لم يكن إسقاط نيكولاس مادورو صباح الثالث من يناير/كانون الثاني 2026 حدثا أميركياً فحسب، بل لحظة فاصلة في التاريخ المعاصر، على غرار هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وإسقاط صدام حسين عام 2003. فالتحولات الكبرى لا تُقاس بعدد الحروب ولا بتبدّل الحكومات، بل باللحظات التي يتغيّر فيها منطق القوة نفسه.
قبل ربع قرن تقريبا، دخل العالم مرحلة جديدة مع هجمات 11 سبتمبر، ثم مع تغيير نظام صدام حسين عام 2003، حين استخدمت الولايات المتحدة فائض قوتها لإعادة رسم خرائط السياسة بالقوة العسكرية المباشرة. اليوم، وعلى أعتاب ربع قرن جديد، يقف العالم عند منعطف آخر مع إطاحة مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، في خطوة تعكس تحولا في أدوات الهيمنة لا في جوهرها، وعودة دونالد ترمب إلى إدارة الصراع الدولي بمنطق الصفقات والنفوذ والمناطق الحيوية.
في ذلك اليوم من خريف 2001، لم تتعرض الولايات المتحدة لهجوم غير مسبوق فحسب، بل دخل العالم كله مسارا جديدا من التحولات العميقة. قبلها بسنوات قليلة، كانت واشنطن في ذروة قوتها. فبانهيار الاتحاد السوفياتي، وجدت نفسها تقود نظاما عالميا بلا منافس. ساد اعتقاد واسع بأن النموذج الليبرالي الغربي لم ينتصر عسكريا فحسب، بل قُدِّم بوصفه انتصارا تاريخيا وأخلاقيا أيضا. جرى الحديث عن "نهاية التاريخ"، وعن عالم تُدار فيه الخلافات عبر الأسواق والمؤسسات الدولية لا عبر الحروب، وعن ديمقراطية تتوسع تلقائيا مع العولمة و"القوة الناعمة". وعلى أنقاض النظام السابق، أطلقت الولايات المتحدة مبادرات عدة في العالم العربي، أبرزها رعاية مفاوضات السلام العربية–الإسرائيلية في التسعينات وما بعدها.
لكن تلك اللحظة الأحادية لم تعمّر طويلا. فجاءت هجمات 11 سبتمبر لتكشف هشاشة هذا التصور، وتدفع الولايات المتحدة إلى استخدام فائض قوتها في مسار مختلف. لم تكن "الحرب على الإرهاب" مجرد حملة أمنية، بل كانت إطارا فكريا وسياسيا أعاد تعريف مفهوم الحرب، وحدود السيادة، وشرعية التدخل. وفي الشرق الأوسط، حيث تداخلت المصالح بالطموحات وبالأخطاء، تحولت المنطقة إلى ساحة اختبار للنظام العالمي الجديد، بدءا بتغيير نظام صدام حسين عام 2003، بعد عقد على تحرير الكويت.
من العراق إلى أفغانستان، ومن مشاريع "نشر الديمقراطية" إلى هندسة الأنظمة، فُتحت أبواب واسعة أمام التغيير بقدر ما فُتحت أمام الوعود
من العراق إلى أفغانستان، ومن مشاريع "نشر الديمقراطية" إلى هندسة الأنظمة، فُتحت أبواب واسعة أمام التغيير بقدر ما فُتحت أمام الوعود. سقطت أنظمة، واهتزت دول، وأُزيحت سلطات، لكن البدائل لم تكن جاهزة، ولا مستقرة، ولا قادرة على احتواء مجتمعات تعيش أصلا على خطوط التوتر والانقسام.
في الوقت نفسه، كان العالم يشهد تحولا أعمق وأقل ضجيجا: ثورة علمية وتكنولوجية أعادت تشكيل الاقتصاد والسياسة والمجتمع. انتقلنا من الإنترنت بوصفه مساحة مفتوحة للمعلومات، إلى الهاتف النقال كامتداد دائم للفرد، ثم إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي حوّلت كل إنسان إلى منصة، وكل حدث إلى معركة سرديات. لعبت هذه التحولات دورا مركزيا في تفجير الاحتجاجات التي عُرفت بـ"الربيع العربي"، لكنها أسهمت أيضا في تعميق الاستقطاب، وتآكل المجال العام، وتراجع الثقة بالحقيقة نفسها.
ومع نهاية ربع قرن، بلغ هذا المسار ذروته مع صعود الذكاء الاصطناعي. لم تعد المسألة تتعلق بسرعة تداول المعلومات، بل بقدرة التكنولوجيا على إنتاج المعرفة، وتوجيه السلوك، والتأثير في القرارين السياسي والاقتصادي. بات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات من معايير القوة الدولية، شأنه شأن الجيوش والطاقة والمسيرات، وهو مجال تتسابق فيه القوى الكبرى، بينما تحاول بعض الدول العربية الانتقال من موقع المستهلك إلى موقع المنتج.
التعبير الأوضح عن "أميركا الجديدة" قرار ترمب شنّ عملية عسكرية لإسقاط مادورو ونقله وزوجته إلى الولايات المتحدة، ثم قوله الأمور على حقيقتها بلا مواربة: نريد "إدارة" فنزويلا، ونريد النفط
بالتوازي، بدأ النظام الدولي نفسه يتفكك. تراجعت فكرة الهيمنة الأميركية المطلقة، لا بفعل هزيمة واحدة، بل نتيجة استنزاف طويل، وأزمات داخلية، وصعود قوى بديلة. وبرز النموذج الصيني بوصفه تحديا مباشرا للفكرة الغربية التي ربطت التنمية بالديمقراطية الليبرالية: دولة قوية، اقتصاد منضبط، تكنولوجيا متقدمة، ونفوذ متزايد، من دون تبنّي القيم السياسية الغربية.
ثم جاء التحول الشعبوي داخل الولايات المتحدة ليكمل هذا الانعطاف. ومع صعود خطاب "أميركا أولا"، وعودة دونالد ترمب إلى الواجهة في 2025، لم تعد واشنطن ترى نفسها حامية للنظام الدولي، بل طرفا يعيد تعريف التزاماته وفق مصلحته الضيقة. تُركت أوروبا، الحليف التاريخي، لمصيرها، أو أُجبرت على تحمّل أعباء أمنها ومواجهة الاختبارات الروسية القاسية في أوكرانيا، كما تعكسه بوضوح استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة التي تتعامل مع العالم بوصفه ساحة منافسة لا منظومة قيم مشتركة. وهي استراتيجية أعادت أميركا إلى منطق "الحديقة الخلفية"، فصار تثبيت النفوذ في أميركا اللاتينية أولوية، وتحولت الولايات المتحدة من شرطي العالم إلى لاعب إقليمي كبير في محيطه القريب.
وكان التعبير الأوضح عن "أميركا الجديدة" قرار ترمب شنّ عملية عسكرية لإسقاط مادورو ونقله وزوجته إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات بتهريب المخدرات، ثم قوله الأمور على حقيقتها بلا مواربة ودون شعار "نشر الديمقراطية": نريد "إدارة" فنزويلا، ونريد النفط، وأن تستثمر فيه شركاتنا. إنه يوم يطوي ربع قرن ويفتح صفحة مرحلة جديدة ستترك آثارها في أميركا اللاتينية والعالم… والشرق الأوسط أيضا.
وسط هذا التحول من عالم أحادي إلى عالم بلا مركز واضح، وجد العرب أنفسهم أمام سؤال وجودي: هل المشكلة في نظام دولي متغيّر، أم في غياب مشروع عربي قادر على المبادرة؟ هل كانوا ضحايا صراعات القوى الكبرى، أم أسرى انقساماتهم وتأجيلهم المزمن للإصلاح وبناء الدولة؟
2026 بدأت بتغيير مادورو. وما سيحمله الربع قرن المقبل لن يُحسم بالصدفة، بل بقدرة العالم على إدارة تناقضاته، وبقدرة العرب على الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الفاعل
خلال السنوات الأخيرة، بدأت بعض الدول العربية تعيد التموضع، عبر مراجعة نماذج الاقتصاد، والاستثمار في الاستقرار والتعليم والتكنولوجيا، والابتعاد عن الأوهام الأيديولوجية. في المقابل، ما زالت دول أخرى عالقة في صراعات مفتوحة، بعد أكثر من عقد على "الربيع العربي". وبين المسارين، تتشكّل خريطة عربية جديدة، أكثر برغماتية، لكنها تفتقر إلى رؤية جماعية في عالم سريع التحول. وبين هذا وذاك، جاءت هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتفتح الباب أمام تغييرات كبرى في الشرق الأوسط، أضعفت نفوذ إيران و"محور الممانعة"، وعززت نفوذ إسرائيل في الإقليم.
فتحنا في "المجلة" ملف ربع قرن لا يقدّم رواية واحدة، ولا يسعى إلى إصدار حكم نهائي على مرحلة مضطربة، بل يفتح، عبر مقالات كتّاب من اتجاهات مختلفة، نقاشا عميقا حول السياسة والعلم والنظام الدولي والاقتصاد والثقافة، ومكان العرب في عالم لم يعد غربيا خالصا، ولم يستقر بعد على بديل واضح.
ربع قرن مضى. ولسنا أمام نهاية قصة، بل أمام فصل مفتوح. 2026 بدأت بتغيير مادورو. وما سيحمله الربع قرن المقبل لن يُحسم بالصدفة، بل بقدرة العالم على إدارة تناقضاته، وبقدرة العرب على الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الفاعل، ومن انتظار التحولات إلى المشاركة في صنعها.