برتراند بادي لـ"المجلة": "العالم القديم" انتهى وترمب أراد أن يكون نيكسون فإذا به أقرب إلى بوتين (2-2)

المفكر الفرنسي يدخل الى رأس الرئيس الأميركي ويفند دينامية العلاقات المتوترة بين ضفتي الأطلسي… أي نظام دولي ينتظرنا؟ وماذا عن الاستراتيجية الصينية؟

فيسبوك
فيسبوك
المفكر الفرنسي من أصل إيراني برتراند بادي

برتراند بادي لـ"المجلة": "العالم القديم" انتهى وترمب أراد أن يكون نيكسون فإذا به أقرب إلى بوتين (2-2)

بعد أن تطرقنا في الشق الأول من الحوار مع الأستاذ الفخري في "معهد باريس للدراسات السياسية"، برتراند بادي (Bertrand Badie)، إلى الحدث الإيراني المليء بالأسئلة المفتوحة، نتطرق في الشق الثاني من الحوار إلى القضايا الدولية: أميركا دونالد ترمب، ماذا يريد الرئيس الذي يفاجئ العالم ويصدمه بلا توقف وبلا تردد؟

ماذا عن أوروبا القلقة والمترددة والخائفة من أقدم حلفائها وأقواهم؟

هل ما زال في الإمكان الحديث عن عالم غربي؟ أم إن الافتراق نهائي بين ضفتي المتوسط؟ وهل أزمة غرينلاند قاعدة أم استثناء في سجل العلاقة الأطلسية؟

هل ستعدل الصين استراتيجيتها "الناعمة"، فتعلن أنها هي أيضا لا تخشى من استخدام القوة العسكرية؟

وقبل هذه الأسئلة وبعدها، سؤال يتردد بقوة في دوائر القرار السياسي وأروقة الدبلوماسية وغرف العمليات: أي نظام دولي ينتظر العالم؟

هذه الأسئلة وغيرها في الشق الثاني والأخير من الحوار مع برتراند بادي:

* برأيك، هل ما يقوم به الرئيس دونالد ترمب مرتبط به وبطريقة رؤيته للولايات المتحدة والعالم، أم إنه يؤشر إلى تغير راديكالي في الولايات المتحدة على مستوى الدولة العميقة؟ هل هو سلوك مرحلي أم استراتيجية طويلة الأمد؟

- لا توجد عقيدة ترامبّية. عندما انتُخب جورج دبليو بوش، انتُخب على أساس عقيدة المحافظين الجدد، التي كانت خطوطها واضحة جدا، ولا سيما المحور الرئيس فيها والذي كان يتمثل في "تغيير الأنظمة" (REGIME CHANGE).

لا يوجد ما يعادل عقيدة "تغيير الأنظمة" مع ترمب، ولهذا السبب فإن القطيعة عميقة جدا مقارنة بالممارسات السابقة لأسلافه. لا توجد عقيدة، لكن في المقابل هناك ميثاق أبرمه مع ناخبيه وهو: إعادة ترميم القوة الأميركية، ولكن من جهة أخرى، أن لا تكون هذه الاستعادة مكلفة، لا بالمال ولا بالأرواح.

هذا ينطوي على أمرين. أولا، عودة ظهور عقيدة شقّت طريقها تدريجيا وبصمت في الولايات المتحدة، وهي العقيدة "الليبرتارية"، التي كثيرا ما يتم نسيانها. أي إن الولايات المتحدة، حتى الآن، كانت تُحكم بالحلم الرسالي، أي حلم بلد يحرر العالم، ويكاد يبني "مدينة الله" التي كان يضعها "الطهرانيون (جماعة بروتستانتية ظهرت في إنجلترا أواخر القرن 16) القادمون على متن الـ"ماي فلاور" (MAY FLOWER)، و(هي سفينة نقلت المستوطنين الإنكليز إلى أميركا سنة 1620)، في أذهانهم عندما وصلوا إلى الولايات المتحدة.

هذا النموذج انتهى لأنه اعتُبر مكلفا للغاية بالنسبة للأميركيين. وبالتالي كان هناك حلم وسيط، وهو الحلم النيوليبرالي، أي "مدرسة شيكاغو" (تيار اقتصادي نشأ بين الخمسينات والسبعينات في جامعة شيكاغو ويركز على اقتصاد السوق الحر وتقليل تدخل الدولة) ومن أبرز رموزها ميلتون فريدمان، وكل هؤلاء الذين كانوا يعتبرون أن العولمة ستجدد المجتمع الأميركي بشكل طبيعي، وأنها من اختراعه، وأنها ستفيد الجميع.

أحد الخطوط الكبرى لترمب، داخليا وخارجيا، هو التحرر من جميع القواعد وجميع المؤسسات. وبالتالي إعادة تكوين قوة حرة، أي قوة مجردة تماما من الرقابة القانونية، ومن الرقابة القيمية

هذا لم ينجح. ومع مطلع هذا القرن، حدث إحباط شديد داخل المجتمع الأميركي، الذي رأى أن العولمة أفادت الصين والدول الصاعدة أكثر مما أفادتهم هم أنفسهم. ثم إن "حزام الصدأ" (تعبير يستخدم لوصف مناطق صناعية قديمة في الولايات المتحدة، تحديدا في شمال شرقها ووسطها)، كما تعلمون، كان يتدهور بدلا من أن يتحسن.

وهكذا، شيئا فشيئا، اتجهنا نحو هذا الشعور الانحداري، التراجعي الذي يُسمّى "لنجعل أميركا عظيمة من جديد"، وكذلك نحو شعور بالغضب تجاه سياسيين كانوا عاجزين؛ انظروا إلى خطاب ترمب تجاه جو بايدن والديمقراطيين: إنهم حمقى، أغبياء، عاجزون... إلخ.

وكذلك ضد المؤسسات، وضد دولة اعتُبرت معطِّلة، مُقيدة، وما إلى ذلك. وهكذا، انزلق هذا الخطاب تدريجيا نحو "الطهرانية"، أي "الحرية الحقيقية"، تلك التي تتحرر من القانون ومن المؤسسات.

ولهذا السبب، فإن أحد الخطوط الكبرى لترمب، داخليا وخارجيا، هو التحرر من جميع القواعد وجميع المؤسسات. وبالتالي إعادة تكوين قوة حرة، أي قوة مجردة تماما من الرقابة القانونية، ومن الرقابة القيمية. ومؤخرا قال ترمب: "القانون بحد ذاته لا يهمني، ما سيقرر هو أخلاقي"... و"مستقبل الشعب الفنزويلي الديمقراطي ليس موضوعي، ما يهمني هو مصلحة الولايات المتحدة"... إلخ.

أ.ف.ب.
حضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيهيمن على منتدى دافوس 2026، كما هيمن عبر الشاشة في العام المنصرم، 23 يناير 2025

وهكذا نشهد، وهو ما طوّرته في كتابي الأخير، نشوء ونمو "القوة العارية"، أي القوة الساخرة، القوة السينيكية. وهذا التمجيد للقوة السينيكية يأتي ليُصالح، في هذه الصيغة الجديدة، بين اللاليبراليين، والليبراليين المتطرفين، أي شخص مثل إيلون ماسك إلى جانب شخص مثل ستيف بانون، إذا صح التعبير، أي كل هؤلاء الذين يعتبرون أن الحرية الحقيقية هي القدرة على استخدام قوتهم الخاصة بشكل مطلق وحر تماما. وهذا ما يخلق سياسة خارجية عدوانية، وتدخلية، ولكن من دون "قوات على الأرض" (NO BOOTS ON THE GROUND). إضافة إلى ذلك، تتميز بتحرر كامل من أي شكل من أشكال الرقابة. نحن هنا.

لكنكم ترون أن هذا يلتقي مع ما كنا نقوله قبل قليل. الثمن الذي يجب دفعه هو أن المجتمعات تختفي من المشهد. أي إننا لم نعد نهتم بما سيؤول إليه حال المجتمعات التي نتدخل فيها.

* حتى داخل المجتمع الأميركي نفسه؟

- إذن، وفي الواقع، ما أود قوله هو أن هذه الاستراتيجية هي استراتيجية قصيرة النظر، لأنها تواجه عقبتين ستؤديان حتما إلى إسقاطها. لا أراهن بدولار واحد على أن دونالد ترمب لديه فرصة للنجاح. إنها وصفة للفشل. فمن جهة، لأنه يواجه مجتمعات. في يوم، المجتمع الفنزويلي، وفي يوم آخر المجتمع الفلسطيني. تعلمون أن بنيامين نتنياهو قتل، بتواطؤ من الولايات المتحدة، مئة ألف فلسطيني، ومع ذلك لا يزال الفلسطينيون موجودين ليقولوا: اسمعوا، ما دمتم لا تمنحوننا حقوقنا، سنواصل التعبئة والتحرك... إلخ.

الرأي العام الأميركي أصبح الآن في غالبيته معاديا لفكرة تقديم دعم عسكري لإسرائيل، ويعتبر أن القضية الفلسطينية أكثر شرعية من تلك التي يدافع عنها نتنياهو، بما في ذلك داخل قاعدة "ماغا"

انظروا إلى الرأي العام الدولي، انظروا إلى الجامعات، باختصار ترمب يشبه فلاديمير بوتين. بوتين لم يتخيل أن المجتمع الأوكراني لن يتركه يفعل ما يشاء. وفجأة اكتشف أنه لم يصل إلى كييف خلال ثلاثة أيام كما كان يأمل، بل إن الأوكرانيين أنفسهم هم من أوقفوه.

هذا إخفاق مروّع، يشبه الإخفاقات الأميركية في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، والصومال، وإخفاق روسيا في أوكرانيا، وإخفاق فرنسا في الساحل... إلخ.

لكن هناك بالفعل، كما تفضلتم، مقاومة اجتماعية ثانية، وهي داخل المجتمع الأميركي نفسه. أي ماذا نرى في المجتمع الأميركي؟ أولا، نوعا من التبرم، بل وحتى السخط، تجاه الاستخدام المتفلت للقوة؛ تعلمون أن الرأي العام الأميركي أصبح الآن في غالبيته معاديا لفكرة تقديم دعم عسكري لإسرائيل، ويعتبر أن القضية الفلسطينية أكثر شرعية من تلك التي يدافع عنها نتنياهو، بما في ذلك داخل قاعدة "ماغا".

لكننا نرى أيضا رفضا لخوض مغامرات جديدة. أحدث استطلاعات الرأي تُظهر أن 71 في المئة من الأميركيين لا يريدون تدخلا عسكريا في إيران أو في فنزويلا. كما تُظهر أيضا أنه لا توجد إلا أقلية توافق على تدخل، يُبرر باسم حقوق الإنسان، في إيران أو في فنزويلا، مهما كانت أشكال هذا التدخل.

* هل السلوك الحالي للولايات المتحدة، والذي تجلى بقوة في فنزويلا وربما في غرينلاند لاحقا، هو ردة فعل على خشية من تراجع نفوذ الولايات المتحدة حول العالم بفعل صعود الصين؟ أم إن لديه غاية أعمق؟ هل هو ترجمة لضعف أم قوة؟

- كما تعلمون، يجب توخي الحذر الشديد في استخدام اللغة، يُحكى كثيرا عن خوف الولايات المتحدة. لكن من هي الولايات المتحدة؟ هل هي القادة السياسيون؟ هل هي المجمع العسكري-الصناعي؟ هل هي الشعب والرأي العام؟ سابقا، كان يمكن قول ذلك، حتى في زمن الحرب الباردة، كان يمكن قول ذلك فقد كان هناك اصطفاف كلي حول العالم. كان الرأي العام منسجما مع الإدارة الرئاسية ومع القوى الاقتصادية الكبرى. وبالتالي، في مواجهة الاتحاد السوفياتي، سواء في "وول ستريت"، أو في البيت الأبيض، أو في حرم هارفارد أو كولومبيا الجامعي، كنتم تجدون تقريبا الموقف نفسه. أما الآن فالوضع مختلف تماما، ويجب إدخال هذا التفكك في الأنظمة السياسية ضمن التحليل. أعتقد أن هناك لدى الرؤساء الأميركيين، وفي المقام الأول لدى الرئيس الأميركي الحالي رغبة في القوة.

الرأي العام الأميركي لديه بالفعل العامل المتعلق بالفخر. وقبل كل شيء، لا ينبغي الاستهانة بمعاناة الطبقات الوسطى الأميركية التي شعرت بأنها أُفقرت

إذن، هل هناك خشية من التراجع؟ تعلمون أن التراجع هو شعور ذاتي. من الصعب جدا قياس تراجع بلد ما حسابيا. لكن أظن أن هناك شعورا بالتراجع يمس أو يقلق ترمب الذي يودّ كثيرا أن يكون ريتشارد نيكسون، وهذا واضح جدا. وهو يودّ أيضا أن يعيد مع بوتين العلاقة التي كانت قائمة بين نيكسون وليونيد بريجنيف عندما كانا أميري العالم. أما الفاعلون الاقتصاديون، فالأمر مختلف قليلا، لأنهم يندمجون أكثر فأكثر، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل خمسين عاما، في اقتصاد معولم ومترابط.

لم يعودوا متماهين مع السياسة. في السابق، كان الفاعلون الاقتصاديون الأميركيون يثقون بسلطتهم السياسية، وهو ما كان يُسمّى بالمجمع العسكري-الصناعي، لكي يتمكنوا من التقدم. أما اليوم، فلديهم ورقة مستقلة. وقد رأيتم بسرعة الانقسام بين ماسك وترمب، جزئيا بسبب ذلك، لأن هناك لحظة لا تعود فيها الضرورات الاقتصادية والضرورات السياسية متطابقة، ولأن الفاعلين الاقتصاديين، بالنسبة إليهم، "اجعلوا أميركا عظيمة من جديد" تعني ببساطة "اجعلوا السوق الأميركية ما تزال فعّالة". وهذا أمر مختلف تماما.

فيسبوك
المفكر الفرنسي من أصل إيراني برتراند بادي

وأخيرا، فإن الرأي العام الأميركي لديه بالفعل هذا العامل المتعلق بالفخر. وقبل كل شيء، لا ينبغي الاستهانة بمعاناة الطبقات الوسطى الأميركية التي شعرت بأنها أُفقرت. الكتاب الكبير لبرانكو ميلانوفيتش، الذي أستشهد به كثيرا، يُظهر أن هناك إفقارا، على الأقل نسبيا، للطبقات الوسطى الأميركية. بالتالي، وبسبب ذلك، لديهم رد فعل مناهض لفكرة التراجع. لكن في الوقت نفسه، يرون أن علاج التراجعية، أي التدخل الخارجي المنهجي، يكلّفهم كثيرا، وبالتالي قد يؤدي إلى إفقارهم أكثر. وهنا تكمن المفارقة التي تجعل النظام الترمبي غير قادر على الاستمرار طويلا.

وبالتالي، لندحض فكرة التراجع، بقدر ما نعتبرها فكرة ذاتية، ولنعتبر أن ذاتية التراجع ليست هي نفسها في ذهن ترمب أو ماسك أو السيد جونسون الذي يملك شركة صغيرة في "ليتل روك".

* نشهد على توتر غير مسبوق في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، هل توافقون على نظرية سقوط العالم الغربي؟ يمكن الانطلاق من الأزمة حول غرينلاند...

- كانت هناك مرحلة توافقية بين أوروبا والولايات المتحدة، هي مرحلة الحرب الباردة. خلال الحرب الباردة، كان تحالف أوروبا مع الولايات المتحدة، أي التحالف الأطلسي، تحالفا رابحا للطرفين، تحالف «رابح–رابح». لماذا؟ لأن الولايات المتحدة كانت تستفيد استفادة هائلة من التحالف الأطلسي، الذي كان يضمن لها الهيمنة المطلقة، على الأقل على نصف الكرة الغربي، وكذلك على امتدادات نصف الكرة الغربي داخل ما كان يُسمّى آنذاك العالم الثالث. وفي المقابل، كانت أوروبا تجد فيه فوائدها، إذ إن التحالف كان يحميها، ولم يكن الأوروبيون مضطرين للقلق بشأن منظومتهم الدفاعية، ولم يكونوا حتى مضطرين لدفع الكثير مقابل دفاعهم. وبالتالي كان النموذج مثاليا.

أوروبا في مأزق، لأنه ما دامت لا تملك سياسة خارجية موحدة، فلا يمكنها أن تملك دفاعا موحدا، وما دامت لا تملك دفاعا موحدا، فلا يمكنها الاستغناء عن الولايات المتحدة

في وقت مبكر جدا، وبعد سقوط الجدار بوقت قصير جدا، أدركت الولايات المتحدة أن هذا النموذج قد انتهى. أي إن التحالف أصبح يكلّفها كثيرا ولم يعد يدرّ عليها الكثير. كان يكلّفها كثيرا لأنها كانت تتحمّل اقتصاديا مسؤولية الدفاع عن أوروبا، ولم يعد يدرّ عليها الكثير لأن العلاقات الدولية، مع سقوط الجدار وبروز النظام ما بعد ثنائي القطبية، أصبحت شديدة السيولة.

 أي إن التحالفات كانت تختفي في كل أنحاء العالم، باستثناء العالم الأطلسي. وبالتالي، وبسرعة كبيرة، داخل الولايات المتحدة، ابتداء من رئاسة باراك أوباما، وليس مع ترمب، تبيّن أن اقتناص الفرص كان أكثر ربحية من الوفاء، وأن الوفاء له تكاليف اقتصادية وبشرية ودبلوماسية، في حين أن تغيير الشريك، وهو ما أسميه "تعدد علاقات الحب الدبلوماسية"، كان أكثر جدوى بكثير. والمثال، على نحو مفارق، جاء من الجنوب. فالجنوب، عند رؤيته لسقوط الجدار، انخرط في هذه السيولة. انظروا إلى تحولات المملكة العربية السعودية، وكذلك تركيا، الأمر مذهل تماما. وقد انجذبت الولايات المتحدة أكثر فأكثر إلى هذا التصور الجديد للسيولة، لأنها قالت لنفسها إنه في هذه اللعبة التي أصبحت الآن لعبة ثنائية، وبما أنها الأقوى، فإنها ستكون دائما الرابح الأكبر. ولذلك ضاعفت من الاتفاقيات الثنائية، ولا سيما مثلا مع دول شرق آسيا بشأن الرقائق الإلكترونية. الاتفاق الشهير "الرخيص"، مع سنغافورة، ومع تايوان، ومع كوريا الجنوبية، ومع اليابان... إلخ. وبالتالي، انتهى الأمر. لقد غادرت الولايات المتحدة، إن لم تكن أوروبا، فعلى الأقل التحالف الأطلسي. لم تغادره رسميا، لكنها غادرته فعليا.

ونرى بوضوح أن التواطؤ بين واشنطن وموسكو بشأن أوكرانيا هو التعبير الصريح عن هذا التحرر الأميركي من القيود الأطلسية. لكن التناقض أن أوروبا، من جهتها، لا تريد أن تتغير. هي تطالب، لكنها ما تزال خاضعة لهوس الحماية الأميركية. لماذا؟ لأن ذلك يكلّفها أقل مما تنفقه الولايات المتحدة. وفي هذه الأزمة الاقتصادية التي تؤثر على أوروبا، يصبح من الصعب جدا زيادة ميزانيات الدفاع. ثم، ثانيا، لأن أوروبا منقسمة بعمق. وإذا أردتم إقامة دفاع مشترك، وهو ما يطالب به الجميع رسميا، ولا سيما الرئيس ماكرون، فلا بد من سياسة خارجية مشتركة. ما معنى دفاع مشترك إذا لم تكونوا متفقين على كيفية استخدام أداة الدفاع هذه؟ النتيجة أننا نلاحظ في أوروبا أن الرؤية الدبلوماسية لدى السيد أوربان، ولدى السيد ميرتس، ولدى السيد ماكرون، ولدى السيدة ميلوني، مختلفة تماما.

في جميع الأحوال، أوروبا في مأزق، لأنه ما دامت لا تملك سياسة خارجية موحدة، فلا يمكنها أن تملك دفاعا موحدا. وما دامت لا تملك دفاعا موحدا، فلا يمكنها الاستغناء عن الولايات المتحدة. ولهذا السبب تنحني أوروبا في كل مرة يضغط عليها ترمب. لقد انحنت في الحرب التجارية، وانحنت عندما فُرضت عقوبات على تييري برتون، المفوض الأوروبي الفرنسي السابق، وبقيت صامتة عند التدخل الأميريكي في فنزويلا.

العالم القديم، وهو أوروبا، وروسيا، وكذلك الولايات المتحدة، لم يفهموا أبدا ولا اعترفوا بماهية الحداثة، أي هذه التداخلية الشاملة بين الاقتصادات والمجتمعات

وفيما يخص غرينلاند، فهي عاجزة عن الرد. وأنتم تعلمون أن سمة ترمب، بما يتوافق مع ما قلته لكم قبل قليل، هي إظهار القوة ولكن من دون الإفراط في استخدامها، على قاعدة أننا نظهر قوتنا بقدر أكبر كلما لم يكن هناك خطر في المقابل. وبالتالي، فإن غرينلاند هي الهدف المثالي لترمب، لأنه مقتنع بأنه حتى لو تصرف بالقوة، فلن يرد الآخرون. ولذلك، هناك خطر حقيقي.

* هل نحن مجددا إزاء اقتصاد حرب في أوروبا؟ وهل الكلام عن خطر شن روسيا هجوما على أوروبا واقعي؟

- كما تعلمون، أنصار اقتصاد الحرب لديهم حجة قوية جدا، وهي أن اقتصاد الحرب قادر أيضا على إعادة تنشيط الاقتصاد، لأنه يعزز صناعة الأسلحة، ويعيد تشغيل النشاط الإنتاجي لدعم هذا الجهد العسكري... إلخ. إلا أن هناك ثغرات، في ظل استمرار الولايات المتحدة في ممارسة الابتزاز بالقول: إذا أردتم تجهيز جيوشكم، فيجب أن تشتروا أسلحتكم منا. وبالتالي، فالمسار الأمثل اقتصاديا الذي يمكننا السعي لتحقيقه غير موجود. والأهم من ذلك، أنا متشكك جدا، ولعدة أسباب. السبب الأول هو أنه يُقال لنا إن هناك تهديدا بالحرب مع روسيا. لماذا لا؟ أنا أؤيد إلى حد كبير فكرة المخاطر، على أي حال لا أقصد عدم اليقين، بل المخاطر. ولكن ما أنا متأكد منه هو أن هذه الحرب لن تكون نسخة من الحرب العالمية الأخيرة. وأعلى المخاطر ليس أن نرى الدبابات الروسية تصل إلى شارع الشانزليزيه. أعلى المخاطر هو هجوم سيبراني واسع النطاق، أو حملة عنيفة من التضليل الإعلامي، وكل أشكال زعزعة الاستقرار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية... إلخ، ولا يُقال لنا أبدا كيف ستتم حمايتنا أمام ذلك.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال الإعلان عن" يوم التحرير" وفرض التعريفات الجمركية على دول العالم، البيت الأبيض في 2 أبريل 2025

هل من خلال تصنيع الدبابات أم حاملة طائرات، سنحمي أنفسنا ضد الهجمات السيبرانية وضد التضليل الإعلامي؟ والنقطة الأخرى التي تزعجني كثيرا هي أنني أؤيد أن تكون لدينا سياسة يقظة ودفاعية، ولكن بشرط أن تكون هناك أيضا مقترحات للسلام. ما يزعجني هو أنه توجد صراعات في أوروبا، على وجه الخصوص الصراع الأوكراني لكنه ليس الوحيد، هناك مخاطر في دول البلطيق وفي مولدافيا، لكن هل تعرفون أي خطة سلام واحدة؟ هناك خطط سلام وهمية يصنعها السيد ترمب ثلاث مرات أسبوعيا، لكن لا توجد حتى خطة سلام وهمية واحدة أعدها الأوروبيون. أنا لدي خطة سلام تقوم على عقد "هلسنكي-2"، (المؤتمر الأول انعقد بين 1973 و1974 وكان جزءا من مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا-CSCE، وشارك فيه نيكسون وبريجنيف)، مؤتمر هلسنكي جديد حول الأمن في أوروبا في سياق ما بعد الثنائية القطبية. لم يتم حتى اقتراح ذلك، ولا يوجد أي شيء مماثل مقترح. لذلك أنا قلق.

* لقد شهدت على تحولات وأحداث كثيرة حول العالم، الآن هناك حديث متزايد عن انهيار النظام الدولي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، هل سيشهد القرن الواحد والعشرين ولادة نظام عالمي جديد؟ ما هي ملامحه الرئيسة برأيكم؟ وهل يمكن يتمخض عن حرب عالمية جديدة؟

- كما تعلمون، مرة أخرى، أنا لست عالم مستقبل. لا أعرف ماذا سيخرج من الوضع الحالي. أنا أرى أساسا عناصر جديدة، مقلقة تماما، لا يريد أحد مواجهتها ولا يريدون أخذها بعين الاعتبار. ومن هنا تأتي التوترات والمخاطر؛ العالم القديم. وبالنسبة لي، العالم القديم، وهو أوروبا، بما في ذلك روسيا، وكذلك الولايات المتحدة، لم يفهموا أبدا ولا اعترفوا بماهية الحداثة، أي هذه التداخلية الشاملة بين الاقتصادات والمجتمعات. وهذا، في رأيي، هو أساس فشلهم. في حين أن الصين، فهمت بسرعة الفائدة التي يمكن أن تجنيها من العولمة لصالحها، أي لعب لعبة العولمة للتحكم بها بشكل أفضل.

بداية الحل هي التعددية، أي إضفاء الطابع المؤسسي على العولمة. لكن هذه التعددية اليوم في حالة سيئة. وأفضل أداء في التعددية تم كسره على يد ترمب

نحن نميل إلى الاعتقاد بأننا مركز العالم وأن البقية تظل في الهامش، وهذا أمر سخيف. والإنكار الآخر هو الذي يضرب فكرة الجنوب العالمي، والتي ظهرت تحت تأثير إنهاء الاستعمار، والعولمة، وسقوط الجدار.

وهنا، يُقال لنا: الجنوب العالمي غير موجود، إنه اختراع، لا يوجد شيء مشترك بين غامبيا والصين. نعم ربما، لكن من الناحية الذاتية الجنوب العالمي موجود، وفي اللعبة العالمية الحالية، لا يمكن تجاوزه. كما أن هذا الرفض المنهجي للشراكة بين القوى الأميركية والآسيوية والأفريقية يؤدي بالفعل إلى نوع من الفوضى العالمية التي هي خطيرة بشكل استثنائي. وأخيرا، هناك عنصر آخر، وهو أن قرننا هو قرن الاستحواذ الاجتماعي على العلاقات الدولية.

ما يعني أنه ليس أمامنا فقط مدافع الأمراء الذين كانوا يوما أقاربنا وكنا نعرفهم تماما، لدينا مليارات الأفراد، مليارات الأفراد الذين لم يعودوا سلبيين، لأنهم متصلون بشبكة الإنترنت ويتفاعلون مع ما يجري في العالم. هناك ثلاثة مليارات من الأشخاص "المتصلين"، أي 39 في المئة من سكان العالم "متصلون". تذهب إلى الأحياء الفقيرة في أفريقيا، ترى أشخاصا "متصلين"، يعرفون ما يجري في مدينتك ربما. هناك أشخاص يعرفون أنهم محتقرون ومهانون، والمهانة دائما تؤدي إلى الانفجار.

لقد فهم البعض أن الحل، بداية الحل لكل ذلك، هو التعددية، أي إضفاء الطابع المؤسسي على هذه العولمة. لكن هذه التعددية اليوم في حالة سيئة. ما كان أفضل أداء في التعددية قد تم كسره على يد ترمب. أفكر في التعددية الاجتماعية، أي جميع هذه الوكالات الأممية التي تعتني باللاجئين والمرضى والجائعين... إلخ. ومع ذلك، لديهم موارد أقل فأقل لأن الدبلوماسية الأميركية تحرمهم منها. وهذا، في رأيي، مصدر قلق كبير.

* هل أنتم قلقون من أن تغير الصين استراتيجيتها؟ وأن تلجأ إلى استخدام القوة؟

- كما تعلمون، التاريخ يوفر طريقا في اتجاه واحد، لا توجد هناك عودة إلى الوراء؛ لن يكون هناك عودة إلى شكل قديم من العلاقات الدولية. أعتقد أن الصين تواجه صعوبات اليوم، جزئيا مرتبطة باضطراب العالم. ولهذا السبب، هي لا تريد أن يزداد اضطراب هذا العالم.

هي تواصل الاستفادة أكثر بكثير من الموارد الحالية مقارنة بالآخرين. لذلك، في الوقت الحالي، وضعها أفضل، ولا يزال، في رأيي، ليس لديها مصلحة في تغيير استراتيجيتها. بالطبع، إذا لعبنا بالنار، من طبيعة النار أنها يمكن أن تنتشر في كل مكان.

font change

مقالات ذات صلة