مسعود بارزاني… الرابح الهادئ

لا يتصدر العناوين دائماً، لكنه حاضر في تفاصيل التفاهمات ومسارات يريدها أبعد من حدود كردستان العراق.

مسعود بارزاني… الرابح الهادئ

استمع إلى المقال دقيقة

خلال المعارك بين الجيش السوري و"قوات سوريا الديمقراطية" وما تلاها من قنوات تفاوض بين الرئيس أحمد الشرع، وقائد "قسد" مظلوم عبدي، وصولا إلى الوفد المشترك من وزير الخارجية أسعد الشيباني وعبدي، في لقاءات سياسية بميونيخ، تركزت الأنظار على خرائط السيطرة وترتيبات الأمن وحدود النفوذ وبنود الشراكة في سوريا. لكن خلف هذا المشهد الصاخب، كان ثمة رابح هادئ يتقدم بخطوات محسوبة: مسعود بارزاني.

لم يكن صعود دور بارزاني في المشهد السوري وليد لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم سياسي وشبكة علاقات جعلته الوسيط المقبول لدى أطراف متباعدة، من دمشق إلى قيادة "قسد"، مروراً بأنقرة وواشنطن. وفي لحظة تتقاطع فيها مصالح متناقضة، برزت أربيل كمساحة مشتركة نادرة، وبات اسم بارزاني الممر من دون كلفة مرتفعة.

أول مؤشرات هذا التحول تمثل في قبول مختلف الأطراف بدور الوساطة الذي اضطلع به، بما في ذلك استضافة اللقاءات غير المعلنة والاتصالات الحساسة. ولم يكن تفصيلاً عابراً أن تستضيف أربيل لقاءات بين مظلوم عبدي وتوم باراك مبعوث الرئيس دونالد ترمب ومسؤولين أميركيين، في إشارة إلى أن الإقليم بات منصة مفضلة لهندسة ملفات الشمال الشرقي السوري، لا مجرد جار جغرافي.

على الأرض، ظهرت رمزية الدور الجديد في مشاهد رفع صور بارزاني وأعلام كردستان في مناطق من شمال شرقي سوريا المزدحمة بصور زعيم "حزب العمال الكردستاني" عبدالله أوجلان، في تعبير سياسي واجتماعي عن انتقال مركز الثقل المعنوي لدى شريحة من الأكراد، خصوصا أن هذا تزامن مع انتقادات لـبعض قادة "العمال الكردستاني". وترافق ذلك مع حضور إنساني عبر نشاط المؤسسات الخيرية المرتبطة بالإقليم والزعيم مسعود بارزاني، والتي تحولت إلى قناة أساسية لتوزيع المساعدات، ما عزز النفوذ الناعم في بيئة تعاني ضغوطاً اقتصادية ومعيشية قاسية.

أما معبر سيمالكا، فبقي الشريان الحيوي الذي يربط مناطق "قسد" بالعالم الخارجي، ما يمنح أربيل ورقة تأثير عملية في أي ترتيبات مستقبلية، ويجعل من التنسيق مع الإقليم ضرورة يومية لا خياراً سياسياً فحسب.

إقليمياً، تزداد أهمية أربيل مع إعادة تموضع القوات الأميركية. فمع تقليص الوجود العسكري في سوريا بدءا بالانسحاب من قاعدة التنف ومن قواعد في العراق مثل عين الأسد، يتعزز وزن القواعد الأميركية في أربيل باعتبارها نقطة ارتكاز أكثر استقراراً، وهو ما ينعكس تلقائياً على مكانة القيادة الكردية هناك في حسابات واشنطن، في وقت يسعى فيه بارزاني إلى تقديم نفسه مرجعية كردية أوسع وسط مساع في الكونغرس الأميركي لتمرير قانون "حماية الأكراد".

عقيدة "الحزب الديمقراطي الكردستاني" أقرب لمزاج أهل مناطق الجزيرة السورية من أفكار "حزب العمال الكردستاني"... العشيرة والعائلة أقرب لهم من "ديمقراطية الشعوب"

سياسياً، أي مسار يؤدي إلى تراجع نفوذ قيادات "حزب العمال الكردستاني" داخل سوريا يفتح المجال أمام صعود أكبر لـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني"، الذي يقدم نفسه بديلاً أقل تصادمية مع الإقليم وأكثر قابلية للتفاهم مع تركيا والغرب. وهذا التحول لا يتعلق فقط بموازين القوى العسكرية، بل أيضاً بطبيعة الخطاب السياسي. ولم تكن صدفة جولات "المجلس الوطني الكردي" حليف بارزاني، إلى دمشق وأربيل ولقاءات قادته بالشرع، والدفع نحو الانتقال من العسكرة إلى السياسة. أي ترجمة المرسوم الرئاسي حول الحقوق الكردية في الإعلان الدستوري بأدوات سياسية وليس مواجهات عسكرية ووضع آليات لهندسة ذلك في المؤسسات السورية.

فالعقيدة التي يتبناها "الحزب الديمقراطي الكردستاني" أقرب إلى المزاج الاجتماعي في مناطق الجزيرة السورية من أفكار "حزب العمال الكردستاني"... العائلة والعشيرة والتدرج في التغيير أقرب لهم من الخطاب الأيديولوجي اليساري العابر للحدود الذي تطرحه مدارس "ديمقراطية الشعوب". ومع ضغوط الحرب والاقتصاد، تميل المجتمعات غالباً إلى النماذج الأكثر استقراراً ووضوحاً.

مسعود بارزاني اختار أن يلعب دور "الرابح الهادئ": لا يتصدر العناوين دائماً، لكنه حاضر في تفاصيل التفاهمات ومساراتها بحدود يريدها أبعد من كردستان العراق

اقتصادياً، يضيف نموذج أربيل بعداً آخر لهذا الصعود. فالإقليم يقدم تجربة في الإدارة والانفتاح والاستثمار، رغم التحديات، تجعل منه مرجعاً عملياً يتجاوز الإطار القومي الضيق، ويغري قطاعات من السكان الباحثين عن فرص وحياة أكثر استقراراً. وفي زمن تتقدم فيه الاعتبارات المعيشية على الشعارات، يصبح النموذج الاقتصادي جزءاً من أدوات النفوذ.

كل ذلك لا يعني أن الطريق أمام بارزاني خالٍ من التعقيدات. فالتوازنات السورية لا تزال هشة، والتفاهمات الدولية قابلة للتبدل، كما أن المنافسة داخل البيت الكردي موجودة. وهذا التمدد يثير تحفظات لدى أطراف كردية أخرى وحسابات دقيقة لدى دمشق وأنقرة. غير أن قراءة هادئة لمسار الأحداث تشير إلى أن أربيل نجحت، حتى الآن، في تحويل الجغرافيا والعلاقات إلى رصيد سياسي متنامٍ.

في لحظة إعادة رسم خرائط النفوذ في سوريا والعراق، يبدو أن مسعود بارزاني اختار أن يلعب دور "الرابح الهادئ": لا يتصدر العناوين دائماً، لكنه حاضر في تفاصيل التفاهمات ومسارات يريدها أبعد من حدود كردستان العراق.

font change