احتجاجات إيران... "طوفان" السنوار و"مطرقة" ترمب

هل سيحصل التغيير في طهران؟ الجواب النهائي لن يأتي من واشنطن ولا من تل أبيب، بل من طهران

احتجاجات إيران... "طوفان" السنوار و"مطرقة" ترمب

استمع إلى المقال دقيقة

ما يقوله خبراء إيران، وما تشير إليه الوقائع المتراكمة، أن موجة الاحتجاجات الحالية تختلف عن سابقاتها، لأسباب داخلية معروفة، وأخرى خارجية تبدو الأهم.

داخليا، اتسعت رقعة الاحتجاجات على نحو لافت؛ إذ انطلقت الشرارة من تجار البازار في طهران بسبب انهيار العملة المحلية، قبل أن تمتد إلى عشرات المواقع في محافظات ومراكز عدة. وبرزت هذه المرة مشاركة البازار أحد "أعمدة النظام" والطلاب وبعض القوميات وبعض غض الطرف من رجال الأمن، ما يمنح الحركة بُعداً أوسع من مجرد احتجاج معيشي عابر.

لكن إيران شهدت في السابق انتفاضات أوسع وأكثر صمودا، ولم يحصل التغيير. لذلك لا تكمن أهمية اللحظة الراهنة في اتساع الاحتجاجات وحده، بل في البيئة الاستراتيجية الإقليمية والدولية التي تجري فيها. فالفرق الجوهري هذه المرة خارجي؛ إذ تقف إيران اليوم في وضع مختلف جذريا عمّا واجهته في موجات سابقة، حين كان المحتجون يواجهون نظاما ما يزال يحتفظ بهالة نفوذ إقليمي ومبدأ "الردع المتقدم" وشبكة ميليشيات عابرة للحدود شكّلت ما عُرف بـ"محور الممانعة".

غير أن التحول الأعمق يعود إلى السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فـ"الطوفان" الذي قاده قائد "حماس" يحيى السنوار على "غلاف غزة" لم يكن حدثا فلسطينيا–إسرائيليا فحسب، بل لحظة مفصلية غيّرت الشرق الأوسط؛ إذ منح بنيامين نتنياهو الذريعة للانتقال من منطق إدارة الصراع وفق "قواعد اللعبة" و"حرب الظل" والتصعيد المحسوب، إلى الحروب الفعلية وإعادة رسم قواعد الاشتباك وتجاوز جميع "الخطوط الحمراء" في الإقليم.

كانت تلك، في المحصلة، "هدية" من يحيى السنوار إلى علي خامنئي الذي التقى بالسنوار سابقا ثم مدح هجومه "المفاجئ" في 7 أكتوبر. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد إسرائيل تكتفي بتحقيق مكاسب تكتيكية، بل باتت ترى أن إضعاف إيران، وربما دفع نظامها إلى حافة الانهيار، هدفٌ قابل للتحقق. فنظام أنهكه الانهيار الاقتصادي، وتعرّض لضربات عسكرية في عمقه الجغرافي، وتراجع نفوذه الإقليمي، يصبح أكثر هشاشة عندما يواجه اضطرابا داخليا واسعا.

كانت الإشارة الأوضح خلال حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل، حين بدت إيران كأنها تقاتل وحدها، من دون انخراط فعّال من حلفائها أو وكلائها

اليوم تداعى "محور طهران"، بل يمكن القول إنه تلقى هزيمة استراتيجية، ولم يعد "محور الممانعة" كما كان. ففي سوريا، تغيّرت المعادلة بسقوط بشار الأسد على نحو قطع تمدد طهران، وقطع خطوط الإمداد إلى "حزب الله"، الذي تعرّض بدوره لضربات كبيرة في القيادة والداخل والإقليم. أما في العراق، فالميليشيات المقرّبة من طهران منقسمة، ومشغولة بصراعات داخلية وحسابات محلية وتوازنات مع الدولة، أكثر من استعدادها لخوض مواجهة إقليمية مفتوحة. وفي اليمن، وجد الحوثيون أنفسهم في زاوية ضيقة، تحت ضغط عسكري وسياسي متزايد، وبقدرة محدودة، استعراضية، على التصعيد خارج المسرح اليمني من دون تعريض مكاسبهم الهشة للخطر.

وكانت الإشارة الأوضح خلال حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل، حين بدت إيران كأنها تقاتل وحدها، من دون انخراط فعّال من حلفائها أو وكلائها، "حزب الله" والميليشيات العراقية والحوثيين. وهي سابقة كسرت عمليا فكرة "وحدة الساحات"، وكشفت حدود الالتزام داخل "المحور" نفسه.

زادت الرسالة "الترمبية" وضوحا مع العملية ضد حليف طهران مادورو، والتي حملت دلالة تتجاوز فنزويلا، مفادها أن إدارة ترمب مستعدة لاستخدام القوة بسرعة وبصورة استعراضية

وتعرّضت طهران خلال حربها تلك مع تل أبيب منتصف العام المنصرم، لضربات أضعفت دفاعاتها الجوية إلى حد بعيد وقضت على قادة فيها. وأعقبت ذلك "مطرقة منتصف الليل" من دونالد ترمب، وتضمّنت قصف منشآت نووية إيرانية، بما كسر أحد أهم "المحرّمات" التي افترضت طهران ثباتها. ثم جاء تلويح ترمب المتكرر بعد اتساع الاحتجاجات، باستخدام القوة، مقرونا بسوابق فعلية، ليعمّق الإحساس بأن الولايات المتحدة قد لا تكتفي بالمراقبة من الهامش.

وزادت الرسالة وضوحا مع العملية "الترمبية" ضد حليف طهران نيكولاس مادورو في فنزويلا، والتي حملت دلالة تتجاوز كاراكاس، مفادها أن إدارة ترمب مستعدة لاستخدام القوة بسرعة وبصورة استعراضية. أميركا اعتقلت مادورو بعد ساعات من لقائه مبعوث الرئيس الصيني. وخطفت ناقلة نفط روسية بعد ساعات من نقل الرئيس الفنزويلي إلى السجون الأميركية. بوتين لم يستطع حماية مادورو في قصره مثلما لم يستطع إبقاء بشار الأسد في قصره.

الاحتجاجات تُخاض في سياق مختلف تماما بعد "طوفان" السنوار و"مطرقة" ترمب: إيران أضعف، وحلفاؤها متعبون أو غائبون، وخصومها أكثر جرأة، والمنطقة لم تعد كما كانت قبل السابع من أكتوبر

أمام سياق الداخل والخارج، هناك عامل تقدّم عمر "المرشد" علي خامنئي، وما يفتحه من أسئلة داخل بنية النظام نفسه. فكثيرا ما ركب طامحون في أنظمة كثيرة موجات الثورات والاحتجاجات لإجراء "عمليات جراحية" في بنية الحكم. وكثيرا ما استغل معاندون تهديدات "الشيطان الأكبر"، لتبرير جولات من القمع، بل إن بعض قادة "الحرس"، اقترح استيراد ميليشيات خارجية للانخراط في مواجهات داخل إيران.

تكتسب الاحتجاجات الحالية معناها الحقيقي من سياقها؛ فهي تأتي في لحظة انكشاف استراتيجي غير مسبوق، لحظة تعرف فيها أجهزة الأمن الإيرانية أن القمع الذي نجح سابقا قد لا يكون بلا كلفة هذه المرة، ويعرف فيها المحتجون أن النظام لم يعد يمتلك أوراق الردع ذاتها.

يبقى السؤال: هل سيحصل التغيير في طهران؟ الجواب النهائي لن يأتي من واشنطن ولا من تل أبيب، بل من طهران. لكن المؤكد أن هذه الاحتجاجات تُخاض في سياق مختلف تماما بعد "طوفان" السنوار و"مطرقة" ترمب: إيران أضعف، وحلفاؤها متعبون أو غائبون، وخصومها أكثر جرأة، والمنطقة لم تعد كما كانت قبل السابع من أكتوبر.

font change