لم تعد التحالفات في الشرق الأوسط تُفهم اليوم من خلال حدود الصراع التقليدية، ولا عبر الانقسامات الأيديولوجية التي حكمت الإقليم لعقود. ما نشهده مع بداية عام 2026 هو تحوّل أعمق في منطق الاصطفاف نفسه، تقوده معركة واحدة تتخذ أشكالاً مختلفة، معركة فرض هيبة الدولة واحتكارها للسلاح، في مواجهة الميليشيات والكيانات المسلحة، مع ضمان العمق الحيوي في المحيط.
كان هذا يقع في خانة التحليل السياسي، لكنه خلال الأسابيع الماضية، انتقل إلى خانة الوقائع المتزامنة. في دول عدة بالشرق الأوسط، بدأت معارك متفرقة ظاهرياً، لكنها متصلة في جوهرها. فرض القرار المركزي واستبعاد "المحاصصة" والأقاليم. واللافت في هذه المرحلة ليس فقط تزامن المواجهات، بل طبيعتها. فالمعارك الجارية اليوم لا تُخاض لتغيير حكومات أو تعديل توازنات داخل السلطة، بل لفرض الشرعية.
في اليمن، لا يمكن قراءة المواجهة التي خاضتها الشرعية وقوات "درع الوطن" ضد "المجلس الانتقالي الجنوبي" بمعزل عن هذا السياق. فالصراع هناك يتجاوز الخلافات السياسية أو الإدارية، ليصل إلى جوهر الدولة ووحدتها. المسألة ليست شكل الحكم المحلي ولا توزيع الصلاحيات، بل كسر احتكار الدولة للسلاح وفرض وقائع تقسيم فعلية، في المحيط الاستراتيجي للجوار، بقوة الأمر الواقع، حتى وإن لم تُعلَن بصيغ دستورية أو سياسية واضحة. سرعة الحسم، من المجلس الرئاسي والتحالف، كان مؤشراً لاصطفاف جديد يدفع باتجاه توحيد البندقية ضد الميليشيات وخطوط إمدادها.
وفي السودان، بلغت هذه المعادلة ذروتها. فالدعم العسكري والسياسي واللوجستي الذي حصل عليه الجيش السوداني ضد "قوات الدعم السريع" دل إلى خريطة التحالف الجديدة. الصراع ليس شخصيا. بل مواجهة بين منطقين: الدولة والميليشيات. تجربة "حرب الجنرالين" بعد ألف يوم، كشفت بوضوح أن وجود "دويلة" بسلاح واقتصاد ومسيّرات، يعني نسخ تجربة "أرض الصومال" في الجوار والإقليم. لذلك فإن تدفق الدعم إلى الحكومة المركزية وجيشها لا يرتبط فقط بالحفاظ على وحدة جغرافية، بل برفض "الصوملة" وتقديم التفكك كحل دائم ونموذج.
هناك مكان آخر لاختبار الدعم الإسرائيلي بعد "أرض الصومال"، هو "الإدارة الذاتية" في السويداء و"حماية الدروز". في سوريا بعد عام على التغيير، بات الصراع على حقيقته. لم يعد الخلاف حول صيغ لامركزية أو ترتيبات إدارية، بل حول وحدة السلاح ووحدة القرار. المواجهات الحالية بين الجيش السوري و"قوات سوريا الديمقراطية" في حلب ومحيطها ليست تفصيلاً عسكرياً، بل عنوان لمعركة أوسع حول شكل الدولة السورية، دولة واحدة بسلطة سيادية، أم جغرافيا تُدار عبر كيانات مسلحة ذات مرجعيات خارجية. جوهر الخلاف بين الحكومة و"قسد"، هو: التشاركية. الأولى تريد احتكار القرار والسلاح والشرعية. الثانية، تريد المشاركة في القرار واللامركزية.
حسم مصير ما تبقى من ميليشيات إيرانية عابرة للحدود رهن بالتفاوض بين واشنطن وطهران مع قرب وصول المعدات العسكرية الإضافية للمنطقة
قراءة مواقف الدول الإقليمية من هذه المعركة يعطي فكرة عن تغير التحالفات. كما هو الحال في ليييا، تركيا التي أقامت علاقة قديمة مع الحكومة الشرعية في طرابلس فتحت الأبواب لعلاقة مع قائد الجيش خليفة حفتر في بنغازي. فالدعم المتزايد للحكومة الشرعية في طرابلس ضد الميليشيات- بالتوازي مع الدفع نحو المصالحة وتوحيد المؤسسات مع قوات خليفة حفتر- يعكس إدراكاً متنامياً بأن استمرار تعدد مراكز السلاح يعني تحول التشظي وقودا للاعبين.
وأمام تردد الجيش اللبناني بحسم معركته بنزع سلاح "حزب الله"، ودعوة الحكومة العراقية إلى حصر السلاح، فإن حسم مصير ما تبقى من ميليشيات إيرانية عابرة للحدود رهن بالتفاوض بين واشنطن وطهران مع قرب وصول المعدات العسكرية الإضافية للمنطقة.
معركة جديدة في الشرق الأوسط تبني تحالفات جديدة. لم يعد السؤال: من ينتصر في معركة هنا أو هناك؟ بل أي نموذج سيحكم المنطقة في السنوات المقبلة؟
القاسم المشترك بين هذه الساحات ليس تشابه الوقائع، بل وحدة الاتجاه. في كل حالة، يتكرر الدرس نفسه: حيث يتعدد السلاح يتعطل الاقتصاد وتخترق الحدود. لا استثمار بلا أمن. وليست صدفة أن خطاب أحمد الشرع استعدادا لمعركة شرق البلاد، كان يربط حصولها بالتنمية والاستثمار مع "احتكار الدولة للسلاح"، كما حصل سابقا في الخطابات الممهدة للمعارك من المجلس الرئاسي في اليمن والجيش في السودان.
هذا التحول الداخلي انعكس مباشرة على خريطة التحالفات الإقليمية. دول وقوى باتت ترى في دعم استعادة الدولة شرطاً للاستقرار الإقليمي، حتى لو استدعى ذلك مراجعة تحالفات قديمة أو فتح قنوات مع منافسي الأمس. في المقابل، بدأت عزلة القوى التي لا تزال تراهن على الميليشيات تتسع، مع تزايد كلفة هذا الخيار.
معركة جديدة في الشرق الأوسط تبني تحالفات جديدة. لم يعد السؤال: من ينتصر في "معركة الدولة" هنا أو هناك؟ بل أي نموذج سيحكم المنطقة وكيف ستغير هذه المعارك تحالفات الاقليم في السنوات المقبلة؟