احتجاجات إيران و"موت اليقين"

انفجار حتمي في ظل انعدام الأمل

Lina Jaradat
Lina Jaradat

احتجاجات إيران و"موت اليقين"

يمكن قراءة الاحتجاجات الإيرانية التي اندلعت منذ نحو شهر، وووجهت بشراسة غير مسبوقة من النظام الحالي، بوصفها انفجارا انبثق في مناخ "موت اليقين" الذي لا يَعد بانتصار قريب ولا يؤمن سردية خلاص. يتجاوز هذا الاحتجاج منطق المساومة مع الواقع وتحايل التضحية المشروطة، ويحمل في داخله رفضا جذريا ومطلقا للوضع القائم. يتحول الموت هنا من وسيلة لتحقيق غاية إلى لغة، وتغدو اللحظة نفسها مجال توليد الدلالات، لا الغد ولا الأمس. لا يفهم الاحتجاج بوصفه تفاوضا على شروط، بل بوصفه تفكيكا لمنطق التفاوض والركون إلى الحساسية كمجال يعاد من خلاله تركيب العلاقة مع المكان والجسد والسلطة انطلاقا من نفاد الصبر، حيث لا وقت لبناء المعاني ومراكمتها بل صناعتها مباشرة من مادة فعل قطع كل صلاته مع الأوهام والآمال.

نهاية الخوف

"لا أخاف منكم... أنا ميتة منذ 47 عاما"، تقول امرأة إيرانية في مشهد متداول من مشاهد القمع أثناء الاحتجاجات، بما يكشف عن بنية شعورية ثقافية تفسر الطبيعة الشعرية والاستثنائية التي يقوم عليها هذا الاحتجاج. فالثورات والانتفاضات، في تصورها الكلاسيكي، تخرج غالبا إلى النور مع توفر خطاب سياسي محكم، ونمو مجموعة عوامل وقوى تتيح لها الظهور، وتكون مسكونة بأمل الانتصار.

يصبح التعرض لشتى أنواع الأخطار - وصولا إلى الموت - نوعا من المساومة مع الواقع وتحايلا عليه، وتضحية مشروطة ومثمنة داخل هدف ممكن. هنا يخرج الموت من العبثية والسلبية ليتحول إلى جزء من سيرورة التغيير، ويمنحه ارتباطه بالأمل مناعة الرمز الذي تحميه الجماعة وتمنعه من التبدد والغرق في العبثية.

يحمل المحتج موته وكأنه خطابه، وكأن حياته كلها مكثفة ومرمزة ومتحققة في الفعل الاحتجاجي

لكن الاحتجاجات الإيرانية تنطلق من مكان مغاير. إنها تنفجر في ظل غياب الأمل، وفي مناخ "موت اليقين" الذي لا يَعد بانتصار قريب ولا يضمن سردية خلاص، وتستمد شجاعتها القصوى من هذه الخصوصية التي عبرت عنها المرأة وغيرها.

كل محتج يعلم أنه سيواجه بالقتل، وأن موته لن يكون بالضرورة جزءا من مسار انتصار، بل قد يبقى شخصيا خاصا يتلقى في إطار ضيق، ولا يمنح صاحبه الرمزية والخلود. في هذا المقام، لا يصبح الموت وسيلة لتحقيق غاية، بل يتحول إلى لغة: يحمل المحتج موته وكأنه خطابه، وكأن حياته كلها مكثفة ومرمزة ومتحققة في الفعل الاحتجاجي، مضمنا إياه كتلة المعاني التي تشير إلى رفض الوضع القائم رفضا حاسما ونهائيا.

هذا ما يجعل الجملة: "أنا ميتة منذ 47 عاما" توصيفا وجوديا دقيقا. الموت الذي تقول إنها كانت تحياه منذ زمن طويل، هو تاريخ علاقة الإيرانيين مع السلطة، وهو الماضي الذي عاشه الناس بوصفه إماتة ممتدة.

Stringer/WANA (West Asia News Agency) via REUTERS)
متظاهرون إيرانيون يتجمعون في شارع بطهران احتجاجا على انهيار العملة، 8 يناير 2026

وحين يغيب المستقبل بوصفه وعدا، يتحول الماضي إلى ثقل قاتل، ويغدو الاحتجاج فعلا يهدف إلى نسف العلاقة بالماضي نفسه. يستعمل الناس موتهم - أي استعدادهم لتجاوزه - ليبدلوا علاقتهم بذلك الماضي الذي كان موتا خالصا، فيحررونه من قبضة السلطة ويواجهونها به كسلاح لا تستطيع أن تفعل شيئا حياله. فوفقا للمفكر الألماني راينهارت كوسيلك، حين ينهار أفق التوقع، يتغير معنى الزمن السياسي.

لطالما كان القتل حدا أقصى تلعب السلطات على التفاوض عليه، ومن داخل قدرتها على ارتكابه تقمع النزوعات الاحتجاجية قبل أن تنفجر: القتل كتهديد نهائي، وكأداة لإعادة ضبط الممكن داخل الخوف.

الطابع الذي حكم مشهدية الاحتجاجات، بدأ من اختراق هذا الحد الأقصى نفسه. وقوف الناس في مواجهة جهاز قمع مسلح يهددهم بالسلاح ولا يهربون، وخلع النساء الحجاب الإلزامي في الشوارع بشكل احتفالي وعلني يزدري بنية السلطة في عمقها، وشمول الاحتقار البنية الرمزية لما يمكن أن نطلق عليه تسمية اقتصاد الهيبة عبر تبخيس حضور المرشد الأعلى في الساحات العامة. كل تلك الأفعال  تحمل سمات ما لا رجوع عنه، وهو ما يجعل الصدام راديكاليا.

حين يبدأ الناس احتجاجهم من داخل كسر "السقف" الذي تملكه السلطة، أي سقف القتل، تتسع دائرة الاشتباك معها، وتتجاوز واقعها الحالي لتطال تاريخها الذي كان يشيع الإماتة بوصفها شكلا نهائيا للعيش في ظلها.

Majid Asgaripour/WANA (West Asia News Agency) via REUTERS
امرأة إيرانية تمشي في أحد شوارع طهران، 19 يناير 2026

في هذا المعنى، لا تعود الشجاعة هنا شجاعة التضحية من أجل الغد، بل شجاعة سيولة اللحظة في مواجهة صلابة زمن القمع. القمع يبني زمنه بوصفه استمرارية، ويؤسس يقينه على أن حده الأقصى كاف لإطفاء كل شيء. لكن حين يتحول الموت إلى لغة، وحين لا يعود الخوف وظيفة ناجعة، يتفكك يقين السلطة في الزمن ذاته، ويخسر تفاوضه التقليدي. إذ لا يواجه خصما يريد أن ينتصر، بل يواجه ذاتا تعلن أن ما كان يعاش لم يعد قابلا للتحمل.

لا تعود الشجاعة هنا شجاعة التضحية من أجل الغد، بل شجاعة سيولة اللحظة في مواجهة صلابة زمن القمع

هكذا لا يعود المقام مقام احتجاج يتفاوض على شروطه، بل مقام احتجاج يفكك شروط التفاوض نفسها. انتقال الموت من كونه حدا أقصى تستعمله السلطة، إلى كونه لغة يحملها المحتج. لا يرفع تكلفة القمع فحسب، بل يعري زمنه ويجرده من صلابته. السلطة التي اعتادت أن تحكم عبر يقين حدها النهائي، تفاجأ بلحظة لا تخضع لهذا اليقين: لحظة لا تعد بشيء، لكنها تسقط القدرة على ابتزاز الناس بوعد الحياة أو تهديد الموت. وهذا، في جوهره، ما يمنح الاحتجاج الإيراني خصوصيته: شجاعة لا تستمد معناها من انتصار محتمل، بل من إعلان استحالة القبول باستمرارية الوضع القائم.

استعادة المكان

المكان في إيران ممتنع. لا خارج فيه ولا مساحة عامة، لأن الشارع والساحة وكل بنية المكان تحولت إلى امتداد لذلك الداخل العميق التأسيسي الذي فرضه النظام بوصفه منطقا لإدارة إيقاع حركة الناس وسلوكاتهم. لم يعد المكان العام فضاء، بل جهاز ضبط. لم يعد حيزا اجتماعيا، بل نظام انضباط. بات سجنا مفتوحا ومعتقلا لا نهائيا، يؤدي الناس فيه طقوس الولاء والانضباط بوصفها ممارسة يومية دائمة. يتحول إلى مساحة تستعرض فيها السلطة امتدادها وكثافتها وصلابة سيطرتها.

في هذا المعنى، خرج المكان العام من التداول، وانتفى إمكان نشوء الشأن العام والمصلحة العامة وكل ما يتصل بالجماعة والناس. لم يعد المكان فضاء جامعا، بل انعكاسا مباشرا لروح السلطة الأوتوقراطية وبناها، التي تستعدي كل ما هو جماعي ما لم يكن خضوعا أو ولاء مطلقا. هكذا تحول المكان إلى منتج إجماعي زائف، ينزع عن الجماعة أي حضور حقيقي، ويفكك حضور كل من يتصل به إلى فرد عار، تحاصره جماعة إجماعية.

تدمير علاقة الناس بالمكان، لعب دورا حاسما في إماتته وامتلاكه. فالمكان لم يعد مرئيا ولا محسوسا ولا قابلا للمعاينة من قبل الناس، لأنه محجوب عنهم رمزيا قبل أن يكون محجوبا ماديا. لذلك لم يكن الإيرانيون قادرين على الإحساس بملكيتهم للمكان، لأنه كان دائما مسروقا، مصادرا، منتزعا من التداول، ومفصولا عن التجربة الحية. لم يكن مكانا للعيش، بل مسرحا لمصادرته.

Majid Asgaripour/WANA (West Asia News Agency) via REUTERS
امرأة إيرانية تحاول الاتصال بالإنترنت للتحقق من وضع تأشيرتها في طهران بعد قطع الشبكة، 25 كانون يناير 2026

في سعيها لتمكين حضورها، اشتغلت السلطة على مفهوم الثقل وربطته بكل ما يمت إليه بصلة: استعراضات الكثرة، إظهار الأعداد، كثافة القمع، فائض العنف، استخدام العتاد الحربي الثقيل، وحملات الإعدام الممنهجة. في هذا المنهج، سعت دائما إلى تصوير الخروج إلى المكان العام بوصفه مهمة مستحيلة، لأن منطقها يقوم على فرضية واحدة: لا يمكن مواجهتها إلا بالأدوات نفسها التي تملكها، والتي تعرف أن المحتجين لا يملكونها ولا يستطيعون امتلاكها.

لكن نقطة قوة السلطة حوت في داخلها عناصر هشاشتها الأعمق. فافتراض مواجهة منطق الثقل بالثقل، والعنف بالعنف، ينطوي على جهل عميق بطبيعة ما يجري داخل الإيراني نفسه، وبمدى انفصاله عن السلطة ثقافة وفكرا ومنطقا. السلطة تخيلت أنها تواجه نسخة عنها. وبما أنها الأصل، لا يمكن الفرع أن يتفوق عليها ولا أن يقارعها. لكنها أخطأت في تشخيص طبيعة المواجهة.

لم يكن الإيرانيون قادرين على الإحساس بملكيتهم للمكان، لأنه كان دائما مسروقا، مصادرا، منتزعا من التداول، ومفصولا عن التجربة الحية

الإيرانيون لم يواجهوا الثقل بالثقل، بل واجهوه بالخفة، واللعب، والسرعة. استعادة المكان لم تتم عبر منطق المركز، بل عبر نقيضه. لم تنشأ بنية مركزية مقابلة لبنية النظام، بل تشكلت مجموعات من التدفقات المتتالية، لا تنطلق من مركز، ولا من غرفة عمليات، ولا من قيادة، ولا من عقل واحد. سيطروا على المكان عبر التدفقات المفاجئة، الحركة السريعة، الإيقاع المتسارع، والانتشار غير المنتظم، مشكلين نظام فوضى متماسكا في فوضويته، قويا في لا مركزيته، عصيا على التنبؤ، مستحيل الحصر، وغير قابل للسيطرة .

المكان، الذي اعتاد الاستجابة للزمن السلطوي الثقيل من حيث الترميز والدلالة، بدا - رغم المصادرة الطويلة - جاهزا لاحتضان الحضور الكرنفالي الصاخب للمحتجين. حضور لا ينتج جماعة منضبطة، بل جماعة مفتوحة. لم يذب الأفراد في كتلة، بل حافظوا على فرديتهم، واجتمعوا كناس، كإيرانيين يحبون بلدهم، لا كأصحاب مشروع يتصارع مع السلطة ليحل مكانها. بدوا رافضين لها بشكل مطلق: لنموذجها، لمنطقها، ولكل ما تمثله، لا راغبين في وراثتها.

استعادة المكان كانت عملا مكلفا ومريرا، ولم تتحقق بعد بوصفها واقعا مستقرا، لكنها تحققت بوصفها ذاكرة.

محاولة إنشاء ذاكرة جديدة للمكان تنتمي لهم لا للنظام. وهذا ما حصل فعلا. يعلم المشاركون، ويعلم العالم - بقدر ما أتيح نقله من مشهديات الداخل الإيراني - أن الناس يموتون في الشوارع، وأن القمع يمارس علنا في الفضاءات العامة. لكن هذه المشاهد، بدل أن تعيد إنتاج ذاكرة النظام، سحبتها عنه، وأحلت ذاكرة الناس مكانها، ذاكرة الذين شاهدوا موت أحبابهم وسحلهم في ذلك المكان نفسه. وبحسب والتر بنيامين، التاريخ لا يقوم على زمن متجانس فارغ بل على "زمن ممتلئ بحضور الآن".

 (Stringer/WANA (West Asia News Agency) via REUTERS
أحد عناصر الباسيج يعمل على إخماد حريق خلال احتجاجات في طهران، 8 يناير 2026

هكذا تحول المكان، من فضاء للسلطة، إلى فضاء ذاكرة، ومن جهاز ضبط، إلى أثر جرح. وهذا هو المعنى الأعمق للاستعادة: ليس استعادة السيطرة، بل استعادة الدلالة. ليس امتلاك المكان، بل تحرير معناه.

جسد الحساسية المنفجرة

يرى المفكر الإيطالي فرانكو بيفو بيراردي أن الجسد المعاصر لم يعد يوظف كقوة عمل، بل كنظام عاطفي وعصبي. ويعتبر أن الرأسمالية المتأخرة خسرت فيها العضلات موقعها كمصدر للاستغلال، لصالح الانتباه والحساسية والإدراك والأعصاب.

ومن هنا يمكن قراءة الجسد الإيراني المحتج على أنه تمثيل للجسد المستنزف تماما نفسيا وعصبيا وعاطفيا، حيث لا يكون الإرهاق البدني سوى عارض أولي لا يمكن من خلاله وحده تحديد ما يعانيه هذا الجسد ولا فهم تحولات أنماط الاستغلال التي يقع تحتها.

الجسد المحتج ينتمي إلى فقد القدرة على الاحتمال. لم يعد منتميا إلى حالة وعي تنتج بنية معرفية، بل صار منتميا إلى الحساسية ككتلة انفعالية بحتة. وفي هذا الانعطاف الحاد ينتج، وفق بيراردي، السياسة بمعناها الأكثر حداثة: سياسة مستقلة عن الوعي، منحازة إلى الانفجار العصبي والتوتر.

(Photo by HANDOUT / FARS NEWS AGENCY / AFP)
تجار يعبرون جسرا خلال احتجاجات على الأوضاع الاقتصادية وتدهور العملة في طهران، 29 ديسمبر 2025

الاحتجاج لا ينتج من التلاؤم مع خطاب، بل يصير الخطاب نفسه كله، بكل مداه ومحمولاته. ويظهر ذلك جليا في المجال الاحتجاجي الإيراني الذي أطلق تعبيرات جسدية تنطق بالحساسية والانفعال، خالقة حركة تتجه نحو الجديد المطلق. ففي الجنازات حيث يسود الصمت، لا ينطق الجسد بالانكسار أو الحزن، لكنه يحملهما. وكذلك في مشهدية رمي الحجاب: لا يقول الجسد إنه يريد أن يكون حرا ومستقلا عن زمن الحجاب الإكراهي، بل يعلن أنه صار حاملا للحرية. وفي كل التعبيرات الغاضبة نرى أن الجسد الإيراني صار منتجا لمعناه، لا سجلا يكتب عليه حضور النظام، ولا مساحة تعبر الأفكار والقيم من خلالها لتحفر عليه.

وفي كل التعبيرات الغاضبة نرى أن الجسد الإيراني صار منتجا لمعناه، لا سجلا يكتب عليه حضور النظام

لقد تجاوز الجسد كل مفاهيم الإحالة والتعبير عن أمر ما، ليكون خزان المعنى ومنتج السياسة وحامل المصير. وهو يفعل ذلك لأنه لا يتحرك في اتجاه مستقبل انهارت فكرته ولم يعد قابلا للتصديق، بل ينفجر في التو واللحظة، مانحا البرهة البرقية معالم زمن كامل الملامح، وراسما معالم الانتقال من البنى الدلالية والمعاني الموصوفة إلى الإحساس.

REUTERS/Benoit Tessier
مشاركة في تظاهرة دعم للشعب الإيراني في باريس، 11 يناير 2026

والإحساس يمتلك قوة فائقة، لأنه لا يخضع للحساب والقواعد. إنه شخصي، يولد بغتة، ويشتغل بشكل مفاجئ وغير متوقع، وينتج في حركته زمنا خاصا لا يمكن بلوغه بسهولة ولا تفكيكه، ليشكل ما يسميه بيراردي الشعرية السياسية: تلك التي تتألف من الانزياحات، وتفكك الدلالات، وكسر الأنماط، والقطيعة التامة مع لغة السلطة. وهو عين ما يقوله الجسد الإيراني الذي صار خطابا ينطق بذاته ويستمد منها مرجعيته وحساسيته، بوصفها تأسيسا لزمن انفجاري مكثف وموجز، لا يثق بالغد ولا تربطه أي صلة بالأمس، ويحاول ضغط سيرة كاملة وحياة كاملة في لحظة تحرر وانفجار.

font change

مقالات ذات صلة