إيران بين النصيحة وترمب

برعت طهران في العقود الماضية في تقديم "النصيحة" لوكلائها وشراء الوقت لنفسها، وشرب الخميني قبل عقود "كأس العلقم" وأوقف الحرب مع العراق، فهل يقبل خامنئي النصيحة ويتخذ "القرار المر"؟

إيران بين النصيحة وترمب

في ليبيا عام 2011، ومع توسّع الاحتجاجات وتحولها إلى تهديد وجودي للنظام، وصل مسؤول استخباراتي غربي إليها سرا، والتقى موسى كوسا، أحد الأعمدة الأمنية والسياسية في نظام معمر القذافي. النصيحة كانت مباشرة. تنحّي القذافي بات ضرورة لتفادي سيناريو دموي. لم يكن العرض أنيقا. كوسا خاف من "الأخ العقيد" أكثر مما خاف من الانهيار. ارتعب من الرسالة أكثر من المرسل. فاختار معمر القذافي القتال واختار كوسا الانشقاق. انتهت المعركة سريعا، لكن النهاية كانت دامية. القذافي قُتل بطريقة مهينة، والدولة تفككت، وكوسا نفسه انتهى لاجئا خارج ليبيا.

قبل ذلك، في 2003. جاءت نصيحة أخرى إلى القذافي. التخلي عن جميع أسلحة الدمار الشامل مقابل الخروج من العزلة والتخلص من العقوبات. اختار "الأخ العقيد" استمرارية النظام وتمهيد الطريق لتوريث ابنه سيف الإسلام الذي قتل قبل أيام.

تكرّر المشهد في سوريا. في 2011 تصاعدت الاحتجاجات. التقى مسؤول غربي سرا في دولة أوروبية، بمبعوث بشار الأسد، ناقلا عرضا بالتنحي لبدء انتقال سياسي يلبي مطالب المتظاهرين ويحافظ على المؤسسات. تُركت النصيحة في أحد فنادق جنيف. لم تصل إلى قصر "السيد الرئيس" الذي اختار الإمعان في الدم و"الحل الأمني". والاغتيال كان لمن فكّر في "حل ينقذ النظام".

في نهاية 2013، جاءت نصيحة من "المرشد" علي خامنئي والرئيس فلاديمير بوتين لبشار الأسد. التخلي عن السلاح الكيماوي مقابل بقاء "الرأس" وتجنب ضربات أميركية تسرع الانهيار. اختار مقايضة الكيماوي مقابل بقاء النظام.

صمد بشار الأسد، لا بقوته الذاتية، بل بفعل التدخل الخارجي. أنقذه خامنئي عبر المال والميليشيات، ثم جاءت روسيا لتوفّر الغطاء. ومع تدخل بوتين عام 2015، تغيّر ميزان القوى. تأجل مصير الأسد ولم يتغير. في نهاية 2024، تدخل بوتين مرة أخرى، لإنقاذ الأسد من مصير القذافي. استضافه لاجئا في موسكو واستقبل خليفته أحمد الشرع رئيسا في الكرملين. قال إنه لن يسلمه لأنه "يحترم كلمته". أنقذه من سيناريو القذافي سابقا، يريد إنقاذه من سيناريو صدام.

في فنزويلا، عُرض على نيكولاس مادورو مخرج أقل كلفة. أبلغه دونالد ترمب "نصيحة" واضحة. تسوية ولجوء إلى تركيا. رفض مادورو، مفضّلا البقاء في القصر. فاجأه ترمب بعملية عسكرية وضعته وراء قضبان أميركية. أطيح بـ"الرأس"، وباتت أميركا "تدير" الجسد.

القاسم المشترك في هذه الأمثلة ليس سقوط الأنظمة بحد ذاته، بل اللحظة التي تصبح فيها النصيحة ممكنة، ثم تُرفض. لا تشبه إيران ليبيا ولا سوريا ولا فنزويلا في كل شيء، لكنها تشبهها في لحظة أخطر. حين تضيق مساحة المناورة، ويتحوّل القرار من إدارة أزمة إلى اختيار مصير.

ترمب استمع إلى نصائح شركاء وحلفاء أساسيين، لإعطاء فرصة للحل الدبلوماسي. "المرشد" استمع لنصائح دول فاعلة لا تريد فوضى في الإقليم، وقبِل التفاوض المباشر مع "الشيطان الأكبر"

المشهد الراهن يوحي بسباق واضح بين مسارين. دبلوماسية قسرية، وخيار عسكري. طاولة تفاوض و"يد على الزناد". ترمب لوح بـ"سيناريو فنزويلا"، وقال إن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة يفوق ذلك الذي انتشر في البحر الكاريبي.

ترمب استمع إلى نصائح شركاء وحلفاء أساسيين، لإعطاء فرصة للحل الدبلوماسي. ويستمع لطلبات نتنياهو حول "تصفير" التخصيب وتحديد مدى البالستي وقطع الأوكسجين عن الميليشيات. "المرشد" استمع لنصائح دول فاعلة لا تريد فوضى في الإقليم، وقبِل التفاوض المباشر مع "الشيطان الأكبر".

ترمب نقل شروطه الشاملة من وقف القمع إلى تنازلات جيوسياسية. مبعوثه ستيف ويتكوف، الذي يفاوض وزير الخارجية عباس عراقجي، لخّص الموقف الراهن في مطالب محددة: وقف تخصيب اليورانيوم وعسكرة البرنامج النووي، تسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية؛ وإنهاء دور الميليشيات العابرة للحدود، من لبنان إلى العراق واليمن، التي أُضعفت كثيرا في السنتين الماضيتين.

برعت طهران في العقود الماضية في تقديم "النصيحة" لوكلائها وشراء الوقت لنفسها، وشرب الخميني قبل عقود "كأس العلقم" وأوقف الحرب مع العراق، فهل يقبل خامنئي النصيحة ويتخذ "القرار المر"؟

إيران مستعدة لتفاوض على حل وسط في البرنامج النووي وتسليم المخصب دون المساس بالبالستي والميليشيات، أي تقديم تنازلات مع إبقاء ضمانات لاستمرارية النظام. هل يقبل ترمب بهذا؟ في منتصف العام الماضي، كان الخيار مشابها لكن أقل اتساعا وعمقا. "ضربة أو صفقة". عندما رفضت طهران عرض ترمب "الدبلوماسي" باتفاق حول البرنامج النووي، تعرضت لغارات أميركية غير مسبوقة أعادت برنامجها إلى الوراء.

في لحظات التحوّل الكبرى، غالبا ما تُمنَح فرصة لنصيحة. تسوية قاسية لكنها منقذة، أو مواجهة مفتوحة تُراكم الخسائر حتى الانهيار. التاريخ الحديث مليء بأنظمة كثيرة عُرض عليها الخيار، وقدمت لها نصيحة فاختارت المواجهة… ودَفْع الثمن.

إيران بين النصيحة ورئيسٌ أميركيٌ هو دونالد ترمب الذي يريد "فرض السلام بالقوة" ولا يعرف أحد سواه ماذا سيقرر في آخر لحظة. وطهران برعت في العقود الماضية بتقديم "النصيحة" لوكلائها وشراء الوقت لنفسها، وشرب الخميني مؤسس "الثورة" التي تحتفل حاليا بذكراها الـ47 "كأس العلقم" وأوقف الحرب مع العراق قبل عقود، فهل يقبل خامنئي النصيحة من دول إقليمية ويتخذ "القرار المر"؟

font change