الكويت في 2025... ضعف في الاستثمار وتراجع الاستهلاك

الاقتصاد يواجه ظروفا استثنائية في ظل تراجع أسعار النفط

إدوارد رامون
إدوارد رامون

الكويت في 2025... ضعف في الاستثمار وتراجع الاستهلاك

أشارت تقارير اقتصادية صادرة عن مصارف ومؤسسات كويتية إلى تراجع ملحوظ في مستويات الاستهلاك داخل البلاد خلال عام 2025. وبينت هذه التقارير أن الإنفاق الاستهلاكي انخفض بنحو 1,68 مليار دينار كويتي (نحو 5,5 مليارات دولار) خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، مما يعكس تباطؤا لافتا في الطلب المحلي.

ويثير هذا التراجع تساؤلات عن أسبابه في اقتصاد بحجم الاقتصاد الكويتي، إذ يعزو عدد من الاقتصاديين هذا الاتجاه إلى الضغوط التضخمية، مع بلوغ معدل التضخم 2,39 في المئة خلال شهر أغسطس/آب.

كما أظهرت البيانات فتورا في استخدام البطاقات المصرفية والائتمانية، التي سجلت تراجعا بنسبة 5,9 في المئة خلال الفترة نفسها.

الاقتصاد الكويتي، المعروف بارتباطه الوثيق بعائدات النفط ومستويات الإنفاق العام، واجه خلال عام 2025 ظروفا استثنائية، في ظل تراجع أسعار النفط واستمرار انخفاض الإنتاج

غير أن الاقتصاد الكويتي، المعروف بارتباطه الوثيق بعائدات النفط ومستويات الإنفاق العام، واجه خلال عام 2025 ظروفا استثنائية، في ظل تراجع أسعار النفط واستمرار انخفاض الإنتاج لأسباب عدة، أبرزها التزام تفاهمات "أوبك+" الرامية إلى خفض الإنتاج لمواجهة ضعف الطلب العالمي وتراجع الأسعار. وعلى الرغم من تسجيل الإنفاق الاستثماري نموا خلال النصف الثاني من العام، فإن ذلك لم يكن كافيا لتعويض التراجع في الإنفاق الاستهلاكي.

عملية تصحيح طبيعية

أفاد بنك الكويت الوطني، في تقرير حديث نشر في 24 ديسمبر/كانون الأول 2025، بأن إنفاق المستهلكين في البلاد تراجع بنسبة 5,4 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من العام. واستند التقرير إلى بيانات معاملات البطاقات الصادرة عن بنك الكويت المركزي.

.أ.ف.ب
البنك الوطني الكويتي، وسط مدينة الكويت في 18 يونيو 2017

واعتبر التقرير أن هذا الانخفاض في الاستهلاك قد يعكس عملية تصحيح طبيعية عقب النمو الاستثنائي الذي شهده الإنفاق منذ عام 2021. كما أعاد التراجع إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض، في ظل قيام المصارف برفع أسعار الفائدة تماشيا مع زيادات الفائدة على العملات الصعبة الرئيسة، وفي مقدمتها الدولار واليورو.

غير أن التقرير يتسم بنبرة تفاؤلية، إذ يشير إلى أن الكويت بدأت بتعزيز عوامل الجذب الاستثماري عبر إصلاحات بيروقراطية تهدف إلى تحسين بيئة الأعمال، إلى جانب تنامي ثقة المستثمرين الدوليين بقدرة الإدارة السياسية على تطوير البنية الاقتصادية.

لا يبدو سعر برميل النفط ما بين 60 و70 دولارا، كافيا لتلبية استحقاقات الإنفاق العام في الكويت، إذ قدر مسؤولون ماليون أن سعر التعادل بين الإيرادات والإنفاق يجب ألا يقل عن 90 دولارا للبرميل

كما رجح التقرير أن يتجه بنك الكويت المركزي إلى تبني سياسات نقدية أكثر تساهلا خلال الفترة المقبلة، في ضوء بدء كل من البنك المركزي الأوروبي ومجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي انتهاج سياسات تهدف إلى خفض تكلفة الاقتراض.

النفط لم يعد كافيا

شهدت أسعار النفط خلال عام 2025 مسارا هبوطيا، على الرغم من الأزمات الأمنية المتلاحقة، والعقوبات المفروضة على النفط الروسي والإيراني، إلى جانب تعقيدات الملف الفنزويلي.

وتدور الأسعار حاليا حول 62 دولارا لبرميل خام برنت و58 دولارا لخام غرب تكساس الوسيط، مع ترجيحات بانخفاضها إلى ما دون ذلك خلال الأسابيع المقبلة، رغم توقعات صادرة عن جهات نفطية دولية بارتفاعها إلى نحو 70 دولارا للبرميل قبل نهاية عام 2026.

.أ.ف.ب
حقل الزور النفطي وسط البحر جنوب العاصمة الكويت، 29 مارس 2024

غير أن هامش الاسعار، بين 60 و70 دولارا للبرميل، لا يبدو كافيا لتلبية استحقاقات الإنفاق العام في الكويت، إذ قدر مسؤولون ماليون أن سعر التعادل بين الإيرادات والإنفاق يجب ألا يقل عن 90 دولارا للبرميل. ويعد الإنفاق العام المحرك الأساس للنشاط الاقتصادي في البلاد، لما له من تأثير مباشر في الاستهلاك الخاص والعائلي، خصوصا أن الغالبية العظمى من المواطنين تعمل في القطاع الحكومي وتعتمد في دخولها على الرواتب والأجور التي تصرفها الدولة.

أظهرت بيانات حديثة تعثر عدد كبير من المؤسسات الخاصة، ولا سيما العاملة في قطاعات المطاعم والمقاهي وتوزيع السلع، إضافة إلى أنشطة خدمية أخرى

كذلك، لم يشهد العاملون الحكوميون زيادات على رواتبهم منذ سنوات، على الرغم من ارتفاع معدلات التضخم، فيما فقد عدد من الموظفين في بعض المؤسسات الحكومية امتيازات مالية ورواتب استثنائية كانوا قد حصلوا عليها خلال الأعوام المنصرمة، نتيجة قرارات حكومية، الأمر الذي انعكس سلبا على مستويات معيشتهم وأنماط إنفاقهم.

مؤشرات مقلقة للشركات

أظهرت بيانات حديثة تعثر عدد كبير من المؤسسات الخاصة، ولا سيما العاملة في قطاعات المطاعم والمقاهي وتوزيع السلع، إضافة إلى أنشطة خدمية أخرى. ويذكر أن العديد من مؤسسات المشاريع الصغيرة والمتوسطة تعاني منذ سنوات، وتحديدا منذ جائحة "كوفيد-19"، من تحديات مزمنة تتعلق بصعوبة الحصول على التمويل، وضعف الإدارة، وقصور استراتيجيات التسويق. وتشير معطيات إلى أن عددا من هذه المؤسسات، التي استفادت من تمويلات ميسرة مقدمة من صندوق المشاريع الصغيرة والمتوسطة، يواجه حاليا صعوبات جدية في الوفاء باستحقاقات سداد القروض. ويعكس ذلك خللا بنيويا في آليات تمويل الصندوق، في ظل غياب الإدارة الناجعة، وعدم الاستناد إلى دراسات جدوى اقتصادية حقيقية عند منح التمويل.

.أ.ف.ب
مركز " الأفنيوز" التجاري وسط مدينة الكويت، 23 أكتوبر 2025

يضاف إلى هذه الإشكالية، أن غالبية المبادرات تتركز في قطاعات تعاني أصلا من التشبع، مثل المقاهي والمطاعم وصالونات التجميل، في وقت يفتقر فيه كثير من المبادرين إلى المعرفة والخبرة اللازمة لإدارة هذا النوع من الأنشطة. وكان من الأجدى أن تتولى المصارف المحلية مهمة تمويل هذه المشاريع، نظرا لقدرتها على تقييم الجدوى الاقتصادية والأخطار المحتملة بصورة أكثر مهنية. وفي حال رغبت الدولة في تحفيز المواطنين على إطلاق مشاريع جديدة، يمكن أن يقتصر دورها على ضمان القروض أو المساهمة في تحمل فوائد التمويل المصرفي.

ويعد ما ورد في تقرير صادر عن وزارة التجارة والصناعة مؤشرا إضافيا الى حالة الركود التي يشهدها الاقتصاد الكويتي، إذ أفاد التقرير بأن الوزارة قامت بشطب نحو 73,700 شركة غير نشطة من السجل التجاري. ومع ذلك، لا يمكن عزو هذه الظاهرة بالكامل إلى عوامل اقتصادية، إذ تعود أسباب الشطب في كثير من الحالات إلى تجاوزات إدارية أو عدم التزام قانوني من قبل الملاك.

أهمية المعالجات الموضوعية

تواجه الدول، حتى تلك التي تتمتع باقتصادات مستقرة، تحديات ومعضلات في مساراتها الاقتصادية، إذ تتعرض الشركات والأفراد والعاملون في مختلف الأنشطة لأخطار التعثر والإعسار والإفلاس، وهي أوضاع تنظمها عادة أطر قانونية وتشريعية واضحة. وفي هذا السياق، خطت الكويت خطوة مهمة عبر تطوير قانون الإفلاس، غير أن الوقاية من هذه الأخطار تظل أكثر أهمية من معالجتها.

إن طبيعة الاقتصاد الريعي، واعتماد شريحة واسعة من المواطنين على الإنفاق العام، أسهما في إضعاف ثقافة المبادرة والابتكار، وهما عنصران أساسيان لنجاح أي مشروع جديد واستمراريته

ويتطلب ذلك تعزيز أنظمة المعلومات الاقتصادية، وتوفير إحصاءات دقيقة ومحدثة حول الاستهلاك المحلي، بما يحد من اندفاع المستثمرين نحو مشاريع تفتقر إلى مقومات الاستدامة. كما بات التحقق من خبرات المستثمرين ومؤهلاتهم عاملا حاسما في بيئة اقتصادية مثل الكويت. ويُضاف إلى ذلك أن طبيعة الاقتصاد الريعي، واعتماد شريحة واسعة من المواطنين على الإنفاق العام، أسهما في إضعاف ثقافة المبادرة والابتكار، وهما عنصران أساسيان لنجاح أي مشروع جديد واستمراريته.

.أ.ف.ب
صورة جوية لمدينة الكويت، في 17 ديسمبر 2025

خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، تراجع الاستهلاك في الكويت بنسبة تزيد قليلا على 5 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، كما جرى توضيحه سابقا. وعلى الرغم من هذا التراجع، بلغ حجم الإنفاق الاستهلاكي نحو 34,35 مليار دينار كويتي (نحو 112 مليار دولار)، وهو مستوى يظل كبيرا ومؤثرا في اقتصاد بحجم الاقتصاد الكويتي.

ويستدعي هذا التطور متابعة دقيقة من الباحثين الاقتصاديين خلال الأشهر المقبلة، لفهم أبعاده من زوايا متعددة، مع الأخذ في الاعتبار العوامل الديموغرافية، ومدى شعور الوافدين بالاستقرار، لما لذلك من أثر مباشر في تحفيز مستويات الاستهلاك، إضافة إلى التحولات الديموغرافية والمعيشية داخل المجتمع الكويتي نفسه.

وتعتمد ديناميكيات الإنفاق الاستهلاكي في أي مجتمع على تحسّن الدخل، وتوافر الأمان الوظيفي والاجتماعي، إلى جانب ارتفاع نسبة فئتي الأطفال والشباب. ويتميّز المجتمع الكويتي بتركيبة سكانية شابة، إذ تقل أعمار نحو 60 في المئة من المواطنين عن ثلاثين عاما، وهي فئة يفترض أن تسهم في تعزيز الاستهلاك وزيادة الطلب على السلع والخدمات خلال السنوات المقبلة.

font change