لم تكن العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا مطلع العام الحالي عملية عابرة انتهت مفاعيلها فور انتهائها. بل هي عملية أسست لأسلوب أميركي جديد في التعامل مع "الملفات الساخنة"، أو بمفردات أخرى، أسست لتحول في الاستراتيجية الأميركية للتعامل ليس مع العالم وحسب بل ومع الداخل الأميركي أيضا.
ماذا يريد دونالد ترمب في أميركا اللاتينية؟ هو السؤال الرئيس الذي دفعنا إلى إجراء حوار مع كريستوف فنتورا، وهو مدير أبحاث بمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس (IRIS)، ومتخصص في قضايا أميركا اللاتينية، وهو أيضا صحافي في "لوموند دبلوماتيك".
ما الوضع الحالي في فنزويلا؟ وما مستقبل "المفاوضات" بين ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والإدارة الأميركية؟ وماذا بعد فنزويلا؟ هل تكون كوبا "المحطة الثانية" لترمب؟ وما دور ماركو روبيو في سياسته تجاه أميركا اللاتينية؟
هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على كريستوف فنتورا في الحوار التالي:
* هل فوجئتم بالعملية الأميركية في فنزويلا، تحديدا من حيث توقيتها وسرعتها؟
- لم أُفاجأ من حيث المبدأ، لأن هذا الخيار كان مطروحا على الطاولة على الأقل منذ نهاية أغسطس/آب 2025. فمنذ ذلك التاريخ، حشدت واشنطن أسطولا عسكريا وترسانة ضخمة في منطقة الكاريبي، هي الأهم على الأقل منذ أزمة الصواريخ عام 1962. ولقد كلفت عملية نشر كل تلك السفن، وأنظمة الرادار، ونحو 15 ألف جندي، قرابة مليار دولار.
وكنا نعلم أيضا- لأن الأميركيين أنفسهم يقولون ذلك- أن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) كانت تعمل في فنزويلا على الأرجح منذ الفترة نفسها، أي منذ صيف 2025 تقريبا. أي إنها كانت تُحضِّر، بطبيعة الحال، لتدخلات، وسلسلة من الأنشطة القائمة على جمع المعلومات وشراء الولاءات المحلية... إلخ. لذلك، لم يكن من الممكن أن نفاجأ تماما بهذه العملية، لأنها كانت أحد السيناريوهات الممكنة.
لكن أعتقد أن دونالد ترمب تردد كثيرا بين خيارين. والخيار الذي انتصر في النهاية كان الخيار العسكري، وهو خيار طُرح ودُعم وصيغ استراتيجياً وعملياتياً من قبل ماركو روبيو، وزير الخارجية، وهو رجل "الخط المتشدد" (Hard line). وإلى جانبه كان أيضا وزير الدفاع. هؤلاء هم من قدموا لترمب الخيار العسكري. وفي المقابل، كان هناك خيار ثانٍ تبناه ترمب لفترة من الوقت، وهو خيار التفاوض، من أجل الوصول إلى النتيجة نفسها: أي الرحيل القسري لنيكولاس مادورو.
هذا الخيار الثاني قاده ريتشارد غرينيل، المبعوث الخاص لترمب، الذي زار كاراكاس مرات عديدة. أي إنه بالتوازي مع التحضير للحشد العسكري، كان هناك مسار سياسي تفاوضي هدفه إقناع مادورو بالتنحي طوعا عن رئاسة الدولة.



