الجسد أولا في قصص النساء العربيات في المنفى

كأنه يولد منفيا ويعيش منفيا

غلاف كتاب "سرديات المنفى"

الجسد أولا في قصص النساء العربيات في المنفى

تمنحنا المجموعة القصصية "سرديات المنفى"، صورة لحال المرأة العربية التي اضطرت إلى ترك بلدها واتجهت نحو الغرب لأسباب كثيرة، أولها الحروب والأزمات الطاحنة التي اندلعت منذ سنوات.

المجموعة التي حررتها وقدمتها الكاتبة السورية المقيمة في فرنسا ميسا صالح، وصدرت عن "دار هن" في القاهرة، احتوت على كتابات قصصية لعدد من المهاجرات واللاجئات، معظمهن من سوريا، فتناولت كل منهن، من خلال قصتين أو أكثر، ثنائية المنفى والذاكرة وحال الجسد بينهما.

منفى الجسد

تمضي معظم قصص المجموعة في خطين متقاطعين تجمعهما هواجس المنفى وذكريات الأمكنة التي جاءت منها الكاتبات، ومعهما وخلالهما يبرز الجسد كعلامة على ماضي حياتهن وحاضرهن. يبدو الجسد من خلال هذه الكتابات أنه عاش منفيا في أمكنة ولادته ونشأته الأولى، فتلازم النفي معه أينما حل.

في قصة أمل سلامات، "لوح الشوكولاتة"، نجد البطلة في حال غرائبية، حيث تلتقي في هاملتون بكندا سيدة عرافة تمنحها لوح شوكولاتة مقسما أربع قطع، ثلاث سوداء وواحدة بيضاء. تأخذها القطع البيضاء، بشكل سحري، إلى أي مكان تريد أن تذهب إليه، أما القطعة السوداء فتعيدها إلى المكان الذي جاءت منه. وهو ما يحدث في تخيل الساردة، حيث تذهب لاسترداد أمكنة في سوريا لا تزال في الذاكرة، وتحتاج إليها لترميم بعض الصور التي تجمعها مع أقرباء، أثناء تحولات الأحداث خلال الفترة الماضية، ابتداء من الحرب وليس انتهاء بالتهجير ومغامرات الهرب.

لكن المنفى قد يكون اختيارا و"بطعم المشمش"، كما في قصة لإيمان دوجي التي تحلم بطلتها بالطيران "فوق المدن، فوق البحار، من بلد إلى بلد". لكن، حين تمضي أيام المنفى والحلم ومحاولة التأقلم، تكتشف أن "الناس فردانيون، وجوههم في الأرض، غارقون في أفكارهم".

أريد أن أعبر بجسدي، بصوتي. بكل جوارحي. كل صباح، كل مساء، أريد أن أصرخ

لا تختلف روز العبسي في قصتها، "ما تبقى في الحقيبة"، في اقترابها من أيام الثورة والاعتقالات والخوف، لكن يبدو أيضا، في جانب من القصة، أنها تسرد سيرة شخصية عن الأب السوري والأم الفلسطينية. فتسترجع مع الأم والجدة ذكرياتهما منذ نكبة 1948، عندما هُجر جدها وجدتها قسرا من قريتهما الطنطورة.

REUTERS/Yannis Behrakis
أمّون، لاجئة فلسطينية كفيفة تبلغ 70 عاما من حلب، تستريح على شاطئ جزيرة كوس اليونانية بعد وصولها بقارب من تركيا، 12 أغسطس 2015

وبما أن مواضيع القصص حددت مسبقا، فإن القصص الأخرى لكل من آنا إسكندر وريتا محمود ولورا الجندي وماريا عباس وماريانا الطباع ونادرة قزموز ونهى عبير ونورا رحمة وهلا محمد وعماد حبوب وولاء طرقجي، لا تبتعد عن هذا السياق.

الجسد أولا

في قصة ثانية لأمل سلامات بعنوان "جسدي كرنفال"، تتجسد ثنائية الجسد/المنفى، إذ تبدأ مع سؤال معلمة اللغة الإنكليزية، بعد الوصول إلى كندا، للساردة "ما كان حلمك حين كنت صغيرة؟"؛ فتجيبها "راقصة... أو لاعبة".

وإذ لم يتحقق حلمها، تستذكر "كان ذلك كفرا في موروث أهلي ومن حولهم أن تحلم طفلة بأن تصبح راقصة أو لاعبة. في خيالهم، الراقصة امرأة عارية، محاطة برجال غارقين في الشهوة. واللاعبة فتاة فقدت عذريتها حتما، بسبب الجمباز أو القفز". هذا الاستذكار المؤلم، نقرأه أيضا في قصة حنان أحمد، "تفاحة": "أنا وجسدي نقف أمام المرآة باستمرار. أحبه وأبغضه، كما يفعل هو معي. لم يكن التعامل مع جسد جميل متناسق ومرن أمرا سهلا، خاصة حين تأتين من مجتمع يرى هذا القالب كأداة شهوانية، صالحة لأن تكون سلعة قابلة للمضغ".

Daniel LEAL / AFP
نساء يحملن الأعشاب على رؤوسهن في كابول، أفغانستان، 4 أغسطس 2022

وفي قصة أخرى لإيمان دوجي بعنوان "صخرة في حنجرتي"، يبدو الجسد منفيا أبدا: "أريد أن أصرخ. أن أفجر كل الأصوات العالية. أريد استخدامها، لكني لا أجدها. ثمة شيء يسكن في حنجرتي، ربما صخرة. صخرة قاسية تغلق الحلق، تمنعني من الصراخ... من الكلام. الصراخ بالنسبة لي ضروري. أريد أن أعبر بجسدي، بصوتي. بكل جوارحي. كل صباح، كل مساء، أريد أن أصرخ: آه، أخ، أوه".

في قصتيها "رغبات مؤجلة" و"برزخ"، تناوش خلود الطنطاوي قامعي الجسد، وترصد تمرداته بين الشام في القصة الأولى والمنفى في القصة الثانية: "أواجه منفاي عارية، وحيدة، صرتُ أما لا تشبه أمها... ولا تحمل رائحتها".

أما الجسد عند روز العبسي فنعرفه من عنوان قصتها "جسدي آلة"، إذ نجد صوتا لا يختلف في نبرته عما سبق: "عشت حياتي وأنا أصف جسدي بأنه آلة. آلة تعمل على مدار اليوم دون توقف لتلبي احتياجات من حولها. أنا الآلة الابنة، الآلة الأم، الآلة الزوجة. آلة تسمع الآخرين وتتفهمهم. آلة صامتة لا تستطيع الكلام. جسدي آلة، وليس فيه زر أحمر لإطفائه".

لا تبتعد معظم قصص المجموعة عن ثنائية المنفى والذاكرة، وإن بدت في بعضها جوانب أخرى، فإنها تبقى في إطار الحنين إلى الزمن الماضي

وفي قصة مشابهة للكاتبة ريم، نجدها منذ سطورها الأولى تقرر أو تكشف: "جسدي ليس لي. حقيقة عرفتها منذ أن كنت في العاشرة، حين هددني والداي بعقاب شديد إن خرجت بفستان دون أكمام". وكانت آنذاك لا تفهم الفرق بين فستان بأكمام وآخر بلا أكمام، فعاندت وخلعت السترة حين فاجأها الحر. وإذ ظلت في صدام دائم مع المحيط الاجتماعي واجتازت الكثير من الحواجز، فإن الشعور بالجسد الذي لا تمتلكه بقي معها، لازمها حتى المنفى: "حتى اليوم. رغم الغربة، رغم أنني أعيش في بلد لا يُحكم فيه على أحد، أشعر بعيون الناس تلاحقني. وما زلت، حتى الآن، أخاف أن تراني أمي وأنا أرتدي جواربي الشفافة".

ASHRAF SHAZLY / AFP
متظاهرة سودانية في الخرطوم ترفع لافتة: "تحيا نضالات النساء، وحدهنّ يكسرن صمت القمع"، خلال احتجاجات مطالِبة بالحكم المدني والعدالة، 24 يناير 2022

هواجس أخرى

لا تبتعد معظم قصص المجموعة عن ثنائية المنفى والذاكرة. وإن بدت في بعضها جوانب أخرى، فإنها تبقى في إطار الحنين إلى الزمن الماضي، كما في قصة "السحاب" للتونسية آمال رياشي، التي تبدو الكاتبة الوحيدة غير السورية في المجموعة. ففي هذه القصة تستذكر أيام جدتها وأشياءها، كما تسرد الفقدان في قصة أخرى حيث تأخذ الحرب كل الأطفال الذين حرصت على تكاثرهم خشية فقد بعضهم، حتى إن آخرهم، قال قبل مقتله وهو يشير إلى المقبرة "ماما، أهذه الجنة؟". الأجواء نفسها نقرأها في قصة لكندا حميدان، وإن كانت الحرب في مكان آخر.

GUY PETERSON/AFP
امرأة تجلس عند كاسر الأمواج على شاطئ ليدو في مقديشو، الصومال، صباح 11 نوفمبر 2022

 وفي قصة علا جليلاتي، "أجمل ما في بيتي"، استذكار للحياة في الكويت، حيث كانت الساردة تعمل معلمة، كما تستذكر خلود الطنطاوي الام في قصة "غياب"، مع رائحة المحشي وهو يغلي في القدر الكبيرة فوق النار الهادئة.

كتاب يكشف جوانب مهمة عن حياة النساء في بلدانهن والمنفى، وقهر أجسادهن من قبل رجال يقومون بدور السجان والرقيب والمتسلط، في قصص كتب بعضها بسرد فني فاتن وبعضها في شكل خواطر، وإن كان نتاج لحظة ما، وهذا ما يؤطرها في عالم السرد.

كتاب يكشف جوانب مهمة عن حياة النساء في بلدانهن والمنفى، وقهر أجسادهن من قبل رجال يقومون بدور السجان والرقيب والمتسلط

هناك ملاحظات صارت معتادة حول الكتب العربية المشابهة التي تقدم مختارات في القصة أو الشعر، ومنها أن الكتاب يخلو من أي تعريف بالكاتبات المشاركات، مثل محل ولادتهن، إذا لم تكن أعمارهن متاحة، وهل لديهن أعمال سابقة وما تواريخ إصدارها، والبلدان التي يعشن فيها حاليا، والسنوات التي هاجرن فيها، إلى جانب أي معلومات تفيد القراء والباحثين.

font change