مبادرة ترمب وسد النهضة... دعم مصر وسط مشهد جيوسياسي شديد التقلب

شريان حياة مهدد

رويترز
رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعقد اجتماعا مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال المنتدى الاقتصادي العالمي

مبادرة ترمب وسد النهضة... دعم مصر وسط مشهد جيوسياسي شديد التقلب

طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب عرضا للوساطة في النزاع الطويل حول تقاسم مياه النيل بين مصر وإثيوبيا، في خطوة قد تبدو لأول وهلة بادرة إيجابية نحو القاهرة. فمصر حافظت لعقود على سلامها مع إسرائيل، وصانت قناة السويس الحيوية، وظلت شريكا رئيسا لواشنطن في مجالات الأمن والاستخبارات والتعاون العسكري، ولعبت دورا محوريا في التوصل إلى هدنة غزة الهشة لكنها مستمرة.

كما أن قبول الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة ترمب للانضمام إلى مجلس السلام حديث التأسيس– رغم الجدل المحيط به– أكسب هذا الكيان قدرا من الشرعية الدولية التي كان بأمسّ الحاجة إليها، في وقت يعرب فيه قادة العالم عن مخاوفهم من اتساع صلاحيات المجلس وغموض آليات اتخاذ القرار داخله.

ومع ذلك، يأتي عرض الوساطة الأميركي في لحظة تتسارع فيها التحولات الجيوسياسية في الإقليم، وعلى سواحل البحر الأحمر وفي القرن الأفريقي، مع تغيّر التحالفات وإعادة تشكيل موازين القوى. وهو توقيت يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت المبادرة تهدف فعلا إلى حل نزاع مضى عليه أكثر من عقد، أم إنها تخدم مصالح استراتيجية أخرى.

في قلب الخلاف المصري-الإثيوبي يقف سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق، الرافد الأساسي الذي يغذي نهر النيل، مصدر المياه العذبة لمصر. ومنذ انطلاق أعمال بنائه قبل أكثر من عقد، تحوّل هذا المشروع الكهرومائي، الذي تقدر كلفته بمليارات الدولارات، من مبادرة إقليمية للبنية التحتية إلى مصدر دائم لقلق صانعي القرار في القاهرة، وإلى تهديد يلوح في الأفق لـ110 ملايين مصري يواجهون أصلا أزمة مائية خانقة.

السد، الذي دخل مرحلة التشغيل الكامل في أغسطس/آب 2025، يشكل خطرا مباشرا على أمن مصر المائي في المدى البعيد. فمصر تعتمد بشكل شبه كامل على النيل لتأمين احتياجاتها من المياه العذبة، وتحصل بموجب الاتفاقات الدولية القائمة على حصة سنوية معترف بها تبلغ 55.5 مليار متر مكعب.

لكن الخزان الضخم للسد أثبت قدرته على إحداث اضطراب واسع في تدفق المياه. وخلال سنوات الملء المتتالية، احتجزت إثيوبيا كميات هائلة من المياه كانت ستتجه إلى مصر. وحتى بعد بدء توليد الكهرباء، ما زال السد يحجب أو يتحكم في كميات كبيرة من الحصة المصرية السنوية.

الخزان الضخم للسد أثبت قدرته على إحداث اضطراب واسع في تدفق المياه

وفي خطاب حديث أمام البرلمان، كشف وزير الموارد المائية والري أن الدولة أنفقت عشرات المليارات من الجنيهات على إجراءات التخفيف، من توسيع محطات معالجة الصرف الصحي، إلى التوسع في تحلية مياه البحر، والاستثمار في مشروعات ترشيد الاستهلاك، في محاولة لحماية المواطنين من التأثيرات المباشرة لانخفاض الواردات المائية.

وقد أسهمت هذه الإجراءات المكلفة في تخفيف الصدمة إلى الآن، لكن مصر تتهيأ لمواجهة خسائر أكبر بكثير على المدى الطويل. ففي الظروف الهيدرولوجية العادية، يؤدي السد إلى تقليص حجم المياه المتاحة. أما في حالات الجفاف أو فترات الشح الممتدة، فقد تكون النتائج مدمرة، بما في ذلك اضطرابات اقتصادية واسعة، وانهيار في القطاع الزراعي، ونقص حاد في بلد يُعد بالفعل من أكثر دول العالم معاناة من ندرة المياه.

.أ.ف.ب
علم أثيوبيا أمام سد النهضة، في حفل افتتاح السد، 9 سبتمبر 2025

وشهدت مصر إنذارا مبكرا لمخاطر سوء الإدارة في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2025، حين أدى إطلاقٌ غير مخطط لكميات هائلة من المياه خلال موسم الأمطار إلى غمر مساحات واسعة من وادي النيل، وإغراق أراض زراعية وقرى. وكانت الخسائر أشد وقعا في السودان، حيث أعاقت الحرب الأهلية المستمرة قدرة الدولة على الاستعداد لمثل هذه الفيضانات المفاجئة أو احتوائها.

الجغرافيا السياسية المتحولة

على مدى أعوام، وصف الرئيس عبد الفتاح السيسي النزاع حول سد النهضة بأنه تهديد وجودي للدولة المصرية. وبرغم الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلتها القاهرة لحل الأزمة، جاء عرض الوساطة الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في لحظة تشهد تحولات عميقة في المشهد الجيوسياسي الإقليمي، وهي تحولات تعكس اتجاها مصريا متزايدا نحو الإمساك بزمام المبادرة.

وخلال العقد الماضي، طرقت مصر كل باب سياسي ودبلوماسي متاح، من بينها ممارسة ضغوط على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن تشغيل السد. ومع استنفاد تلك المسارات، بدأت القاهرة في اعتماد خطوات استباقية لحماية حصتها الحيوية من مياه النيل ومنع إثيوبيا من تحويل السد إلى أداة للابتزاز السياسي.

ورغم النفي الإثيوبي المتكرر لوجود مثل هذه النوايا، يبدو أن السد، الذي يتجاوز بكثير احتياجات البلاد من الكهرباء أو قدراتها التصديرية إلى جيرانها، صُمم ليفتح فصلا جديدا من سياسات القوة المائية في القرن الأفريقي وربما خارجه.

نسجت مصر شبكة من التعاون العسكري واتفاقات الدفاع المشترك مع دول الجوار الإثيوبي، من إريتريا والصومال إلى جيبوتي وكينيا وأوغندا

وفي مواجهة هذا التحدي، نسجت مصر شبكة من التعاون العسكري واتفاقات الدفاع المشترك مع دول الجوار الإثيوبي، من إريتريا والصومال إلى جيبوتي وكينيا وأوغندا. وتكشف الخرائط بوضوح عن استراتيجية تطويق تعتمدها القاهرة، توجه من خلالها رسالة مباشرة إلى أديس أبابا مفادها أن المساس بتدفقات النيل، شريان الحياة المصري، سيجعل إثيوبيا ضمن نطاق الفعل العسكري والاستراتيجي للقاهرة.

وتسعى هذه التحركات أيضا إلى كبح طموحات إثيوبيا البحرية، وإفشال محاولتها الوصول إلى البحر الأحمر عبر إنشاء قاعدة بحرية في إقليم "أرض الصومال" المعلن من جانب واحد. وبالتوازي مع ذلك، تريد الصومال تشكيل تحالف مع السعودية لإعادة رسم موازين النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ومن خلال دعم الحكومة المركزية في مقديشو، سيعمل هذا التحالف في حال إنشائه على منع تفكك الدولة الصومالية، وتعزيز سلطة "الاتحاد" على أراضيه كافة، والتصدي لمحاولات قوى إقليمية استغلال السواحل الصومالية لتحقيق مكاسب استراتيجية عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وخليج عدن. وفي المحصلة، فإن صومالا أقوى يحاصر الطموحات الإثيوبية نحو البحر، ويعزز موقع مصر في ساحة تعج بالتقلبات الجيوسياسية.

font change