، وقد جرى تكوينها لتعمل بإمرة رئيس "مجلس القيادة الرئاسي" والحكومة الشرعية بهدف مواجهة جماعة "الحوثيين" وتولي قيادة المعسكرات الواقعة في نطاق سيطرتها.

هناك إجماع على أن قيادة "المجلس الانتقالي الجنوبي" قد "ارتكبت خطأ استراتيجيا" فادحا من حيث الكلفة وغير محمود العواقب، أسقط ادعاءاته بـ"تمثيل شعب الجنوب وتبني قضيته"

غير أن أنصار "المجلس الانتقالي الجنوبي" يحاولون شيطنة قوات "درع الوطن" بادعاء أنها قوة سلفية أحيانا وأحيانا أخرى بأنها "مزيج من (الإخوان المسلمين) و(القاعدة) و(الحوثيين)"، وهو الأمر الذي اعتبره محافظ حضرموت وسواه بأنه "مثير للسخرية".

أ.ف.ب
قافلة من المركبات المدرعة في مدينة المكلا الساحلية، جنوب اليمن، 1 يناير 2026

لكن هذه القوات أثبتت فاعليتها باستعادة السيطرة على معسكر "اللواء 37" التابع للمنطقة العسكرية الأولى في منطقة "الخشعة" على الطريق الدولي الرابط بين مدينة "سيئون" ومحافظة مأرب إلى الغرب من محافظة حضرموت، ومن المرجح أن تنجح خلال الأيام القليلة القادمة في بسط سيطرتها على بقية مناطق محافظتي حضرموت والمهرة، خصوصا مع الإسناد العسكري الذي يقدمه لها سلاح الجو الملكي السعودي.

ومساء الجمعة، أعلن رئيس "المجلس الانتقالي" عيدروس الزبيدي في خطاب متلفز "دخول مرحلة انتقالية مدتها سنتان" يجرى خلالها "استفتاء شعبي" حول "حقّ تقرير المصير لشعب الجنوب"

الواضح، في ضوء مواقف الداخل والإقليم والعالم، أن هناك إجماعا على أن قيادة "المجلس الانتقالي الجنوبي" ممثلة بالزبيدي، قد "ارتكبت خطأ استراتيجيا" فادحا من حيث الكلفة وغير محمود العواقب، أسقط ادعاءاته بـ"تمثيل شعب الجنوب وتبني قضيته" وأن تلك القيادة "انتحرت سياسيا" ولم يعد أمامها من خيارات أخرى سوى الامتثال للمطالب المرجوة، فـ"الانتقالي" في نهاية المطاف ليس سوى مكونٍ يمنيٍ واحدٍ ولا يمكنه احتكار تمثيل أي طرفٍ غير نفسه في أحسن حال.

font change

مقالات ذات صلة