"قسد" و"العمال الكردستاني"... حكاية أبوة سياسية وأيديولوجية

ترفض "قسد" الاتهامات باتخاذ "العمال الكردستاني" مرجعا لها بشكل قاطع

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رجل أمام جدارية لمؤيدين لـ"قسد" يرفعون رسما لعبدالله أوجلان في القامشلي في 16 ديسمبر 2024

"قسد" و"العمال الكردستاني"... حكاية أبوة سياسية وأيديولوجية

منذ بروز النواة الأولى لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، على المسرحين السياسي والعسكري السوري في صيف عام 2011، اعتبرتها تركيا امتدادا تنظيميا وسياسيا وعسكريا لـ"حزب العمال الكردستاني" (PKK)، الذي يخوض كفاحا مسلحا ضد تركيا منذ أربعة عقود. وصنفتها تاليا كتنظيم "إرهابي"، وطالبت مختلف الدول الإقليمية والقوى الدولية بفعل ذلك، بناء على تصنيفها الأساسي لـ"حزب العمال الكردستاني".

بل وخاضت حربين واسعتين على مناطق سيطرتها، في أوائل عام 2018 على منطقة عفرين التي كانت خاضعة للتنظيم، وفي خريف عام 2019 ضد المنطقة الممتدة بين بلدتي رأس العين وتل أبيض. كذلك نفذت حملات قصف متواصلة على مناطق سيطرة تلك القوات طوال عقد كامل، وضبطت مجموع مواقفها وسياساتها وعلاقتها مع القوى المحلية والإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري، حسب علاقة وموقف هذه الجهات مع "قوات سوريا الديمقراطية". الكثير من القوى السياسية والعسكرية المحلية والإقليمية طابقت تركيا في رؤيتها.

ترفض "قسد" الاتهامات باتخاذ "العمال الكردستاني" مرجعا لها بشكل قاطع، معتبرة أن علاقتها مع الحزب تصدر من رابطين ثانويين، يُمكن أن يكونا بين أي تنظيمين سياسيين وعسكريين كرديين. فمع تأسيس "وحدات حماية الشعب" (YPG) في صيف عام 2011، كتنظيمات مسلحة محلية في المناطق ذات الأغلبية الكردية شمال سوريا، بعد تزعزع قوات النظام السوري وأجهزته الأمنية ضمن سياقات الثورة السورية في ربيع ذلك العام، التحق بها وقتئذ المئات من المقاتلين الأكراد السوريين، من الذين كانوا قد انضموا إلى "حزب العمال الكردستاني"، منذ ثمانينات القرن المنصرم. الوجه الآخر هو العلاقة الأيديولوجية والرمزية لهذه القوات مع "العمال الكردستاني" وزعيمه عبد الله أوجلان، الذي أصبح حسب مسارات المسألة الكردية رمزا قوميا عابرا للحدود.

لم يسبق لأي تنظيم سياسي كردي سوري أن نزع للكفاح المسلح تنظيمياً، أو حتى فكر فيه أو طرحه كأيديولوجيا، ولأجل ذلك كانت "قسد" بحاجة للاستناد والارتباط بتنظيم كردي من خارج سوريا

 فروض القضية الكردية

طوال سنوات كثيرة، تابعت الباحثة الألمانية ذات الأصول الكردية جنار شاكي ما تسميه "شجرة التنظيمات السياسية والمسلحة الكردية"، في مختلف دول المنطقة، وشرحت في حديث مطول مع "المجلة" آلية تداخل "قوات سوريا الديمقراطية" والحزب السياسي الذي تستند إليه "الاتحاد الديمقراطي" مع غيرها من القوى السياسية والمسلحة الكردية، مصنفة ذلك كآلية "اعتيادية" مفروضة على أي تنظيم كردي، حسب الوقائع والتفاصيل المتداخلة للمسألة الكردية.

وتضيف الباحثة شاكي في حديثها: "في صيف عام 2011، تشكلت تنظيمات مسلحة محلية كثيرة في مختلف المناطق الكردية، مثلما حدث في باقي مناطق سوريا، كآلية لحماية المظاهرات التي اندلعت في مختلف مناطق البلاد وقتئذ، واستجابة لمتطلبات فقدان الأمن في الكثير منها، وفي مرحلة لاحقة تحولت إلى الجهة الراعية أمنيا لتشكل المؤسسات الخدمية والأجهزة التنفيذية الموازية، التي تأسست محليا بعد تضعضع مؤسسات الدولة. لكن، وفي مختلف الوقائع السورية، كانت تلك التشكيلات بحاجة إلى مستوى أعلى وأكثر ضبطا من الانتظام، وهذه الأخيرة لا تتشكل إلا بمستويات عالية من الشحن والضخ الأيديولوجي، التي لم تكن متوفرة في سوريا قط بسبب التصحر السياسي الذي كان يسود البلاد منذ عقود كثيرة. وفي النماذج السورية غير الكردية، أخذت تلك التنظيمات المسلحة طابعا أيديولوجياً يمزج الإسلام السياسي الطائفي بنزوع ذي شحنات وطنية، وبعضها القليل بقي محليا تماما، لكنها جميعا شيدت روابط رعاية سياسية وتمويلية مع الدول والخيارات الإقليمية. (وحدات حماية الشعب) وقتئذ، والتي صارت (قوات سوريا الديمقراطية) بعد أربع سنوات، بعد توسيعها برعاية أميركية/ دولية، استعدادا لإخراج تنظيم (داعش) من المناطق التي تسيطر عليها في سوريا، كانت نموذجا نادرا في المناخ السياسي الكردي السوري، إذ لم يسبق لأي تنظيم سياسي كردي سوري أن نزع للكفاح المسلح تنظيمياً، أو حتى فكر فيه أو طرحه كأيديولوجيا، ولأجل ذلك كانت بحاجة للاستناد والارتباط بتنظيم كردي من خارج سوريا".

عززت تحولات المسألة السورية العلاقات التي كانت بين "العمال الكردستاني" و"قوات سوريا الديمقراطية"، وإن بقيت الأخيرة تعتبرها وشائج أيديولوجية وسياسية فحسب

وتتابع الباحثة شاكي محللة آلية علاقة هذا التنظيم المسلح مع "العمال الكردستاني": "منذ عام 1957، حينما تأسس أول تنظيم سياسي كردي في سوريا، ولأسباب شديدة التعقيد- تتعلق بأشياء مثل التداخل الديموغرافي والجغرافي لأكراد سوريا مع نظرائهم في تركيا والعراق، وعددهم السكاني الأقل مقارنة بأكراد البلدان الأخرى، وحتى نوعية ومستوى حماسة قضيتهم الأقل سخونة- فإن كل تنظيم سياسي كردي سوري يرتبط بوشائج قربى وتداخل مع واحد من الأحزاب الكردية في البلدان الأكبر، الأكثر مركزية في المسألة الكردية. وطوال العقود الماضية، كان ثمة ثلاث تنظيمات كردية إقليمية مهيمنة أيديولوجياً ورمزياً على أكراد سوريا، هي (الحزب الديمقراطي الكردستاني) بزعامة آل بارزاني، و(الاتحاد الوطني الكردستاني) بزعامة الرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني، و(حزب العمال الكردستاني) بزعامة عبد الله أوجلان. وما كان للتنظيمات المسلحة الكردية السورية المحلية التي تشكلت مع بداية الثورة السورية أن تتداخل سياسياً وترتبط أيديولوجيا بالحزبين الكرديين الرئيسين الأولين، فـ(الديمقراطي الكردستاني) كان له موقف محافظ من الأحداث السورية، لأسباب تتعلق بموقعه من التوازنات العراقية وأيديولوجيته المحافظة. كذلك فإن علاقة (الاتحاد الوطني الكردستاني) مع إيران والنظام السوري السابق، ولتواضع قدرات الحزب الكردي السوري المقرب منه (الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي). على العكس منهما، فإن (حزب العمال الكردستاني) كان بحاجة ماسة للانخراط في المسألة السورية، لخلق اندفاعة سياسية جديدة. فالحزب كان قد انكمش للغاية بعد عام 1998، حينما بدأت تتطور العلاقات الثنائية بين تركيا وسوريا على حساب ضبط هذا الحزب".

رويترز
مقاتلون من حزب العمال الكردستاني خلال مراسم نزع السلاح بعد إنهاء الصراع المستمر منذ عقود بين تركيا والجماعة المحظورة في جبال قنديل بالعراق، 26 أكتوبر 2025

وتكمل شاكي شرحها مفصلة: "كان ذلك الارتباط الأولي بين (العمال الكردستاني) والتنظيمات المسلحة المحلية الكردية السورية- والتي تحولت لاحقا لتنظمي (وحدات حماية الشعب) و(قوات سوريا الديمقراطية)- شكلاً من رعاية طرف سياسي كردي متجذر لآخر قيد التأسيس، وهو أمر تكرر حدوثه مرات لا تُعد في تاريخ المسألة الكردية، بغية منح التيار المؤسس قدرة على البقاء. فخلال الفترة نفسها، تأسست تشكيلات مسلحة كردية سورية أخرى، تابعة لأحزاب كردية سورية مثل (حزب آزادي) و(حزب يكيتي)، لكنها ما لبثت أن انكمشت وتبددت، وفقط لغياب تلك التغطية والرعاية من قِبل تيار سياسي كردي مركزي. في مراحل لاحقة، انضم المقاتلون الأكراد السوريون، الذين كانوا قد انضموا سابقا إلى (حزب العمال الكردستاني) إلى التنظيمات الجديدة، وتحولوا بالتقادم إلى قيادات سياسية وعسكرية لها، وغدا زعيم (حزب العمال الكردستاني) عبدالله أوجلان رمزا لهذا التنظيم، وصارت خياراته الأيديولوجية في القطاعات السياسية والبيئية وحقوق النساء والاقتصاد جوهر خطابات هذا التنظيم".

تحولات المسألة السورية

عززت تحولات المسألة السورية العلاقات التي كانت بين "العمال الكردستاني" و"قوات سوريا الديمقراطية"، وإن بقيت الأخيرة تعتبرها وشائج أيديولوجية وسياسية فحسب، مطابقة لما تقيمه مختلف القوى السياسية الكردية مع بعضها، وحتى نظيرتها السورية.

بعدما أوكلت مهمة تحرير مدينتي منبج والرقة إلى "قوات سوريا الديمقراطية"، توسعت الرقعة الجغرافية والديموغرافية التي سيطرت عليها هذه القوات، وصارت تقدم برنامجا سياسيا وخدميا ذا أفق خاص، مستمد من أدبيات ورؤى "العمال الكردستاني"

فـ"العمال الكردستاني" كان يعتبر روابطه ودعمه لـ"قسد" أداة لإعادة بلورة دوره في المسألة السياسية الرئيسة المهمة بالنسبة له، أي القضية الكردية في تركيا، ومحاولة لخلق روابط مع القوى الدولية الغربية، كالولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية، التي كانت تصنفه كـ"تنظيم إرهابي". إذ إن "العمال الكردستاني" كان يعتقد أن الآلية الجديدة التي يُمكن أن تُحدد شكل علاقة الدول أو أي تنظيم سياسي في منطقة الشرق الأوسط إنما يتوقف على مواقف وسياسات هذا الطرف تجاه ملف محاربة الإرهاب.

بالتقادم، خصوصا بعدما أوكلت مهمة تحرير مدينتي منبج والرقة إلى "قوات سوريا الديمقراطية"، منذ أواسط عام 2016 وحتى أواسط عام 2017، توسعت الرقعة الجغرافية والديموغرافية التي سيطرت عليها هذه القوات، وصارت تقدم برنامجا سياسيا وخدميا ذا أفق خاص، مستمد بغالبيته من أدبيات ورؤى "حزب العمال الكردستاني" وزعيمه عبد الله أوجلان. أشياء من مثل "الأمة الديمقراطية" و"أخوة الشعوب" و"الكومينات المحلية" و"ثورة المرأة" و"التوازن البيئي والقضية المناخية". فـ"قوات سوريا الديمقراطية" صارت تستشعر باستحواذها على قدر كبير من السلطات والشرعية، وتاليا تنازع من أجل الظفر بشيء من السيادة في مناطق سيطرتها، وتقدم نموذجا مستندا إلى رؤية "العمال الكردستاني".

أ.ف.ب
مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، وحامد دربندي، مبعوث السياسي الكردي العراقي مسعود بارزاني، في مؤتمر "الوحدة والتوافق" الكردي الشامل في القامشلي شمال شرق سوريا، في 26 أبريل 2025

لم يكن قادة "قوات سوريا الديمقراطية" أو "حزب الاتحاد الديمقراطي" ولا حتى الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا يُنكرون تلك الروابط. فمن جهة، كانوا يعتبرونها ثقافية ورمزية فحسب، لأن تجربة "حزب العمال الكردستاني" وزعيمه عبدالله أوجلان كانت شيئا خاصا للغاية. فعلى غير باقي التجارب الكردية الأخرى الكثيرة الأخرى، كان هذا الحزب خصبا في ضخ كميات هائلة من الأيديولوجيات الثقافية والسياسية التبشيرية، المستندة إلى رؤى زعيمه أوجلان وكتاباته، الذي يعتبر نفسه مُحدثا للماركسية التقليدية. فـ"الرؤية الأوجلانية" حسب رأي قادة "قسد" و"حزب الاتحاد الديمقراطي" تتجاوز حدود تركيا والمسألة الكردية داخلها، لتكون سندا أيديولوجيا وخطابيا رؤيويا لكل المؤمنين بها. كذلك كانوا يصنفون تلك العلاقة كضرورة جيوسياسية تقليدية. فضعف المسألة الكردية بسبب تحالف الدول الأربع التي تضم الأكراد (تركيا وسوريا والعراق وإيران) دفع حركات المقاومة الكردية في هذه البلدان للتكاتف المستدام وتجاوز خطوط العلاقات بين التنظيمات داخل الدولة الواحدة.

لكن، ومع الإقرار بذلك، فإن قادة "قسد" و"حزب الاتحاد الديمقراطي" يرفضون أي ربط لتنظيماتهم مع "العمال الكردستاني" من واقع التبعية والخضوع لإملاءات سياسات "العمال الكردستاني"، سواء داخل تركيا أو في سوريا نفسها.

font change

مقالات ذات صلة