الصين تعيد رسم خريطة الخليج التكنولوجية (١)

طريق الحرير الرقمي يصل الخليج

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

الصين تعيد رسم خريطة الخليج التكنولوجية (١)

تمضي الصين اليوم بوتيرة لافتة في سباق الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، في مسار لا يهدف فقط إلى اللحاق بالركب العالمي، بل إلى إعادة رسم ملامح المشهد الرقمي برمته. ففي الوقت الذي لا يزال فيه الغرب غارقا في نقاشات مطولة حول الذكاء الاصطناعي العام، وحدود الأخطار الوجودية، وأطر الحوكمة والأخلاقيات، اختارت بكين نهجا مختلفا وأكثر براغماتية، هو تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة عملية تخدم الاقتصاد والمجتمع هنا والآن، وفي أوسع نطاق ممكن.

هذا التوجه الصيني يقوم على تحقيق اختراقات فورية قابلة للتوسع السريع، بدل انتظار قفزات نظرية بعيدة المدى. فبدل التركيز على نماذج فائقة التعقيد أو رهانات مستقبلية غير مضمونة، تعمل الصين على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مباشرة في تطبيقات منخفضة التكلفة، وقابلة للنشر على نطاق واسع. والنتيجة هي انتشار متسارع لهذه التقنيات في قطاعات متعددة، من الروبوتات الصناعية والخدمية، إلى الحوسبة السحابية، مرورا بالمركبات الذاتية القيادة، وأنظمة المراقبة الذكية، وصولا إلى تحسين كفاءة المصانع وسلاسل الإمداد والطاقة.

ويمتاز هذا النموذج بالسرعة والحجم في آن واحد، إذ لا تكتفي الشركات الصينية بتجربة الحلول في نطاقات ضيقة، بل تدفع بها إلى الأسواق بسرعة قياسية، مستفيدة من سوق محلية ضخمة تسمح بالاختبار والتعديل والتوسع في وقت قصير. ومع مرور الوقت، تتضح ملامح استراتيجيا أعمق: فالصين لا تسعى فقط إلى قيادة الابتكار التقني، بل إلى ترسيخ منصاتها وبناها التحتية الرقمية في قلب الاقتصادات العالمية، بحيث تصبح هذه التقنيات جزءا لا يتجزأ من أنظمة النقل، والخدمات، والصناعة، والإدارة العامة في دول عديدة.

لذا، يكتسب النموذج الصيني أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الخليج. فالسعودية والإمارات وقطر تخوض جميعها سباقا متسارعا نحو بناء مدن ذكية، وتطوير اقتصادات رقمية متقدمة، وصوغ استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، في إطار سعيها لتنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط. وتحتاج هذه الدول إلى حلول تقنية لا تكون متقدمة فحسب، بل سريعة التطبيق، وقابلة للتوسع، وذات تكلفة يمكن التحكم بها.

AFP
صاروخ Long March 3B يحمل القمر الصناعي Beidou-3GEO3 من مركز شيتشانغ لإطلاق الأقمار الصناعية في شيتشانغ بمقاطعة سيتشوان جنوب غرب الصين في 23 يونيو 2020

وهنا تبرز الجاذبية الصينية بوضوح. فالقدرة على توفير حلول ذكاء اصطناعي جاهزة للتنفيذ – سواء في شكل سيارات أجرة ذاتية القيادة تجوب الشوارع، أو منصات سحابية لإدارة الخدمات الحكومية، أو أنظمة ذكية لرفع كفاءة الطاقة والمياه – تمنح قادة الخليج مسارا أقصر نحو التحول الرقمي. والأهم من ذلك أن الشركات الصينية غالبا ما تعرض شراكات أكثر مرونة، لا تقتصر على بيع التكنولوجيا، بل تشمل التمويل، وبناء البنية التحتية، ونقل الخبرة التقنية، في حزمة متكاملة تتماشى مع طموحات المنطقة في تحقيق تحديث رقمي سريع وملموس.

وبينما يستمر الجدل العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي وحدوده، تمضي الصين في تكريس واقع جديد قوامه الانتشار الواسع والتطبيق العملي. وهو واقع تجد فيه دول الخليج فرصة استراتيجية لتسريع انتقالها إلى اقتصاد ما بعد النفط، مستفيدة من نموذج صيني يقدم التكنولوجيا لا بوصفها وعدا بعيدا، بل كأداة جاهزة لإعادة تشكيل الحاضر وصناعة المستقبل القريب.

أخطار استراتيجية

غير أن هذه الجاذبية المتزايدة للتكنولوجيا الصينية لا تأتي بلا أثمان أو أخطار استراتيجية عميقة. فالانجذاب إلى حلول سريعة ومنخفضة التكلفة قد يقود، مع مرور الوقت، إلى اعتماد مفرط على مزود خارجي واحد، وهو اعتماد لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يمتد ليشمل البيانات والبنى التحتية الرقمية والقدرة على اتخاذ القرار السيادي. وفي عالم تعد فيه البيانات موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن النفط والغاز، يثير هذا الاعتماد أسئلة حساسة تتعلق بسيادة البيانات، والأمن السيبراني، ومن يملك حق الوصول إلى الأنظمة الحيوية والتحكم بها في أوقات الأزمات.

وتزداد هذه المخاوف تعقيدا عندما يتعلق الأمر بالشركات الصينية تحديدا. فعلى خلاف العديد من الشركات الغربية التي تعمل – نظريا على الأقل – ضمن أطر قانونية تفصل بين الدولة والقطاع الخاص، تتحرك شركات التكنولوجيا الصينية داخل منظومة تتداخل فيها سياسات الدولة مع استراتيجيات الشركات بشكل وثيق. هذا التداخل يعني أن انتشار المنصات الرقمية الصينية خارج حدود الصين، لا يمكن فصله عن الأجندة الجيوسياسية الأوسع لبكين، سواء تعلق الأمر بتوسيع النفوذ، أو بتشكيل معايير تقنية عالمية، أو بتأمين موطئ قدم طويل الأمد في البنى التحتية الرقمية للدول الأخرى.

أظهرت الصين خلال الأعوام القليلة الماضية أنها تجاوزت مرحلة السعي للحاق بالثورة التكنولوجية العالمية، وانتقلت بثبات إلى موقع الشريك القائد فيها، بل والمنافس المباشر لأكبر القوى التقنية في العالم

بالنسبة إلى دول الخليج، التي ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة، تطرح هذه المعادلة إشكاليات دقيقة وحساسة. فتبني منظومات رقمية صينية واسعة النطاق، قد ينظر إليه في واشنطن على أنه تهديد محتمل لأمن الشبكات، أو قناة غير مباشرة لنفوذ سياسي وتقني صيني في منطقة تعد ذات أهمية استراتيجية قصوى للولايات المتحدة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن دول الخليج أن تحتضن الحلول الرقمية الصينية، وتستفيد من سرعتها وتكلفتها المنخفضة، من دون أن ينعكس ذلك سلبا على شراكاتها الأمنية والديبلوماسية الحيوية مع واشنطن؟ أم أن التوسع في هذا الاتجاه سيضعها عاجلا أم آجلا أمام ضغوط سياسية وخيارات صعبة؟

ويزيد الموقع الجغرافي والسياسي للخليج، عند تقاطع المصالح الأميركية والصينية، حدة هذه الخيارات. فالمنطقة باتت ساحة تنافس تكنولوجي بامتياز، حيث تسعى كل قوة كبرى إلى جذبها إلى فلكها الرقمي. الولايات المتحدة تروج لمفهوم "البنى التحتية الموثوق بها" وتشدد على المعايير التنظيمية، وحوكمة البيانات، والشفافية، والأمن السيبراني، ولو على حساب السرعة والتكلفة. في المقابل، تعرض الصين نموذجا يقوم على التنفيذ السريع، والحلول الجاهزة، والأسعار التنافسية، وقابلية التوسع، وهو نموذج مغرٍ بشكل خاص للدول التي تسابق الزمن لتحقيق التحول الرقمي.

أمام هذا المشهد المعقد، لا يقتصر التحدي الذي يواجه صانعي القرار في الخليج على مسألة تبني الذكاء الاصطناعي من عدمه، بل يتجاوزها إلى سؤال أعمق: كيف يمكن تحقيق الاستفادة القصوى من هذه التقنيات من دون التفريط بالاستقلالية الاستراتيجية؟ وكيف يمكن بناء اقتصاد رقمي متقدم لا يتحول، مع مرور الزمن، إلى مصدر هشاشة أو أداة ضغط خارجي؟ إن الموازنة بين اغتنام الفرص التقنية والحفاظ على السيادة الرقمية، أصبحت معادلة دقيقة تتطلب رؤية بعيدة المدى، وتنويع الشراكات، وبناء قدرات محلية تقلل الاعتماد المطلق على أي طرف خارجي.

أظهرت الصين خلال الأعوام القليلة الماضية أنها تجاوزت مرحلة السعي للحاق بالثورة التكنولوجية العالمية، وانتقلت بثبات إلى موقع الشريك القائد فيها، بل والمنافس المباشر لأكبر القوى التقنية في العالم. فالتقدم الذي حققته بكين في الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة، لم يعد مجرد تحسينات تدريجية، بل تحول إلى اختراقات نوعية أعادت تشكيل نظرة العالم إلى قدراتها، وكسرت الصورة التقليدية التي حصرت الابتكار العميق في الغرب وحده.

إحدى أبرز هذه اللحظات الفارقة جاءت في عام 2024، عندما أطلقت شركة DeepSeek الصينية نموذجا لغويا ضخما اقترب في أدائه من مستوى GPT-4، ولكن بتكلفة أقل بكثير. لم يكن هذا التطور مجرد إنجاز تقني، بل حمل دلالة استراتيجية عميقة، إذ أثبت أن الصين قادرة على تطوير ذكاء اصطناعي توليدي متقدم دون الحاجة إلى استثمارات هائلة بحجم تلك التي تضخها الشركات الأميركية العملاقة. وبهذا، فتحت بكين الباب أمام نمط جديد من الانتشار، حيث تصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في متناول الشركات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك الحكومات التي لا تملك موازنات ضخمة، مما يعزز سرعة تبني هذه الأنظمة على نطاق عالمي أوسع.

وفي موازاة ذلك، سجلت الصين تقدما لافتا في مجال الروبوتات، وخصوصا الروبوتات البشرية والخدمية. فالشركات الصينية لم تركز فقط على تطوير نماذج استعراضية، بل اندفعت نحو روبوتات مخصصة للوجستيات، والرعاية الصحية، والخدمات العامة، والصناعة. ويعكس هذا التوجه فلسفة صينية واضحة ترى في الذكاء الاصطناعي أداة لحل مشكلات اجتماعية واقتصادية ملموسة، مثل نقص العمالة وارتفاع تكلفة الخدمات، بدل حصره في أطر بحثية أو تجريبية بعيدة عن التطبيق اليومي.

لا يقتصر الطموح الصيني على الأرض، بل يمتد بقوة إلى الفضاء، حيث حققت بكين سلسلة من الإنجازات التي ترتبط بشكل مباشر بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والأمن القومي

أما في مجال التنقل الذاتي، فقد أصبحت الصين واحدة من أكثر البيئات تطورا على مستوى العالم. فشركات مثل Baidu Apollo Go وPony.ai وWeRide تشغل بالفعل أساطيل من سيارات الأجرة الذاتية القيادة في عدد متزايد من المدن الصينية، ضمن عمليات شبه تجارية وليست مجرد تجارب محدودة. والأهم أن هذه الشركات بدأت تتطلع خارج حدود السوق المحلية، متجهة إلى مناطق استراتيجية مثل الخليج، حيث أطلقت مشاريع تجريبية في مدن كأبوظبي والرياض. ولا يقتصر هذا التوسع على تصدير سيارات ذاتية القيادة فحسب، بل يشمل منظومات رقمية متكاملة تضم الخرائط العالية الدقة، والبيانات الحضرية، وأنظمة إدارة المرور، ومنصات المدن الذكية. وبالنسبة إلى صناع القرار في الخليج، تبدو هذه الشراكات مغرية لأنها تقدم حلا شاملا يجمع بين العتاد والبرمجيات والتمويل والخبرة التشغيلية في حزمة واحدة.

طريق الحرير

ويستند هذا الزخم التكنولوجي إلى إطار أوسع تمثله مبادرة "طريق الحرير الرقمي" التي تشكل الامتداد الرقمي لـ"مبادرة الحزام والطريق". فبينما ركزت النسخة التقليدية من المبادرة على تشييد البنى التحتية المادية، مثل الموانئ والسكك الحديد والطرق السريعة، يركز طريق الحرير الرقمي على بناء البنى التحتية غير المرئية ولكن الحاسمة لعصر الاقتصاد الرقمي. وتشمل هذه البنى كابلات الألياف الضوئية العابرة للحدود، وشبكات الجيل الخامس، والخدمات السحابية، وأنظمة المدن الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

Getty Images
تجار يعبرون مع الجمال طريق الحرير الذي يربط الصين بأوروبا، مما يسمح بدخول الحرير والسلع الأخرى

في منطقة الخليج، يتجلى هذا الدور بوضوح. فقد أسهمت شركة "هواوي" في بناء جزء كبير من بنية الجيل الخامس، مما منح الصين حضورا عميقا في شبكات الاتصالات الحيوية. وفي الوقت نفسه، أنشأت Alibaba Cloud مراكز بيانات في السعودية والإمارات لتقديم خدمات سحابية للحكومات والشركات، مما يجعل هذه المنصات جزءا لا يتجزأ من الإدارة الرقمية والاقتصاد اليومي. ويكمن البعد الاستراتيجي لهذه المشاريع في أنها تخلق، مع مرور الوقت، اعتمادا طويل الأمد. فكلما ترسخت الأنظمة والمنصات الصينية، ازدادت صعوبة استبدالها أو التحول إلى بدائل أخرى دون تكلفة سياسية واقتصادية وتقنية مرتفعة.

ولا يقتصر الطموح الصيني على الأرض، بل يمتد بقوة إلى الفضاء، حيث حققت بكين سلسلة من الإنجازات التي ترتبط بشكل مباشر بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والأمن القومي. فقد أصبح نظام الملاحة الصيني BeiDou منافسا فعليا لنظام GPS الأميركي، ويستخدم اليوم في عدد متزايد من الدول في آسيا وإفريقيا والخليج، مما يمنح الصين نفوذا إضافيا في البنى التحتية للملاحة والاتصالات. وفي الوقت ذاته، حقق برنامج "تشانغ آه" القمري إنجازا تاريخيا بجعل الصين أول دولة تهبط على الجانب البعيد من القمر، في خطوة تمهد لاستكشاف موارده الطبيعية مستقبلا.

تدرك بكين أن موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي لا يزال، من حيث العتاد الحاسوبي المتقدم، متأخرا عن الولايات المتحدة، ولا سيما في مجالات الحوسبة الفائقة وتصنيع الشرائح المتطورة

كما بنت الصين محطتها الفضائية الخاصة "تيانغونغ" التي تطرح بوصفها منصة مفتوحة للتعاون الدولي، في وقت تقترب فيه محطة الفضاء الدولية من نهاية عمرها التشغيلي. وتعكس هذه التطورات مجتمعة رؤية صينية شاملة لا ترى الفضاء مجرد ساحة علمية، بل تعتبره جزءا من سلسلة تكنولوجية متكاملة تضم الملاحة والاتصالات والاستشعار والسيطرة على الموارد، وكلها عناصر تغذي تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعزز القدرات الاستراتيجية والأمن القومي.

أ.ف.ب
رائد الفضاء الصيني كاي شوزهي يجلس على كرسي بينما يساعد طاقم الأرض في إخراج رائدي فضاء آخرين من مركبة "شنتشو-19" من كبسولتهما بعد هبوطهما في منطقة منغوليا الداخلية الصينية

تكشف هذه المسارات المتعددة أن صعود الصين التكنولوجي ليس ظرفيا ولا محدودا بمجال واحد، بل هو مشروع طويل الأمد يسعى إلى بناء منظومة متكاملة تمتد من الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى البنى التحتية الرقمية والفضاء. وهو صعود يفرض نفسه بقوة على دول الخليج والعالم، ليس فقط بوصفه خيارا تقنيا مغريا، بل كعامل استراتيجي يعيد رسم موازين القوة في القرن الحادي والعشرين.

يعود هذا التسارع اللافت في وتيرة الإنجازات الصينية إلى الدور المحوري الذي تضطلع به الحكومة المركزية في توجيه المسار التكنولوجي للبلاد. فعلى خلاف النموذج الأميركي أو الأوروبي، حيث تتمتع الشركات الخاصة بهوامش واسعة لاتخاذ قراراتها بصورة مستقلة وفق اعتبارات السوق والربحية، تعتمد الصين نهج التخطيط المركزي الطويل الأمد. هذا النهج لا يكتفي بوضع رؤى عامة، بل يترجمها إلى برامج وسياسات ملزمة تنسق عمل الجامعات، والشركات الخاصة، ومؤسسات البحث، وحتى الجيش، ضمن منظومة واحدة تتحرك نحو أهداف مشتركة.

صنع في الصين

وتجسد مبادرات مثل "صنع في الصين 2025" والاستراتيجيا الوطنية للذكاء الاصطناعي هذا النموذج بوضوح، إذ تعمل كأطر توجيهية كبرى تحدد الأولويات التكنولوجية للدولة، وتربط بين البحث العلمي والتطبيق الصناعي والأمن القومي. وإلى جانب التوجيه، توفر الحكومة دعما ماليا وتنظيميا واسع النطاق، من أبرز مظاهره قسائم القدرة الحاسوبية التي تتحمل الدولة من خلالها ما يصل إلى 80 في المئة من تكلفة تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي للشركات الناشئة والمؤسسات البحثية. ويتيح هذا الدعم خفض الحواجز أمام الابتكار، وتسريع دورة التطوير، وتحويل الأفكار البحثية إلى منتجات قابلة للتطبيق في وقت قصير.

ويضمن هذا النموذج من الحوكمة التكنولوجية تقدما منسقا وسريعا، لا يقتصر على قطاع واحد، بل يربط الذكاء الاصطناعي بالاتصالات والبنى التحتية الرقمية والفضاء في إطار استراتيجيا وطنية متكاملة. ونتيجة لذلك، لا تسعى الصين فقط إلى تحسين قدراتها التقنية، بل إلى بناء منظومة شاملة يصعب فصل عناصرها بعضها عن بعض، مما يمنحها ميزة تنافسية في الانتشار والتأثير العالمي.

وتكشف هذه الاختراقات مجتمعة صورة واضحة المعالم: فالصين لا تعمل على جعل الذكاء الاصطناعي أقل تكلفة وأسهل تبنيا فحسب، بل تمضي أبعد من ذلك عبر دمج أنظمتها ومنصاتها في صميم البنى التحتية العالمية، وبناء قدرات متقدمة في مجالات استراتيجية مثل الفضاء والاتصالات. وهذا الواقع يخلق في آن واحد فرصا وأخطارا لدول الخليج، إذ تبدو الحلول الصينية مغرية من حيث السرعة والتكلفة والشمولية، لكن تبنيها يفرض في المقابل أسئلة معقدة تتعلق بسيادة البيانات، والاعتماد الطويل الأمد على مزود واحد، والحفاظ على توازن دقيق في بيئة جيوسياسية شديدة الحساسية.

في ظل غياب التفوق في الشرائح المتقدمة، تستطيع بكين تحقيق مكاسب اقتصادية هائلة عبر توسيع نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي، شريطة توفير التمويل الكافي، وتأمين أسواق قادرة على استيعاب هذه التقنيات وتبنيها بسرعة

تدرك بكين أن موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي لا يزال، من حيث العتاد الحاسوبي المتقدم، متأخرا عن الولايات المتحدة، ولا سيما في مجالات الحوسبة الفائقة وتصنيع الشرائح المتطورة. فحتى مايو/أيار 2025، تشير التقديرات إلى أن واشنطن تستحوذ على نحو 75 في المئة من الأداء العالمي للحواسيب الفائقة المخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مقابل نحو 14 في المئة فقط للصين. ووفق تحليلات مقارنة، قد تمتلك الولايات المتحدة ما يعادل 39.7 مليون وحدة من معالجات Nvidia H100، في حين لا يتجاوز ما لدى الصين نحو 400 ألف وحدة، أي فجوة تقارب تسعة وتسعين إلى واحد.

ورغم صعوبة التحقق المستقل من هذه الأرقام بدقة، فإنها تعكس على نحو عام حجم الهوة الحاسوبية بين الطرفين. وتزداد هذه الفجوة عمقا بفعل القيود الأميركية المفروضة منذ عام 2022 على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة، والتي حدت بشكل كبير من وصول الشركات الصينية إلى أحدث العتاد. وللتعامل مع هذا الواقع، لجأت بكين إلى مسارات بديلة، شملت تطوير شرائح محلية أقل تقدما، والاعتماد على مخزونات قديمة، واستئجار موارد حوسبة سحابية من أطراف خارجية، وهي حلول تظل أقل كفاءة وأكثر تكلفة على المدى الطويل.

سباق محموم

في المقابل، أطلقت الصين أدوات استثمارية واسعة النطاق لتعويض هذا النقص وتعزيز بنيتها التحتية الرقمية. ومن أبرز هذه الأدوات صندوق حكومي للذكاء الاصطناعي بقيمة 8.2 مليارات دولار أعلن عنه في يناير/كانون الثاني 2025، إلى جانب صندوق ضخم للرقائق بقيمة 47.5 مليار دولار أنشئ في عام 2024، بهدف تسريع تطوير القدرات المحلية في أشباه الموصلات والحوسبة المتقدمة.

ورغم أن الصين لا تستطيع، في الوقت الراهن، مجاراة التفوق الأميركي في القدرة الحاسوبية الخام، فإنها أعادت صوغ استراتيجيتها بطريقة براغماتية. فقد كشفت مبادرة "الذكاء الاصطناعي بلس" التي أعلنها مجلس الدولة في 27 أغسطس/آب 2025، عن تحول واضح في الأولويات: من سباق محموم على التفوق في العتاد، إلى التركيز على دمج الذكاء الاصطناعي في جميع قطاعات الاقتصاد. ويهدف هذا البرنامج إلى تحقيق انتشار للتطبيقات الذكية بنسبة 70 في المئة في حلول عام 2029، و90 في المئة في حلول 2030، في إطار رؤية أوسع لبناء "مجتمع ذكي" يقوم على الأتمتة والتحليل الذكي للبيانات في مختلف مناحي الحياة.

وتعزز التقديرات الاقتصادية هذا التوجه، إذ تتوقع مؤسسات مالية كبرى، من بينها مورغان ستانلي، أن يصل حجم اقتصاد الذكاء الاصطناعي في الصين إلى نحو 1.4 تريليون دولار في حلول عام 2030. والمنطق الذي يحكم هذه الرؤية واضح، فحتى في ظل غياب التفوق في الشرائح المتقدمة، تستطيع بكين تحقيق مكاسب اقتصادية هائلة عبر توسيع نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي، شريطة توفير التمويل الكافي، وتأمين أسواق قادرة على استيعاب هذه التقنيات وتبنيها بسرعة. وفي هذا التقاطع بين الحاجة الصينية إلى أسواق وفرص تطبيق، وطموح دول الخليج إلى تسريع التحول الرقمي، تتشكل مساحة تعاون واعدة، لكنها محفوفة بحسابات استراتيجية دقيقة.

font change