الدولة ضد الفوضى... أمن البحر من البر

في ملف "تكتل إقليمي ضد تمزق القرن الأفريقي"، نفتح الباب على سؤال: هل تتجه هذه الخريطة لتكون فضاء منظما تحكمه دول قادرة، أم منطقة رمادية تعيش على حافة الفوضى؟

الدولة ضد الفوضى... أمن البحر من البر

استمع إلى المقال دقيقة

على امتداد البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا تتجاور الأزمات كما توحي الخريطة، بل تتشابك وتتعاضد. ما يبدو للوهلة الأولى صراعات منفصلة في اليمن والصومال والسودان، هو في العمق أزمة واحدة تتخذ أشكالا متعددة، وتتحرك في جغرافيا لا تسمح بالخطأ ولا تحتمل الفراغ. هنا، حيث تمر التجارة العالمية وتتشابك القواعد العسكرية ومصالح القوى الكبرى، يصبح غياب الدولة خطرا يتجاوز حدود الداخل، ويمتد أثره من الموانئ إلى الممرات، ومن البرّ المضطرب إلى البحر القلق، ويعزز فكرة أن أمن البحر يأتي من البر، ويستحضر فكرة التعاضد الإقليمي لمنع إفلات الأزمات.

"تكتل إقليمي ضد تمزق القرن الأفريقي" عنوان قصة غلاف "المجلة" لشهر فبراير/شباط الذي يصادف الذكرى الثالثة لإعادة إطلاقها والذكرى الـ46 لتأسيسها، حيث نتناول هذا الملف متعدد الجوانب من جميع زواياه.

لم يعد البحر الأحمر والقرن الأفريقي مجرد ممر مائي وحوض حيوي بين القارات، بل تحوّل في بعض جيوبه إلى مرآة تعكس هشاشة الدولة. فحين تضعف السلطة المركزية أو تتشظى في بعض الدول، لا تعود المياه خط دفاع طبيعيا، بل تتحول إلى مساحة للابتزاز والتهديد واقتصاد الظل. الموانئ تصبح أدوات صراع، والسواحل تتحول إلى مناطق نفوذ، والمضائق تخرج من منطق السيادة إلى حسابات القوة. في هذه البيئة، لا تحتاج الفوضى إلى أن تكون معلنة كي تكون فاعلة. يكفي أن يغيب المركز، وأن يتعدد السلاح، وأن يُترك القرار السيادي معلقاً.

لم يعد البحر الأحمر والقرن الأفريقي مجرد ممر مائي وحوض حيوي بين القارات، بل تحوّل في بعض جيوبه إلى مرآة تعكس هشاشة الدولة

في اليمن، لم يعد البحر هامشا للصراع، بل صار أحد وجوهه. فمع تراجع الدولة وتعدد اللاعبين والميليشيات، دخلت البلاد في معادلة التجاذب، وتحوّل أحد أهم شرايين الملاحة العالمية إلى عنصر ضمن صراعات محلية لا تملك القدرة ولا الشرعية لإدارته. الخطر هنا لا يقتصر على تهديد السفن أو خطوط الإمداد، بل يتجسد في انهيار الفكرة التي تجعل حماية الممرات البحرية التزاما سياديا لا ورقة ضغط. حين تفقد الدولة وحدتها، يصبح البحر امتدادا للفوضى البرية. والصورة لا تختلف كثيرا على الضفة المقابلة. في الصومال، حيث يمتد واحد من أطول السواحل في أفريقيا. ظل البحر لعقود رهينة ضعف الدولة وتنازع السلطات. القرصنة التي هزّت التجارة العالمية في سنوات سابقة لم تكن ظاهرة عابرة، بل نتاج مباشر لفراغ عميق، سمح لقوى الأمر الواقع بأن تحل محل الدولة. ورغم التحسن النسبي في بنية الحكم، لا يزال التحدي قائما: من يملك القرار على الساحل؟ ومن يفرض القانون باسم الدولة لا باسم الانفصال؟

في هذا الواقع، يبدو الرهان الدولي على عسكرة البحر الأحمر محاولة لمعالجة النتائج لا الأسباب، وزرع ألغام جديدة بدل تفكيك الموجودة

 أما السودان، فإن أزمته تتجاوز حدود الجغرافيا المعتادة. تفكك دولة بهذا الحجم، وبهذا الامتداد الساحلي، يعني عمليا فتح ثغرة استراتيجية على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر. الصراع الدائر ليس مجرد نزاع على السلطة، بل مواجهة بين منطق الدولة الواحدة ومنطق القوى المسلحة الموازية التي تمتلك سلاحها واقتصادها وقرارها المستقل.

ما يجمع هذه الحالات ليس تشابه السياقات السياسية أو التاريخية، بل حقيقة واحدة: غياب الدولة أو ضعفها يحوّل الجغرافيا الحساسة إلى عبء، ويجعل البحر مسرحا مفتوحا لتصفية الحسابات، ويجعل فرض التقسيم أو الأقاليم، خطرا على الداخل والجوار. في هذه المنطقة، لا توجد فوضى محلية معزولة، ولا نزاعات يمكن احتواؤها داخل الحدود. كل فراغ على اليابسة يجد طريقه سريعا إلى البحر، وكل سلاح منفلت على البرّ ينعكس تهديدا عابرا للحدود، وتهديدا للأمن الإقليمي لدول مجاورة. ورغم التجارب المتعددة مع أنماط الحكم، لا بديل عمليا عن الدولة، ليس بوصفها شعارا أيديولوجياً أو حنينا إلى المركزية، بل كإطار حدّ أدنى يمنع الانهيار الشامل. لا مناص من توحيد البندقية واحتكار الدولة للسلاح. أما البديل، فكُتب واختُبر مرارا وعُرفت مراراته في هذه الجغرافيا، ولم يكن سوى فوضى مسلحة، واقتصاد حرب، وتسويات هشة تؤجل الانفجار ولا تمنعه، وجروح يعجز الدهر عن معالجتها.

في ملف "تكتل إقليمي ضد تمزق القرن الأفريقي"، نفتح الباب على سؤال: هل تتجه هذه الخريطة لتكون فضاء منظما تحكمه دول قادرة، أم منطقة رمادية تعيش على حافة الفوضى؟

في هذا الواقع، يبدو الرهان الدولي على عسكرة البحر الأحمر محاولة لمعالجة النتائج لا الأسباب، وزرع ألغام جديدة بدل تفكيك الموجودة. البوارج قد تحمي السفن مؤقتا، لكنها لا تعيد بناء دولة، ولا تمنع عودة التهديد ما دام الفراغ قائما على الضفاف. أمن هذا البحر لا يبدأ من المياه، بل من البرّ؛ من دول متماسكة قادرة على فرض القانون، وتحويل الساحل من نقاط ضعف إلى روافع استقرار.

في ملف "تكتل إقليمي ضد تمزق القرن الأفريقي"، نفتح الباب على سؤال: هل تتجه هذه الخريطة لتكون فضاء منظما تحكمه دول قادرة، أم منطقة رمادية تعيش على حافة الفوضى؟ بين هذين الخيارين، لا توجد منطقة وسطى. فكل تأجيل لحسم مسألة الدولة، وكل تطبيع مع التشظي، لا يعني الحياد، بل يعني الانحياز الصامت لانفجار مؤجل لا تريده الدول الإقليمية الفاعلة صاحبة القرار والمبادرة.

font change