عرض صوفي فلسطيني راقص يحاول كسر قيود الاحتلال

"هذيان" تجربة مسرحية تحول الجسد إلى طاقة روحية

من اليمين الى اليسار مروان حلبي، رند طه، ومازن  حمدان

عرض صوفي فلسطيني راقص يحاول كسر قيود الاحتلال

في أرض تحاصرها قيود الاحتلال، يجد الإنسان الفلسطيني في الفن متنفسا وسبيلا لتخطي الحواجز وإعادة تشكيل عالمه الداخلي والخارجي. في 24 يناير/ كانون الثاني 2026، قدّم المؤلف والملحن مروان حلبي، إلى جانب الموزع الموسيقي مازن حمدان، والراقصة الحركية الصوفية رند طه، عروضا أدائية حملت عنوان "هذيان"، استحوذت على انتباه جمهور "مسرح النقاب" ببلدة عسفيا شمال فلسطين المحتلة. وعاود الثلاثي تقديم العرض على خشبة "مسرح عشتار" في رام الله، في 30 يناير 2026.

قصة روح الأرض

بالنسبة إلى فنان يعيش تحت الاحتلال، يشكل هذا العرض مساحة ضرورية للشعور بأن هناك فسحة للوجود، عبر لحظة تكسر فيها القيود التي تفرضها السياسة والواقع اليومي. يقول مروان حلبي لـ"المجلة": "الهدف من هذه العروض هو طرح قصة روح هذه الأرض، ليس بطريقة سردية تقليدية، بل عبر تجربة روحية تمتد من الولادة حتى الموت، بواسطة الموسيقى والإيقاع والحركة. نسرد قصتنا ومأساة الإنسان الفلسطيني مع الاحتلال بطرق مختلفة، تمزج الروح بما حولها، وبالجسد كأهم مصدر للمشاعر".

يرى حلبي أن التجربة تمتد من الفرد إلى الجماعة من خلال عملية تحول تشمل تفاعلا عميقا بين الجمهور والفنانين، وأن حضور الجمهور يتجاوز المشاهدة، فهو "مصدر للطاقة التي تتيح للفنانين الوصول إلى حيز توازن مع العالم".

هذا الحيز، بحسب حلبي، يتحقق عبر رؤية فنية وشعرية وروحية، ومن خلال الدمج بين نظرات الفنانين والطاقة المتولدة من الجمهور، ليخلق المنطقة الآمنة المفككة للذات، تلك اللحظة التي يتحرر فيها الفنان والجمهور من القيود والقوانين التي تقمع روحه.

نبحث عن التواصل الروحي والجسدي مع الإيقاع والموسيقى، لخلق مساحة جديدة للتأمل الذاتي

يرى حلبي أن الرقص الصوفي يضيف بعدا لا يقدمه الرقص المعاصر التقليدي: "نحن نبحث عن التواصل الروحي والجسدي مع الإيقاع والموسيقى، لخلق مساحة جديدة للتأمل الذاتي".

إن "كسر القوالب المعتادة"، كما يقول، يحدث عندما ترقص امرأة على هذا الإيقاع، وهو أمر غير مألوف تقليديا، لكنه يفتح معنى جديدا، ويحوّل الطقس الصوفي إلى رحلة في الهوية والذات، ويمنح مساحة لإعادة النظر في العلاقة بين الجسد، الروح، والوجود.

 "وجود امرأة تدور على هذا الإيقاع هو خلق لحالة جديدة"، يقول حلبي، "وخروج عن الصندوق من أجل إضافة معنى جديد وإبحار نحو العالم والوجود والذات".

توازن

في العرض جملة تتردد: "بين طهر ومجون". ووفق رؤية حلبي فإن المحاولة مستمرة لخلق حالة من التوازن، وإضفاء معنى جديد من خلال الرقصة الصوفية، حيث يلتقي الفن الحياة، والحركة الروح، في مشهد يرفض الانقسام بين الداخل والخارج.

أما الراقصة ريم طه، فتشير إلى أن الجسد يشكل أداة مركزية للتعبير عن الذات والداخل، وأنه مرآة للأحاسيس الداخلية، وقوة للتعبير عن الذات. تجربتها مع فريق "هذيان" تحمل بعدا صوفيا يفتح مساحة للتواصل مع القوة المخلقة للكون. تقول: "الطريقة التي يدار بها الكون تصنع تناغمات مع الجسد، وإن اختلطت بالفن والبعد الروحي تحولت إلى أبعاد ومعان مختلفة". 

بالنسبة إليها، هذه التجربة هي وسيلة للتحرر والتفكك من القيود والوصول إلى حقيقة ما يراها الإنسان. عن عملية الدمج بين الصوفي والمعاصر، ترى طه أنها نجحت خلال خمس سنوات من التجربة في الوصول إلى هذا المزج خطوة خطوة، إذ أضاف الرقص الصوفي إحساسا أعمق بجسدها وروحها.

تخبرنا: "أتاح لي الرقص المعاصر والكلاسيكي التواصل مع الجمهور، لكن الدمج الصوفي منحني فرصة للتواصل الأعمق مع ذاتي".

أحد مشاهد العرض

استثمار طاقة جمعية

ومع التحرر من القيود، تصف طه شعورها بأنها تصل إلى "مرحلة الكمال"، لا بمعنى المثالية، بل بوصفها لحظة يلتقي فيها الجسد والروح في منطقة متعادلة، فتتحقق حرية غير مسبوقة، تتيح للجسد التعبير عن ذاته بكل صدق.

في ما يخص مشاعرها خلال العروض الصعبة، تقول طه: "أحتاج إلى تركيز وهدوء ذاتي لتقديم الحركات المناسبة مع الموسيقى. وأستمد طاقتي من زميليّ مروان ومازن، عبر النظرات والتفاعل مع الحركة والموسيقى، وكذلك من الجمهور وتفاعله". 

لقطة من العرض

الحركة على المسرح، كما ترى، ليست مجرد أداء جسدي، بل وسيلة لترجمة الموسيقى إلى لغة جسدية تصل إلى الجمهور، وهي عملية تتطلب الهدوء والتركيز والقوة والتوازن الداخلي.

تضيف طه بعدا آخر للتفاعل مع الجمهور. فهي تعمل على خلق لغة خاصة مع كل مشارك، عبر النظرات واستمداد الطاقة من الجمهور بشكل متباين، لتصل إلى نقطة تلاق فريدة مع كل شخص بحد ذاته. تقول: "ما أود تحميله للجمهور بعد العرض هو رحلة بين الذات والروح، وأفكار وأسئلة جديدة تساعد كل فرد في اكتشاف ذاته وتوسيع فهمه للعلاقة بينه وبين الكون". 

ترى أن الدمج بين الصوفي والمعاصر يمكّن الفريق من ممارسة تمرد على الواقع والخروج إلى مساحة من الأمان مع الكون، مما يتيح للذات الشعور بهدوء مختلف وحرية للتعبير عن نفسها.

الطريقة التي يدار بها الكون تصنع تناغمات مع الجسد، وإن اختلطت بالفن والبعد الروحي تحولت إلى أبعاد ومعان مختلفة

تتقاطع رؤية طه وحلبي حول القوة المحركة للجسد، فالحركة بالنسبة إليهما ليست مجرد شكل، بل وسيلة للاكتشاف، للتواصل، ولإطلاق الروح، ولخلق تجربة مشتركة بين الفنان والجمهور، بين الفرد والمجموعة، وبين الداخل والخارج. 

يقول حلبي: "كل حركة، كل نظرة، كل ارتجال موسيقي هو فعل حياة صامت، لكنه عميق، يربط بين الإنسان وقصته، وبين الإنسان ومكانه في العالم. وترى طه أن هذه الرحلة خلال العرض "هي محاولة لإطلاق الروح من جديد، وبث طاقة التوازن، ليس فقط بين الجسد والروح، بل بين الفنان والجمهور وبينهم وبين الكون بأسره".

في ما يخص تفاعل الجمهور، يشير مروان حلبي إلى أن الجمهور هو المحرك الأساس للشغف بالعرض، فهو يمنح الفريق قوة ويبحر معهم في الرحلة من خلال التفاعلات والنظرات. وفي الضفة الغربية، خصوصا في بيت لحم ورام الله، هناك جمهور يكرر حضور العرض ثلاث أو أربع مرات، يتفاعل ويشارك، ويقدّم ملاحظات تزيد ثراء التجربة. ويضيف: "إن التنويع في الأغاني والكلمات والحركات، والارتجالات التي يقوم بها الفريق، يمنح الجمهور مساحة للاكتشاف الشعوري والتلقائي، ويخلق تجربة متجددة في كل عرض".

من عرض "هذيان"

ولعل أبرز ما يقدمه الرقص الصوفي المعاصر هو لحظة التفكك من القيود. يقول حلبي: "إن لحظة الذروة تأتي عندما يقدم كل فنان مشاعره الخاصة بصورة انفجارية، ذاتية وشخصية، فيتحرر كل منهم من القيود التي تضعها الطبيعة، أو الاحتلال، على حياتهم اليومية". 

تفكك من القوانين

في ختام العرض، تتجسد هذه اللحظة في كلمات: "من أنا؟ أأنا أنا؟"، لحظة انفلات من القوانين التي تقمع الذات، وكسر للقفص الذي يلتف حول الإنسان. ويختتم العرض أحيانا بجملة شعرية وروحية تعكس هذا التوازن والتحرر:

"لما تناديني السماء

أفرش أرض الظنون سجادتي

لحن قديم وصلاتي من فنون".

هذه الخاتمة لا تعيد إنتاج الطقس الصوفي فقط، بل تلخص تجربة الفنان والجمهور معا، لحظة تصالح بين الشك والإيمان، بين الأرضي والعلوي، وبين الحركة والصلاة. الرقص هنا لا يمكن اعتباره ترفا، وليس مجرد أداء. فتلك تجربة وجودية، وسؤال دائم عن الحرية، والمعنى في ظل واقع قاسٍ. 

كل حركة في عرض "هذيان" تحمل قصة، وكل ارتجال يفتح نافذة جديدة على الوجود. بحيث يتحول التفاعل مع الجمهور إلى محاولة لفهم العلاقة الاستثنائية بين الفلسطيني والعالم. الفن يصبح إذن ترجمة للحياة الفلسطينية، حيث القيود والحصار والتهجير والاحتلال تصبح في لحظة مجموعة من عناصر تحدّ، بل وعوامل تشكل الحافز لتجربة إبداعية عميقة.

مشهد من "هذيان"

في مثل هذه الظروف، هل يمكن الفن، حتى في أبهى صوره، أن يعبر عن تجربة الحياة تحت الاحتلال؟ هل الرقص الصوفي المعاصر قادر على منح الحرية التي تمنحها المساحات المفتوحة للروح في مجتمع بلا قيود؟ وهل  يستطيع الجمهور أن يحاكي تجربة الفنان، ويعيش لحظة التفكك والتحرر نفسها؟ أم أن كل هذه التجارب تظل ضمن حدود المسرح، حيث اللحظة مؤقتة، والتجربة تنتهي بانسحاب الأضواء؟

تجربة "هذيان" تفتح نافذة على أن الجسد والحركة والموسيقى والروح، يمكن أن تتحوّل إلى أدوات لفهم الحياة، ولإطلاق الحرية ولو مؤقتا

تجربة "هذيان" تفتح نافذة على أن الجسد والحركة والموسيقى والروح، يمكن أن تتحوّل إلى أدوات لفهم الحياة، ولإطلاق الحرية ولو مؤقتا، ولخلق لغة تتجاوز القيود، وتتيح للفلسطيني أن يروي قصته مع الأرض، مع الألم ومع ذاته، بطريقة لا يستطيع الواقع وحده أن يفعله.

font change