منير الحايك: المبدع لا يستطيع النأي بنفسه عن مآسي بلاده

الرواية العربية لم تصل إلى مرحلة النضج

الحايك يوقع روايته

منير الحايك: المبدع لا يستطيع النأي بنفسه عن مآسي بلاده

ينسج الروائي والناقد اللبناني منير الحايك من الوقائع التي تحدث في عالمنا المعاصر، عالمه الروائي بدءا من روايته الأولى "مترو دبي" ومن ثم "القبر رقم 779 وصولا إلى "جامع أعقاب السجائر" و"يوميات عقيمة".

والحايك الحاصل على الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها. له في النقد كتاب "أدبية المكان في الرواية الفلسطينية" إلى جانب عدد كبير من المقالات النقدية. هنا حوار "المجلة" معه.

كيف جاءت بداياتك مع الرواية، وهل ساهمت الأحداث في سوريا ولبنان منذ عام 2011، في اختيار موضوع روايتك الأولى؟

البدايات دائما مع القراءة، والاستمرار دائما يكون بالقراءة، أما بالنسبة إلى الرواية الأولى، فلا بد من القول إن الشرارة انطلقت عندما انتقلت للعمل والاستقرار في دبي عام 2011، أما الأحداث التي أشرت إليها، فكانت خبزا يوميا بالنسبة إلى ما نعيشه وإلى الأخبار التي تصلنا، لذا فرضت الأحداث حضورها في الرواية الأولى، "مترو دبي"، التي لم تستطع أن تترك ما يجري خلفها، بل استحضرته وكانت النهاية هناك.

بين الماضي والحاضر

كانت روايتك "القبر رقم 779" بمثابة بانوراما تاريخية امتدت من زمن ما قبل الحرب اللبنانية وخلالها وما بعدها. ماذا تقول عن هذه التجربة؟

في هذه الرواية لم تكن الفكرة التاريخية هي المحفّز، إنما التأثير الذي رافق وفاة والدي، لذا كانت حال البطل بين الحاضر والماضي هي ما بدأت معه الرواية، لكن القضايا الكثيرة التي ترتبط بها بلادنا، تحضر دائما.

أن يكون الكاتب محملا عدّة الناقد الأدبي، لهو أمر جيد. ولكن أن يصبح الناقد كاتبا محترفا يقدم نصوصا من الطراز الرفيع، تبقى مسألة نسبية

فكان حضور مسألة سرقة الآثار وتزوير التاريخ أمرا لا بدّ منه، وقد جاءت الفكرة مصادفة من خلال قراءتي حول لوحة من آثار العراق موجودة في أحد متاحف بريطانيا، فقلت لنفسي "وجدتها!". فكانت اللوحة هي البطلة، أما استرجاع الزمان، فأقول إنه في لبنان لا يمكن أن ينأى المثقف والمبدع بنفسه عن تاريخ البلاد وحروبها ومآسيها مهما حاول، لذا حضر الأمر من خلال كل شخصيتين تحاورتا، فكان القارئ ثالثهما.

غلاف رواية "يوميات عقيمة"

كنت ذكرت أن اختيار عنواني "جامع أعقاب السجائر" و"يوميات عقيمة" من أصعب الأمور التي قمتَ بها. فما وجه الصعوبة، ولماذا يبدو اختيار العنوان أمرا شائكا عند بعض الكتاب؟

روايتي الأخيرة، "زيّاح"، هي الرواية الوحيدة التي كان اختيار عنوانها حاضرا قبل البدء بها، وأنا أقول إن التكثيف الذي يحتاجه العنوان ليشمل بناء النص كاملا من خلال عبارة أو كلمة، لهو من أصعب ما يواجهني، وما يواجه كل كاتب على ما أعتقد، وهو يواجه أصدقائي ممن يقرأون المخطوطات كما يواجهني، ولكننا دائما نصل إلى حل جيّد.

غلاف رواية "زياح"

مبادرات نقدية

بصفتك تمارس النقد إلى جانب الكتابة الإبداعية، هل تعتبر ذلك عنصرا إيجابيا أم معوقا عند الكتابة الروائية؟

عملية نقد النصوص الأدبية، روائية أو غيرها من الأنواع الإبداعية، أمر صعب، ولكنه يبقى أسهل من تعامل الكاتب مع نصه بصفته ناقدا، فمهما حاول أن يفصل بين الأمرين، يجد نفسه يقرأ ما كتب بعين الناقد وثقافته وخلفيته ومواقفه، فتكون الأمور أصعب، ولكنها بالنسبة إليّ تمثل عنصرا إيجابيا لا سلبيا، فكل كاتب يراجع نصه ويحرره ويدققه ويحذف ويضيف. فأن يكون الكاتب محملا عدّة الناقد الأدبي، لهو أمر جيد. ولكن أن يصبح الناقد كاتبا محترفا يقدم نصوصا من الطراز الرفيع، تبقى مسألة نسبية، فليس كل ناقد كاتبا كبيرا، ولا كل كاتب كبير ناقد.

في كتابك "أدبية المكان في الرواية الفلسطينية"، تناولت أعمال غسان كنفاني وسحر خليفة، ما خصوصية هذا الكتاب بالنسبة إليك؟

هذا الإصدار هو أطروحة الدكتوراه التي قدّمتها وناقشتها في الجامعة اللبنانية في بيروت، وقد تناولت فلسطين لأسباب كثيرة منها ما هو شخصي خصوصا بالنسبة إلى علاقتي مع فلسطين المكان والهمّ والقضية. أما لماذا كنفاني وخليفة، وعلى الرغم من أنهما أنموذجان قويان لأيّ باحث أو دارس، فقد كان للاختيار بعد شخصي، خصوصا مع روايتَي سحر خليفة "حبي الأول" و"أرض وسماء"، لأنني ممن رافقوا الكاتبة في لبنان عندما كانت تحضّر لكتابة "أرض وسماء"، وبعد صدور الرواية، أصررت على أن تكون موضوع الدراسة لما فيه من عناصر مكانية قوية تفيد الدراسة.

لماذا بقيت الإصدارات النقدية قليلة ولا توازي الحركة الأدبية في العالم العربي؟   

لعل المشكلة تكمن بين النقد الأكاديمي والقارئ، فالأبحاث الأكاديمية موجودة وكثيرة، ولكنها تبقى من ضمن الإصدارات الداخلية للجامعات أو في المجلات المحكَّمة (التي يحتاجها الباحث من أجل مسيرته المهنية والنقدية)، ولكنها للأسف تبقى بعيدة عن متناول القارئ العادي، فكما وجدت الرواية طريقها لتصل إلى عقل المتلقي العربي وقلبه، لا بد من صيغة ما توصل النقد إلى هذا المتلقي، فلا يعود الاعتماد على القراءات التي يكتبها قرّاء عاديون، أو صحافيون، على أهميتها، هي المسيطرة، وأقول هنا إن على الباحث الأكاديمي واجب أن يجد هذه الصيغة، لأن النقد العربي الحقيقي يحتاج منه هذه المبادرة، وهذا ما أحاول القيام به، وأقول إنها محاولات أولى، من خلال ما أنشره في صحف ومجلات عدة.

الرواية اللبنانية والعربية

كيف تنظر إلى الحالة الإبداعية في لبنان اليوم في ظل التوترات المتواصلة التي تشهدها البلاد؟

لن تتوقف التوترات والحروب والمشاكل الكبيرة والصغيرة في بلادنا، لأنه لا حل سوى بالوحدة والحرية وتحرير الأرض والعقول والنفوس، وهذه الأمور لن تتحقق على المدى القريب. ومن يقرأ تاريخ البلاد، يجد أن الإبداع حضر في ظل أزمات دائمة، مهما اختلفت وتنوعت. كتب المبدع في وجه الإقطاع والطائفية، في وجه التقسيم، في وجه الاحتلال، وفي وجه الانفجار الأخير والحرب الأخيرة، وهنا أذكر على سبيل المثل رواية "ما رأت زينة وما لم تر" لرشيد الضعيف وأحداثها قبيل حدوث انفجار المرفأ وبعيده، و"إرث بيريت" لفاتن المرّ وأحداثها خلال حرب الـ 66 يوما الأخيرة. فواجب المثقف والمبدع حاضر، إلا أن الأزمة أنهم أصبحوا قلة، وهنا أتحدث عن الواقع اللبناني تحديدا.

هل يمكن القول إن الرواية العربية بلغت مرحلة النضج، أم أنها ما زالت تتلمس طريقها، وأي خصوصية يمكن أن نجدها في هذه الرواية؟

هناك روائيون عرب وصلوا إلى مرحلة النضج، ولكن الرواية بوصفها تجربة عربية عامة، ما زالت بحاجة إلى وقت لكي تنضج فعلا، وذلك يتطلب من كتّابها قراءة النتاج العالمي أكثر، وهنا تأتي مسألة الترجمة، ومسائل أخرى، خصوصا مسألة تفرغ الكاتب والأسواق وصناعة النشر والقارئ...

لم أجد إلا قلة قليلة من الكتّاب، لم تكن هموم بلادهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية حاضرة، أحيانا على حساب السردية والفنية

 كثيرة هي مشكلات هذا المجال، والرواية على الرغم من ذلك حاضرة بقوة، ولكن التجريب والقراءات والترجمات يجب أن تكثر ويجب أن تُقرَأ، حتى نقول إن الرواية العربية في بلغت مرحلة النضج. أما الخصوصية في الرواية العربية فهي القضايا التي تطرحها، المرتبطة بمحلية كل كاتب وأولوياته الملحة عليه، فلم أجد إلا قلة قليلة من الكتّاب، لم تكن هموم بلادهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية حاضرة، أحيانا على حساب السردية والفنية.

غلاف رواية "مترو دبي"

هل تجد تقاطعات بين الرواية اللبنانية، والاتجاهات الروائية العربية الأخرى، أم أن كل بلد عربي له خصوصيته في ما يتعلق بالنتاج الروائي؟

هي رواية واحدة، تجربة واحدة، فالقراء تجمعهم اللغة والتاريخ، على الرغم من الاختلافات اعتبرها البعض كثيرة أم قليلة، يفرّقها فقط ما ذكرته سابقا، الهمّ وخصوصيته ومحليته.

font change

مقالات ذات صلة