المشكلة في المفاوضات الأميركية–الإيرانية ليست في التفاصيل التقنية للملف النووي أو حدود التخصيب أو في آليات التحقق وترسانة الباليستي والوكلاء وحسب. بل إن المشكلة أعمق، طهران تفاوض إدارة دونالد ترمب بعقلية تشكّلت في زمن باراك أوباما، وكأن العالم لم يتغيّر، وميزان القوى الإقليمي لم ينقلب، وقواعد اللعبة لا تزال نفسها.
في 2015، وقّعت إيران الاتفاق النووي في ظل إدارة باراك أوباما التي فصلت الملف النووي عن الصواريخ والنفوذ الإقليمي، وقبلت عملياً بتقدّم إيران الاستراتيجي مقابل قيود نووية. كان ذلك نتاج لحظة استثنائية: رئيس أميركي مستعد للمرافعات القانونية والتسويات الدبلوماسية، بيئة دولية مواتية، وإيران في صعود إقليمي.
لم يعمّر الاتفاق كثيرا. جاء ترمب في 2017 ومزق "النووي" في2018 ، وفرض "الضغط الأقصى"، واغتال قاسم سليماني في 2020.
وزمن إدارة جو بايدن، راهنت إيران في فيينا 2022 على أن حرب أوكرانيا ستقسّم الغرب وترفع حاجته للطاقة لتعويض النقص الروسي ما سيحسّن موقعها التفاوضي ويرفع أهمية ثرواتها. لم يحدث ذلك. الوقوف على أطلال نهج أوباما، ضيع فرصة اتفاق كان يمكن أن يخفف العقوبات.
وفي عهد ترمب الثاني، راهنت طهران في يونيو/حزيران 2025 على مفاوضات مسقط وروما وتمديد مهلة الـستين يوما التي وضعها ترمب. سعت إلى شراء الوقت والفصل بين الملفات، كما فعلت خلال إدارة أوباما، لكن الأخير فاجأها بقصف المنشآت النووية وكأنه استعمل المفاوضات والمهلة للتضليل.
اليوم تتكرر القصة، لكن المخاطر أكبر. رسائل ترمب واضحة: اتفاق يتناول النووي والصواريخ والدور الإقليمي خلال مهلة محدودة، أو تصعيد مفتوح مهد له بانتشار عسكري غير مسبوق بالإقليم. ومفاوضه ليس من مدرسة التسويات والكلمات والتدرّج البيروقراطي والتفاوض لأسابيع وأشهر حول عبارة أو مبدأ، بل من مدرسة الضغط المباشر والصواريخ والصفقات، مدعوماً بتعزيزات عسكرية ورسائل ردع لا لبس فيها.
ثمة فجوة في فهم الزمن نفسه. واشنطن تتصرف بإيقاع سريع يسعى إلى نتائج ملموسة، بينما تراهن طهران على إطالة المسار. تفترض أن التصعيد وإغلاق مضيق هرمز والمناورات وتهديدات الوكلاء، أدوات ضغط للوصول إلى تسوية مألوفة، في حين لا يستبعد صانع القرار الأميركي الذهاب أبعد إذا لم تتحقق مطالبه.
المفارقة أن المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في الجمود المؤسسي. مفاوض يفكر ضمن قوالب أثبتت نجاحها سابقاً، لكنها لم تعد صالحة لمرحلة جديدة
لا شك أن إيران تدرك أن "أميركا ترمب" ليست "أميركا أوباما"، وأن الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ليس الشرق الأوسط الذي سمح لإيران بتوسيع نفوذها عبر الهلال الممتد من طهران إلى البحر المتوسط. سوريا لم تعد قاعدة ارتكاز كما كانت، وقدرات وكلاء إيران تعرضت لضربات، والعراق يعيد تموضعه، فيما يتقلص هامش المناورة الذي شكّل لعقود جزءاً من عقيدة الردع الإيرانية.
المفارقة أن المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في الجمود المؤسسي. مفاوض يفكر ضمن قوالب أثبتت نجاحها سابقاً، لكنها لم تعد صالحة لمرحلة جديدة.
الثقة بقدرة النظام على الصمود، وهي عنصر قوة، قد تتحول في لحظة معينة إلى نقطة ضعف إذا أدت إلى التقليل من تقدير المخاطر. في الداخل، يتداخل النقاش بين الوضع المعيشي والتموضع السياسي، بين رعب الانهيار ونشوة الصمود، بين تيار يرى التفاوض ضرورة وآخرين يقيمون في عصر "الصبر الاستراتيجي" في زمن "اللايقين الترمبي".
التاريخ الإيراني مليء بلحظات اضطر فيها القادة إلى اتخاذ قرارات مؤلمة، من "كأس السم" عام 1988، إلى قبول الهزيمة في سوريا و"ساحات" أخرى، حين فرض الواقع نفسه
لكن العامل الحاسم يبقى في قراءة نيات الطرف الآخر. ترمب، بخلاف أوباما، لا يميل إلى شراء الوقت. يحب المهل والإنذارات ولا يلتزم بهما. لهذا، فإن السؤال ليس ما إذا كانت المفاوضات ستنجح أم ستفشل، بل ما إذا كانت طهران ستدرك أن قواعد اللعبة تغيّرت. فالتاريخ الإيراني مليء بلحظات اضطر فيها القادة إلى اتخاذ قرارات مؤلمة، من "كأس السم" عام 1988، إلى قبول الهزيمة في سوريا و"ساحات" أخرى، حين فرض الواقع نفسه.
اليوم تقف إيران أمام اختبار مشابه، لكن في بيئة أكثر تعقيداً وأقل تسامحاً مع الحسابات الخاطئة. وفي سياسات حافة الهاوية، لا تندلع الحروب عادة لأن الأطراف تريدها، بل لأن كل طرف يعتقد أن الآخر سيتراجع. وإذا استمرت طهران في التفاوض وكأنها تفاوض أوباما، فقد تكتشف متأخرة أن الزمن هذه المرة لا يعمل لصالحها وأن ترمب هو الرئيس.