جيلبير سينويه أو سمير كساب الذي لا يزال يسكنه الحنين إلى مصر

يرى أن مهاراته كحكواتي مستمدة من جذوره الشرقية

ULF ANDERSEN/Gamma-Rapho via Getty Images
ULF ANDERSEN/Gamma-Rapho via Getty Images
الكاتب الفرنسي جيلبير سينويه في باريس، فرنسا، 14 يونيو 2012

جيلبير سينويه أو سمير كساب الذي لا يزال يسكنه الحنين إلى مصر

بين حقائب الرحيل قسرا ودفاتر العودة خيالا، تشكلت تجربة جيل من المبدعين الذين ولدوا في مصر بين ثلاثينات وخمسينات القرن الماضي. كتاب من أمثال أندريه شديد وروبير سوليه، لم يغادروا وطنهم إلا ليحملوه في ذاكرتهم إلى المهجر ، هربا من عواصف سياسية لم ترحم أحلامهم. وقد رأينا بعضهم يعودون إلى مصر التي سكنتهم صغارا، عبر بوابة السرد الروائي، ليلتقي خيالهم وطنا تبدلت ملامحه الديموغرافية والاجتماعية، ولم يبق لهم سوى أطياف ذكريات يحاولون ترميمها بالكلمات، فشكل هؤلاء الأدباء الذين نضجت أقلامهم في المهجر- ما يمكن تسميته بـ"أدب الحنين".

توثيق وجدان الشرق

يعد جيلبير سينويه أحد الأصوات الروائية التي جسدت مفهوم "الجسر الثقافي" في الأدب الفرنسي المعاصر، إذ استطاع المزج بين دقة المؤرخ وشغف الروائي، ليعيد صوغ الذاكرة الشرقية بلسان غربي. لم تكن كتابات سينويه مجرد سرد للأحداث، بل كانت استقصاء في روح الشرق، ففي ملاحمه الكبرى مثل "ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان"، لم يقدم سينويه سيرة ذاتية للشيخ الرئيس فحسب، بل احتفى بعبقرية العقل الشرقي ووهجه الفكري، محولا التاريخ الجاف إلى رحلة إنسانية نابضة بالمعرفة والوجدان.

لكن، وبالرغم من سعة أفقه المشرقي، تظل علاقة سينويه بمصر حالة استثنائية. فهو لا يكتب عن مصر كسائح أو مراقب، بل كابن يبحث عن وطنه المفقود في ثنايا الورق. يبرز هذا التوجه بوضوح في رواياته التي أرخت لـمصر الكوزموبوليتانية، ذلك الفضاء السحري الذي كان يوما بوتقة تنصهر فيها الثقافات واللغات والأديان في انسجام فريد. في أعماله التاريخية المتعددة، نجد سينويه مشغولا باستعادة ملامح القاهرة الملكية والمدن المصرية التي كانت تضج بالحياة والتنوع، مصورا إياها كفردوس ضائع يحاول ترميمه بالكلمات.

طفولة سمير كساب

خلف الاسم الأدبي (جيلبير سينويه)، تكمن قصة طفل قاهري يدعى سمير كساب، ولد في 18 فبراير / شباط 1947 لأب من طائفة الروم الكاثوليك (الملكيين) وأم من اليهود السفارديم. نشأ سمير في مدرسة "العائلة المقدسة" (الجيزويت) العريقة بالقاهرة، حيث تشكلت لغته ووجدانه حتى نال شهادة البكالوريا، لكن ملامح شخصيته الحقيقية لم ترسم فقط في فصول الدراسة، بل في قلب الحياة الأريستقراطية الصاخبة التي كان والده أحد أعمدتها.

نجد سينويه مشغولا باستعادة ملامح القاهرة الملكية والمدن المصرية التي كانت تضج بالحياة والتنوع، مصورا إياها كفردوس ضائع

كان والده، موريس كساب، اسما مألوفا في أوساط طائفة الروم الكاثوليك، ورجلا يمتلك من الخبرة في إدارة مشروعات الترفيه مما جعله أحد المقربين من الملك فاروق. ولأن الملك كان عاشقا لأجواء السهر، فقد عهد إلى صديقه موريس بمهمة خاصة: تأسيس وإدارة "كازينو" على طراز الأندية الفرنسية الفاخرة. وهكذا، وبموجب مرسوم ملكي، ولد كازينو "سكارابيه"  عام 1948، ليكون نادي القمار الخاص الوحيد في الشرق الأوسط آنذاك.

لم تدم سطوة "سكارابيه" طويلا، فقد نالت منه نيران حريق القاهرة في يناير/ كانون الثاني 1952، ثم أسدل الستار عليه نهائيا مع قيام ثورة يوليو، حيث وضع والده رهن الإقامة الجبرية لمدة عام بسبب صلاته الوثيقة بالعهد الملكي.

لكن روح المغامرة لدى موريس كساب لم تنكسر، فبعد فترة، استأجر أحد اليخوت الحكومية المهملة التي كانت تخص الملك الراحل والمتروكة على ضفاف النيل. كان اليخت يدعى "قاصد خير"، فحوله موريس إلى مطعم عائم غدا لاحقا واحدا من أرقى وأشهر الوجهات الأريستقراطية في تلك الحقبة.

DOMINIQUE FAGET / AFP
المطربة الفرنسية داليدا أثناء إحيائها حفلاً على مسرح الأولمبيا في باريس في 18 مارس 1981

هناك، وسط أجواء السحر والجمال، وقف كبار نجوم العالم أمثال شارل أزنافور وداليدا ليغنوا على ضفافه، بينما كان الطفل سمير يرافق والده في العمل، مستنشقا عبير النجومية وشغف الثقافة الفرنسية التي كانت تملأ الأرجاء، وهي المشاهد التي انطبعت في ذاكرته لتخرج لاحقا في هيئة روايات تفيض بالحنين.

بين صخب الكازينوهات وعزلة القراءة

المفارقة المدهشة في مسيرة جيلبير سينويه (سمير كساب) هي أن عائلته لم تكن تربطها بالأدب صلة، ولم يكن للكتاب حضور في منزل غلبت عليه أجواء التجارة وإدارة المطاعم الراقية. وفي ظل انشغال والديه، وجد الطفل الوحيد نفسه محاصرا بأسوار العزلة في منزله القاهري، فلم يكن أمامه من سبيل للنجاة من "سأم الوحدة" سوى الارتماء في أحضان القراءة.

يستذكر سينويه تلك المرحلة التأسيسية قائلا في حوار لنا سابق معه: "بدأت رحلتي بطبيعة الحال مع عوالم ألكسندر دوما وجول فيرن، قبل أن أنتقل إلى شاتوبريان وكامو وسارتر وسيلين. تلا ذلك انغماسي في كلاسيكيات الرواية العالمية ثم الأدب الحديث. كنت ألتهم روايتين أو ثلاثا في الأسبوع. ولا شك أن ألبير كامو ترك في نفسي أثرا لا يمحى، ولا يزال بالنسبة لي أستاذا في التفكير، فأنا أعتبر رواية 'الطاعون' واحدة من أعظم ما جاد به القرن العشرون، إذ من النادر أن نلتقي مثقفا فذا هو في الوقت ذاته روائي عبقري".

في ذلك المنزل، كانت اللغة مزيجا حيا من العربية والفرنسية، حيث كانت والدته، كغالبية أبناء طبقتها الاجتماعية في مصر آنذاك، فرنكوفونية بامتياز، في حين لم يكن للغة الإنكليزية أي صدى داخل أروقة البيت. هذا المزيج اللغوي والوجداني، مع تلك العزلة التي ملأها بأسماء كبار الفلاسفة والروائيين الفرنسيين، هو ما صنع في النهاية تلك الخلطة الفريدة التي ميزت أعمال سينويه، لغة فرنسية رصينة تسكنها روح حكواتي شرقي بالفطرة.

اتخذ الشاب سمير كساب قرارا غيّر مجرى حياته المهنية والوجودية، إذ قرر التخلي عن اسمه القديم ليتقمص هوية جديدة استلهمها من أعماق التاريخ المصري

في الثامنة عشرة من عمره، اتخذ الشاب سمير كساب قرارا غيّر مجرى حياته المهنية والوجودية، إذ قرر التخلي عن اسمه القديم ليتقمص هوية جديدة استلهمها من أعماق التاريخ المصري. بدأت القصة حين وقع بين يديه كتاب "سينوهي المصري" للروائي الفنلندي ميكا فالتاري، وهي رواية تتبع سيرة طبيب فرعوني وصديق مقرب لأخناتون، انتهى به المطاف منفيا ووحيدا.

Khaled DESOUKI / AFP
مشهد لساحة طلعت حرب المركزية في منطقة وسط البلد بالعاصمة المصرية القاهرة، 8 مارس 2019

لم يكن إعجاب سمير بالشخصية عابرا، بل وصل إلى حد "التماهي المطلق"، كما يصفه هو لاحقا بقوله: "لقد تماهيت تماما مع هذا الطبيب المصري، شعرت وكأنني تجسيد حي له". وباندفاع فني، قرر تغيير اسمه في الأوراق الرسمية إلى "سينويه" بعد حذف حرف الـ (H)، معتبرا ذلك حقا طبيعيا لكل فنان. وهكذا، أصبح جواز سفره يحمل هويتين متداخلتين: "سمير-جيلبير كساب، المدعو سينويه".

باريس... من أوتار الغيتار إلى نسيج الكلمات

رحل الشاب جيلبير إلى باريس في ربيعه الثامن عشر لدراسة الغيتار في "مدرسة الموسيقى"  (École Normale de Musique)، وعمل بعد ذلك مدرسا للموسيقى لعدة سنوات. ورغم انشغاله بالألحان، لم يفارقه القلم أبدا، فكان يكتب القصائد والنصوص القصيرة في خفاء. وذات يوم، لمح صديقه الملحن جيف بارنيل نصا غنائيا ملقى على مكتبه، فأعجب به ولحنه لتؤديه الفنانة إيزابيل أوبريه.

AFP
المغنّي البلجيكي جاك بريل يقدّم حفله الأخير على مسرح الأولمبيا في باريس، 7 أكتوبر 1966

كانت تلك الأغنية هي الشرارة الأولى لمسيرة فنية حافلة، حيث توالى نجاحه ككاتب أغان لعمالقة الطرب الفرنسي أمثال داليدا وكلود فرنسوا وجاك بريل. بالنسبة لسينويه، لم تكن الأغنية مجرد كلمات عابرة، بل كانت "رواية مصغرة" تتكثف فيها الأحداث والحوارات في دقائق معدودة. ويرى سينويه أن هذه المدرسة الغنائية هي التي صقلت موهبته الروائية لاحقا، حيث علمته كيف يكتب بتركيز واختصار، بعيدا من الاستطراد والوصف الفائض عن الحاجة.

عقدة كامو ومنعطف الأربعين

رغم أن حلم الكتابة ولد في مخيلة جيلبير سينويه منذ أن كان في الثانية عشرة من عمره، إلا أن هذا الحلم ظل حبيس الأدراج والمخاوف لربع قرن. لم يجرؤ سينويه على الاقتراب من عالم الرواية إلا في الثامنة والثلاثين، والسبب في ذلك هو "الخوف من المقارنة"، فقد كان يرى في أدباء عمالقة مثل ألبير كامو آلهة تسكن كوكبا لا يجرؤ على الاقتراب منه، وعن ذلك يقول: "من المستحيل بالنسبة لي أن أصدق أنني قد أنتمي يوما إلى الكوكب الذي يسكنه كامو".


توالى نجاحه ككاتب أغان لعمالقة الطرب الفرنسي أمثال داليدا وكلود فرنسوا وجاك بريل

لكن، ومع اقترابه من سن الأربعين، دهمه شعور بالرهبة من ضياع العمر، واصفا هذه المرحلة بـ"قمة المنحدر"، حيث أحس أنه يقترب من المحطة الأخيرة دون أن يحقق حلم الطفولة. "فوبيا النهايات" تلك كانت هي الدافع الأكبر الذي كسر حاجز الخوف لديه: "أعتقد أن القراءة هي التي قادتني ببساطة نحو الكتابة، وبشكل قد يثير الدهشة، كان لاكتشافي نصوص أغاني جاك بريل أثر بالغ، فمن وجهة نظري لم يكن مجرد مغن، بل كان كاتبا فذا ألهمني بعمق. لا يمكن المرء أن يكرس حياته لمهنة ما دون أن تكون لديه دعوة داخلية، وخاصة في الفن... نعم، كانت الكتابة ندائي الداخلي، وقد كنت دوما مسكونا بسحر الكلمات".

من "الزيتون" إلى "ابن سينا"

في عام 1987، دشن سينويه مسيرته بروايته الأولى "الأرجوان والزيتون"، التي استعاد فيها سيرة "كاليستوس الأول". ورغم أن استقبال الرواية كان متواضعا، إلا أنه كان كافيا ليلفت الأنظار إلى موهبته وقدرته على صوغ الخيال التاريخي الممزوج بالمعرفة والتبحر.

لم يتأخر النجاح الكاسح كثيرا، ففي عام 1989 أصدر روايته الثانية "ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان". في هذا العمل، اختار سينويه شخصية تاريخية إشكالية من القرن الحادي عشر، منتقلا من التاريخ المسيحي المبكر إلى قلب الحضارة الإسلامية. ومن خلال سيرة "الشيخ الرئيس" علي بن سينا، الطبيب والفيلسوف، أثبت سينويه أنه لا يكتب التاريخ كأحداث جامدة، بل يكتبه كملحمة إنسانية عابرة للأديان والثقافات، مرسخا اسمه في المشهد الروائي الفرنكوفوني المعاصر.

غلاف رواية "المصرية"

وتأتي روايته "المصرية" ( 1991) لتتوج هذا الانتماء العاطفي لمصر. إذ يتحول سينويه في هذه الرواية من سارد للتاريخ إلى "مترجم للمشاعر"، حيث يكتب بحنين جارف لا يخطئه القارئ، يتجلى في انتقائه مفردات تفيض بالوصف الإيجابي الدقيق لكل ركن من أركان المجتمع القاهري آنذاك. إن رسمه الممجد للشخصيات وإصراره على إبراز "التجانس الاجتماعي" في تلك اللحظة التاريخية، يعكس انبهاره بحقبة يراها العصر الذهبي للتعايش الإنساني. إن "المصرية" ليست مجرد رواية تاريخية، بل هي صرخة حنين بلسان فرنسي، ترفض اندثار تلك الهوية الفريدة، وتخلد "مصر المتعددة" كأيقونة جمالية عصية على النسيان.

Khaled DESOUKI / AFP
مطعم عائم يبحر على نهر النيل في العاصمة المصرية القاهرة 29 يونيو 2025

عاش جيلبير سينويه في القاهرة خلال حقبة تاريخية فارقة، اتسمت بانصهار حقيقي لمختلف الأطياف الدينية والإثنية، وهي سنوات الأربعينات والخمسينات ومطلع الستينات من القرن العشرين، حين تلاقت تلك المكونات على قيم التجانس، والتبادل الثقافي، والمصالح المشتركة. هذا المناخ المتسامح هو ما سعى سينويه لاستعادته في روايته 'المصرية'، رغم التباين الزمني في الإطار التاريخي، إذ تدور أحداث الرواية إبان الحملة الفرنسية ومطلع عهد محمد علي باشا. لقد طوع سينويه الحقائق التاريخية بجموح خيالي لافت، قد يتجاوز أحيانا دقة الواقع في بعض تفاصيله، وذلك في سبيل 'تفريغ' شحنة الحنين إلى مصر التي تسكن مخيلته لا تلك التي يرويها التاريخ وحده.

من خلال سيرة "الشيخ الرئيس" علي بن سينا، أثبت سينويه أنه لا يكتب التاريخ كأحداث جامدة، بل يكتبه كملحمة إنسانية عابرة للأديان والثقافات

حتى أنه إذا تأملنا تجربة ترجمة نصوصه إلى العربية ندرك أن المترجم العربي أمام تحد مركب، وكأنه في صدد 'ترجمة لترجمة'، إذ لا يتوقف دوره عند نقل المفردات، بل يمتد ليشمل استحضار تلك 'الشحنة العاطفية' التي تغلف السرد. ودون إدراك عميق لهذا البعد الوجداني، وفهم حقيقي لفلسفة 'العودة إلى الجذور' التي ينتهجها سينويه، قد يعجز المترجم عن بلوغ غايته المنشودة في نقل روح النص.

وحول هذه النقطة يقول سينويه: "إنها حقيقة جلية، لكنها تحدث دون وعي مني. فأنا على يقين بأن جانبا كبيرا من نجاحي يعود إلى طريقتي في الكتابة، المستلهمة—إن لم يكن من التراكيب اللغوية العربية—فمن الروح الشرقية على أقل تقدير. دعونا نقول إن مهاراتي كحكواتي تجد جذورها الأصيلة في انتمائي المصري. إن هذا 'الشرقي' الذي يسكنني حاضر بقوة في رواياتي، لا سيما تلك التي تدور أحداثها في الشرق، بل إنني حين أكتب رواية تدور أحداثها في مكان آخر، أجدني مضطرا لممارسة نوع من 'القسر الذاتي' على قلمي كي لا ينجرف، دون قصد، نحو ذلك الشرق الكامن في أعماقي".

font change

مقالات ذات صلة