عندما تسخر استراتيجية الدفاع الأميركية من "النظام العالمي"

تحول هائل في اتجاه بوصلتها جغرافياً وعقائدياً

أ.ف.ب- رويترز
أ.ف.ب- رويترز

عندما تسخر استراتيجية الدفاع الأميركية من "النظام العالمي"

تثير استراتيجية وزارة الحرب الأميركية (الدفاع سابقا) لعام 2026 من التساؤلات أكثر مما تجيب. فهي في ظاهرها تشكل تحولا هائلا في اتجاه بوصلتها الدفاعية جغرافياً وعقائدياً وترتيباً لهرم أولوياتها. وفي الوقت نفسه يلف الغموض الآليات العملية التي ينبغي أن تضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ.

فبعد أن اعتادت الإدارات الأميركية السابقة الاعتقاد بأن أمن الولايات المتحدة داخليا يبدأ من الخارج، تتحول الاستراتيجية بذلك المفهوم إلى الإيمان بأن حماية الداخل الأميركي بات أكثر أهمية من حماية مصالحها في الخارج.

فعلى مدى أكثر من 70 عاما، نشرت الولايات المتحدة جيوشها في أعالي البحار وشيدت المئات من القواعد العسكرية في مختلف القارات بغية درء المخاطر قبل أن تصل إلى الأرض الأم. بيد أن استراتيجية البنتاغون التي تتسق مع استراتيجية الأمن القومي التي نشرتها إدارة الرئيس دونالد ترمب مؤخرا ترى أن الولايات المتحدة لم تعر أمن حدودها والدفاع عنها العناية الكافية، وأن الهجرة غير القانونية وتهريب المخدرات هي أشد خطرا، ومن ثم فإنها سترسل قوات كبيرة إلى الحدود لدعم المراقبين إيمانا منها بأن الحدود الجنوبية للبلاد باتت تشكل معضلة عسكرية وليست أمنية فقط، وهي مهام جرى العرف على إسنادها إلى الشرطة وعناصر الأمن الداخلي.

كما تشير الاستراتيجية إلى تسريع وتيرة العمل للانتهاء من بناء القبة الذهبية للتصدي لأي صواريخ أو مسيّرات قد تستهدف المدن الأميركية.

يعتقد البنتاغون أن حلف "الناتو" يستطيع الآن التصدي للتهديد الروسي دون الحاجة إلى دعم كبير من واشنطن. كما ألقت الاستراتيجية على أوروبا بالمسؤولية عن إنهاء الحرب في أوكرانيا

وتستهل الاستراتيجية المدونة في 34 صفحة بديباجة هجومية على الزعماء الأميركيين السابقين الذين اتهمتهم بإهمال "بل ورفض وضع الأميركيين ومصالحهم العليا أولا". وتنضح اللغة التي صيغت بها الاستراتيجية بفكر وزير الدفاع بيت هيغسيث وخطاباته المتعالية على العالم، كما تفرط في إطراء الرئيس ترمب والتهكم على الزعماء السابقين وعلى التزامهم بما وصفته بالمُثل الجوفاء، مثل "الإلتزام بقواعد النظام العالمي". وتتهمهم أيضا بتقويض روح القتال وبالانهزامية والتورط في حروب لا تهم الشعب الأميركي، مدعية أن ترمب تولى مسؤولياته بينما كان العالم على شفا حروب كارثية لم تكن الولايات المتحدة جاهزة لها. وهذه أول مرة يتم إصدار هذه الوثيقة مصحوبة بصور عديدة لوزير الدفاع مع رئيس البلاد.

وتحيي الاستراتيجية الفكرة القديمة المسماة "مبدأ مونرو" الذي أطلقه الرئيس الأميركي جيمس مونرو في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ووجه بموجبه تحذيرا للقوى الأوروبية من المضي في مشاريعها الاستعمارية في نصف الكرة الغربي، معتبرا أن الأميركتين هما ملعب الولايات المتحدة الذي لا ينبغي لأحد أن يقتحمه سواها. وتطلق استراتيجية البنتاغون على هذا التوجه "مبدأ ترمب المضاهي لمبدأ مونرو"، أو ما يسميه ترمب نفسه "دونرو".

رويترز
مبنى البنتاغون من الجو في واشنطن، الولايات المتحدة الأميركية، في 3 مارس 2022

وتقضي هذه الاستراتيجية بمنع القوى الكبرى، خاصة الصين، من إقامة أي قواعد عسكرية أو السيطرة على منشآت أو مناطق مهمة في هذا الجزء من العالم. وتلمح إلى أنها ستترجم ذلك إلى سيطرة على قناة بنما التي تربط بين المحيطين الهادي والأطلسي، وعلى خليج المكسيك، الذي أعادت إدارة ترمب تسميته إلى "الخليج الأميركي"، وعلى جزيرة غرينلاند الدنماركية. ويتخذ البنتاغون من محاربة عصابات تجارة وتهريب المخدرات في النصف الغربي من الكرة الأرضية مطية لتهديد الأنظمة المناوئة له، لاسيما فنزويلا التي اختطف رئيسها في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وكولومبيا وكوبا وغيرها، ومنح نفسه سلطة اعتراض سفن النفط وقوارب الصيد وقتل وجرح من فيها في مياه الكاريبي بالمخالفة للقانون الدولي تحت ستار مكافحة المخدرات.

"خذلان" الحلفاء

وتتضمن الاستراتيجية خذلانا كبيرا لحلفاء واشنطن التقليديين في أوروبا وآسيا. فالبنتاغون يؤكد أن حلف "الناتو" الذي يضم 32 دولة بات قادرا على الدفاع عن أعضائه، لاسيما بعد أن أجبرهم ترمب على زيادة ميزانياتهم الدفاعية لتصب في جانب كبير منها في خزائن شركات السلاح الأميركية كما تخفف من الأعباء المالية واللوجستية الملقاة على عاتق الولايات المتحدة. ويعتقد البنتاغون أن الحلف يستطيع الآن التصدي للتهديد الروسي دون الحاجة إلى دعم كبير من واشنطن. كما ألقت الاستراتيجية على أوروبا بالمسؤولية عن إنهاء الحرب في أوكرانيا التي قالت إنها لن تواصل الإنفاق على مساعدتها إلى الأبد. ولم تأت الاستراتيجية على ذكر تايوان التي طالما تكفلت واشنطن بالدفاع عنها وتسليحها ودعمها أمام محاولات الصين ضمها. بل إنها قررت ترك كوريا الجنوبية لتواجه جارتها الشيوعية الشمالية وحدها بعد أن انتهت إلى أن سيول أصبحت قادرة على حماية نفسها. وكذلك اليابان التي قد يشملها حث البنتاغون للحلفاء في آسيا على فعل المزيد للدفاع عن أنفسهم.

الاستراتيجية التي تعد واحدة من أدوات عدة يستخدمها البنتاغون للتخطيط ورسم خرائط أنشطته حول العالم لتلبية الأولويات الاستراتيجية للقيادة السياسية هي الأولى منذ عام 2022 الذي شهد صدور استراتيجية مختلفة من قبل إدارة جو بايدن وضعت فيها الولايات المتحدة الصين على رأس التهديدات التي تواجهها واشنطن. وتصدر الاستراتيجية التي اعتمدها الكونغرس كل أربع سنوات. ويوضح هيغسيث في ديباجتها أن القوات الأميركية ستهتدي في تحركاتها بأربع أولويات هي: الدفاع عن الوطن، والذي يتضمن إعطاء الأولوية للعمليات العسكرية التي تمتد من غرينلاند إلى أميركا اللاتينية. وردع الصين من خلال سلام القوة وليس المواجهة، وحث الحلفاء على إنفاق المزيد من أجل الحد من اعتمادهم على الولايات المتحدة، ثم توسيع قدرة قاعدة التصنيع الدفاعي.

الاستراتيجية الأميركية تشير إلى إسرائيل "كحليف نموذجي" في المنطقة باعتبارها دولة تقاتل بنفسها دون أن تسأل الولايات المتحدة القتال نيابة عنها ومن ثم "فهي تستحق الدعم المطلق"

وتفصل الاستراتيجية بين مصالح الولايات المتحدة وبين التزاماتها بالدفاع عن حلفائها، فضلا عن أنها تخلو من أي ذكر للديمقراطية. ويؤكد هيغسيث في المقدمة: "إننا ندرك أنه ليس من واجب أميركا ولا من مصلحتها أن تتصرف في كل مكان بمفردها، أو أن تعالج القصور الأمني الناجم عن القرارات غير المسؤولة التي يتخذها قادة الدول الحليفة."

وتعد الاستراتيجية مرشدا للتصنيع العسكري المناسب لتحقيق أهدافها، ولاتخاذ القرارات العسكرية ورسم خرائط الانتشار وتشييد القواعد.

وتوضح الاستراتيجية أن التركيز الأكبر سينصب على نصف الكرة الغربي وسيتضمن بناء نظام الدفاع الصاروخي المسمى "القبة الذهبية" لحماية أميركا الشمالية و"ضمان الوصول العسكري والتجاري إلى المناطق الرئيسة من القطب الشمالي إلى أميركا الجنوبية، وخاصة غرينلاند".

ووفقا للوثيقة، سيعيد البنتاغون "تنظيم قواته العسكرية في وضع أفضل لمواجهة التهديد الروسي بحيث يخدم مصالحنا وقدرات حلفائنا بشكل أفضل".

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إعلان عن درع الدفاع الصاروخي "القبة الذهبية"، في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، واشنطن في 20 مايو 2025

ويبدو أن الاستراتيجية راقت لموسكو فاعتبرتها "متسقة إلى حد كبير مع الرؤية الروسية".

وتزامن إصدار الاستراتيجية مع جلوس الولايات المتحدة لأول مرة في مفاوضات ثلاثية مع روسيا وأوكرانيا في أبوظبي في محاولة للضغط من أجل إنهاء الحرب التي كان ترمب قد تعهد بوقفها في اليوم الأول من ولايته الثانية.

ونفى هيغسيث أن تكون الولايات المتحدة بصدد الانطواء على نفسها، مدعيا أنها ستعيد بالأحرى توجيه حلفائها من أجل دفعهم لعمل المزيد للاعتماد على أنفسهم.

وفي إشارة إلى أن واشنطن لن تخوض حربا نيابة عن أوروبا أو من أجلها، أكدت الاستراتيجية أن "أوروبا تظل مهمة، رغم تقلص نصيبها من القوة الاقتصادية العالمية و"أفولها حضاريا"، وأن الولايات المتحدة ستبقي على الشراكة معها إلا أنها ستضع الدفاع عن أراضيها وردع الصين على رأس أولوياتها".

وتعهد البنتاغون بمواصلة تعزيز وجوده في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بإضافة المزيد من القوات والدفاعات على طول سلسلة الجزر الأولى، التي تضم ثلة من الحلفاء بينهم إندونيسيا وماليزيا واليابان وتايوان.

وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، ترمي الاستراتيجية إلى السعي لاحتواء إيران وحث الحلفاء على تولي المسؤولية عن أمن المنطقة بأنفسهم بدعم من مبيعات الأسلحة الأميركية. لكنها تخلو من أي ذكر لغزة أو العراق مع الإشارة إلى احتمالات بتقليص قواتها في المنطقة، وهو تحرك سبق أن أقدمت عليه إدارات سابقة في السنوات الخمس عشرة الماضية، لكنها ما لبثت أن عادت بقواتها لمواجهة أزمة أخرى. وبينما كان البنتاغون يصدر استراتيجيته، كانت حاملة الطائرات إبراهام لينكولن في طريقها إلى الشرق الأوسط استعدادا- على ما يبدو- لموجة جديدة من الضربات ضد إيران.

لكن الاستراتيجية تشير إلى إسرائيل "كحليف نموذجي" في المنطقة باعتبارها دولة تقاتل بنفسها دون أن تسأل الولايات المتحدة القتال نيابة عنها ومن ثم "فهي تستحق الدعم المطلق."

ومن  المرجح أن تبدأ واشنطن في تقليص وجودها العسكري في أوروبا وأن تستعيض عنه بالنشر الدوري المركز طبقا للظروف، وبرفع الجهوزية لدى قواتها، وزيادة مخزون السلاح وتطوير القيادة والسيطرة.

كما كانت واشنطن سباقة في التجرؤ على فصل مصالحها عن مصالح الحلفاء، فلن يجد هؤلاء مفرا من خط مسارهم الخاص بالمنهج الواقعي نفسه حتى لو اضطرهم إلى وضع أيديهم في أيدي الصينيين والروس

ومن شأن المضي في تنفيذ هذه الاستراتيجية أن يوقظ أوروبا لتعجّل باستراتيجية الدفاع الذاتي المشترك والمتكامل وبدء الانفطام عن رعاية واشنطن دون المخاطرة بالانفصال التام عنها.

وتختلف هذه الاستراتيجية عن تلك التي تبنتها إدارة ترمب الأولى التي اعتبرت الصين أكبر تهديد لأمن الولايات المتحدة، وهو الخط نفسه الذي انتهجته إدارة بايدن من بعده. لكنها، أي استراتيجية ترمب الأخيرة، لا توضح أي شكل سيتخذه تعزيز الوجود الأميركي في منطقة الهندي والهادئ لردع "الخطر الصيني".

رويترز
ترمب مع وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة، في 2 ديسمبر 2025

بيد أن ثمة قلقا إزاء إمكانية التطبيق العملي لهذه الاستراتيجية. فإذا كان الدفاع عن الأراضي الأميركية يحتل الأولوية فهل ستبدأ في سحب قواتها المتمركزة في آسيا وأوروبا. فلدى الولايات المتحدة نحو 800 قاعدة ونقطة عسكرية منتشرة في نحو 80 بلدا حول العالم، أكبرها قاعدتا كادينا الجوية في اليابان ومعسكر هامفريز في كوريا الجنوبية، حيث يشكلان معا نحو 85 في المئة من إجمالي الانتشار العسكري الأميركي في العالم. أما إذا لم يصاحب هذا التحول تقليص الوجود العسكري الأميركي في الخارج فإن هذه الاستراتيجية ستتحول إلى مجرد حبر على ورق.

كما أن علاقة التحالف بين واشنطن والقوى الأوروبية قائمة على الثقة في قدرة الولايات المتحدة على حمايتها والدفاع عنها إذا ما تعرضت للعدوان. وعندما يفقد هؤلاء الحلفاء هذه الثقة فسينتفي سبب هذا التحالف ومن ثم قد تعيد هذه الدول حساباتها مع الأعداء وتتوقف عن الدوران في فلك القوة الأميركية والعمل معها. فهذه التحالفات هي التي تضفي العظمة على أميركا وهي التي تمنحها التأثير على المستوى العالمي، وليس فقط القوة العسكرية. كذلك فثمة ضبابية تحيط بالدفاع عن نصف الكرة الغربي وما يثيره ذلك من تساؤلات حول المدى الذي قد تذهب إليه الولايات المتحدة في ذلك.

وسيكمن الاختبار العملي في جدية هذه الاستراتيجية المتمردة على النظام العالمي في تحريك الأصول الأميركية وتوجيهها للدفاع عن الوطن وستكتسب مصداقية حقيقية فقط إذا توقفت عن تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا وتايوان.

وكما كانت واشنطن سباقة في التجرؤ على فصل مصالحها عن مصالح الحلفاء، فلن يجد هؤلاء مفرا من خط مسارهم الخاص الذي يضع مصالحهم نصب أعينهم بالمنهج الواقعي نفسه الذي ينتهجه ترمب حتى لو اضطرهم إلى وضع أيديهم في أيدي الصينيين والروس، ومن ثم إعادة رسم ملامح النظام العالمي الجديد بطريقة راديكالية.

font change

مقالات ذات صلة