اللحظة الإيرانية الجديدة لا تُرسم ملامحها في أروقة الحوزات الدينية وأجهزة الحكومة وأوامر المرشد علي خامنئي، بل يبدو أنها تنطلق من الفضاءات الافتراضية المشفرة إلى أرصفة الشوارع، فتحولها مسرحا لتمرد جيل جديد من الشبان والشابات، في انتفاضة جديدة لم يطلقوا عليها حتى الآن اسما يميزها عن الانتفاضات السابقة. فئة عمرية تعيش ثورة فعلية قد تؤدي بهم إلى تغيير كبير في بلادهم أو تودي بهم إلى غيابات سجون النظام لمنع عودتهم إلى الشارع مجددا.
صعود "الجيل زد"، وهم المواليد بين1997 ومطلع عام 2012، كفاعل رئيس في الحراك الاحتجاجي لا يمثل مجرد تغيير في الوجوه، بل يمثل تحولا جذريا في "الكود" التشغيلي للمعارضة السياسية في إيران.
من وجهة نظر المعارضة، ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله بصراع دولي أو في تفاعلات السياسة الخارجية، بل هو تعبير عن تحولات عميقة داخل المجتمع الإيراني نفسه، إذ ترى أن الاحتجاجات لم تنشأ استجابة لتصريحات خارجية، بل نتيجة تراكم طويل من الإحباط الاقتصادي والاختناق الاجتماعي وتآكل شرعية السلطة السياسية والأبوية معا.
ويُنظر إلى هذا الجيل على أنه جيل مستقل لا ينتظر توجيهات من زعامات في الخارج، ولا يعترف بشرعية وصاية سياسية من أي جهة كانت.
ويرى خبراء علم الاجتماع أن التحول الراهن في إيران هو حركة سوسيولوجية قبل أن يكون حركة سياسية. فقد نشأ هذا الجيل في بيئة رقمية مفتوحة وفردانية ويعرّف ذاته عبر الاستقلال والتمرد، لا عبر الانتماء الأيديولوجي أو التنظيمي، ما يجعل من الصعب على أي جهة أن تضبط إيقاعه أو توجهه.
"الجيل زد" في السياق الإيراني؟
مدفوعا بانسداد الأفق الاقتصادي والانهيار المعيشي، الذي تجاوز مرحلة "الإصلاح" التقليدية، يبرز "الجيل زد" في مرحلة يمكن تسميتها "الرفض الوجودي" للنظام. هذا الرفض لا يعبر عن نفسه من خلال البيانات السياسية الحزبية، بل من خلال "أداءات" جسدية ورقمية تهدف إلى كسر هيبة السلطة عبر السخرية ومعها الجرأة واستعراض الذات، فتتحول الشوارع إلى امتداد لشاشات الهواتف الذكية حيث تخاض المواجهات بهدف "كسب النقاط" وتصدر "قوائم المتصدرين" الافتراضية، في ظاهرة تدمج بين اليأس الاقتصادي والرغبة في الحياة.
على النقيض من آبائهم الذين نشأوا في بيئة إعلامية مغلقة يسيطر عليها التلفزيون الرسمي، نشأ "الجيل زد" وهو متصل بالعالم الخارجي عبر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPNs) وأطباق الأقمار الصناعية، مما مكنهم من استهلاك ثقافة عالمية تتراوح بين "موسيقى البوب الكورية" (K-Pop) والإنمي اليابانية، وبين قيم الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان الغربية. هذه "الهجرة الرقمية" خلقت حالة من الاغتراب المزدوج عن النظام السياسي الذي يعتبرونه منتميا للقرون الوسطى، وعن واقعهم الاقتصادي الذي يمنعهم من تحقيق نمط الحياة الذي يرونه يوميا على شاشاتهم.

