الوحدة الوطنية السورية ومفاعيلها الاقتصادية والاجتماعية

تنويع الاقتصاد

إدواردو ريمون/أ.ف.ب/المجلة
إدواردو ريمون/أ.ف.ب/المجلة

الوحدة الوطنية السورية ومفاعيلها الاقتصادية والاجتماعية

في حياة الشعوب، أجيال يواعدها القدر ويختصها دون غيرها، لأن تشهد التحولات الحاسمة في حياتها، وتكون مندمجة في أحداثها ومآلاتها، وهذه التحولات الكبرى قد تكون قاسية ومؤلمة، ولكن بالإصرار والعمل على تجاوزها، تصبح لصيقة بالاستيعاب الكبير للمهمات التي تنتظرها، إنْ نصراً كان أو هزيمة، ويقع على عاتق الجيل أو الأجيال التي تندمج في هذه المسيرة أو المسيرات، التعبير عن كينونتها وتفاعلها، وإعطاؤها الزخم اللازم لإعادة التوازن لهذه المدة الزمنية، التي قد تطول أو تقصر، وقد لا يتحقق شيء على أرض الواقع، وقد تبدأ أجيال جديدة تستوعب هذه التحولات، وتأخذ على عاتقها تكملة المشوار وتلك المسيرة.

وقد كانت الشعوب الدائبة والمستمرة قوية ومتحدة، وقد تصل لتحقيق الأهداف المرحلية والمتواصلة، وقد تبدو وكأنها تسير نحو المجهول أحياناً، ونحو الحقيقة أحياناً أخرى، ومن هنا كانت البدايات الصعبة، والتوجهات الحالمة، والحماس المنقطع النظير، وما يرافق ذلك من خيبات وتضحيات وآلام، وبقدر ما يكون التحدي والسطوة قوية، بقدر ما تكون صلابة الشعوب قوية، فليس السهل دائماً هو الذي يتحقق، ولكن ركوب الصعاب والتضحية من أجله، حتى يكون دافعاً نحو تحقيق ما بدا وكأنه المستحيل، أو هو ذلك، وتضحيات الشعوب وإصرارها، وقيادة هذه الشعوب هي التي تعطي قوة الدفع نحو تحقيق ما كان مستحيلاً، أو غامضاً وغير مفهوم، وبحجم الإصرار، كانت الأهداف الكبرى في التاريخ، قوية وأمينة على تحقيق الأهداف الكاملة أو المرحلية، والمراحل تلك تراكمية ومنطلقة ومتواترة، ونهايتها محتومة، وتلك هي المقدمة التاريخية.

إن انتصارات الشعوب كانت تاريخيا في ذهنية القادة، والعمل عليها، وكم هي الشعوب التي نهضت لتحقيق استقلالها وبناء وحداتها الوطنية، علامة مضيئة في طريق النصر، ولو طال المسير، وأمامنا لوحات من ذلك عاشتها الشعوب المستعمرة، من الاستعمار الكولونيالي، والعسف الإرهابي لدول كانت تتحكم بمصائر الأمم وتشل فاعليتها، والأهداف لذلك في البداية والنهاية، تتمثّل في استعباد الأمم المستهدفة، ونهب خيراتها، أو استثمار إمكانياتها لإفقارها وعوزها، وتنعم الدول الاستعمارية والأنظمة المستبدة بكل مظاهر التقدم والتطور، وبناء الإمبراطوريات الكبرى، التي كانت ولا زالت، واضحة المعالم، قوية التأثير، تنعم شعوبها بكل وسائل الرفاهية، وتحقق الإنجازات العملية، في الوقت الذي بقيت فيه شعوب أخرى ترزح تحت نير القهر والخوف والتخلف والجهل، وتُركت تستجدي المساعدات من لدن تلك الدول، التي نهبت وتربعت على عرش القوة والحنكة، والمنح والمنع، تتحكم بالقانون الدولي، وكل منطلقات الاستبداد، وأصبحت تلك البلدان تابعة لها اقتصاديا وسياسيا وفكريا واجتماعيا حتى بعد رحيلها، والأمثلة كثيرة تنوء بها الذاكرة الإنسانية، وذاكرة الخارطة التي أمامنا. شعوب تعيش تحت خط الفقر، وتحاول لكن محاولاتها تصطدم بالإمكانيات المادية والمعنوية، وتلك إذنْ، يشكل ظاهرها محاولة التقدم، وباطنها ظهور بثور الورم والوهن والاستكانة. وقد قامت قيادات تريد أن تنهض بأمتها، ولكنها وجدت التكبيل بآلاف المشاكل والعقد.

في سوريا اليوم يستكمل الشعب سيرته الظافرة، نحو تحقيق لم الشمل، وتحقيق وحدة البلاد والعباد، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، في خلال سنة واحدة بعد تحقيق النصر وقيام الجمهورية السورية الجديدة

سوريا... لم الشمل

وها نحن في سوريا يستكمل الشعب سيرته الظافرة، نحو تحقيق لم الشمل، وتحقيق وحدة البلاد والعباد، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، في خلال سنة واحدة بعد تحقيق النصر وقيام الجمهورية السورية الجديدة، بعد طول معاناة مع الفرقة والتفرق والانعزالية. الإقليم السوري كان مجزءاً ومتوتّراً، تتحكم فيه قوى طالما حلمت بتمزيق هذا الوطن، وبإشارات منبعثة من قوى وجهات خارج الإطار الوطني، تستغل حالات الانفلات، وارتهان الدولة لقوى أجنبية خارجية، ظنا من هذه القوى أن الفرصة السانحة قد أتت، وعملت على أن لا تفلت من يديها، فتربصت في مواقع كثيرة، وفي أماكن غنية، وأخرى ذات أصول ولها علاقة بالتكوين الديموغرافي السوري، المتوحد والموحد كابراً عن كابر، أبّا عن جد، ولكن القوى الأخرى لم تدرس ذكاء هذا الشعب وانتماءه، ولم تعمل على تعميق الفهم التاريخي لهذا الشعب، بل سيطرت عليهم السذاجة والرعونة ورأوا أن اقتسام سوريا عملية سهلة، وسط تلك الأوهام الحالمة، والمحاولات الحثيثة لإحداث ندوب في جسم الوطن الذي كان خلال المئة عام الفائتة غير قابل للقسمة، وغير قابل للانكفاء، وغير قابل للمساومة على وعي وصمود شعب قالها بصراحة، وسط كل ما حل به "نحن شعب واحد"، "الشعب السوري واحد واحد"، لأن سوريا هذه، وقد تم اقتطاع أجزاء منها بفعل اتفاقيات استعمارية، وتواطؤ، إلا أن القاعدة الصلبة منها بقيت قوية وأمينة برغم كل ما حدث خلال المئة عام أو يزيد.

أ.ف.ب
صورة جوية جزءًا من حقل العمر النفطي في محافظة دير الزور شرقي سوريا، بتاريخ 19 يناير 2026

لأن الوحدة الوطنية السورية هذه قدر محتوم، وتمنٍّ غير قابل للانكسار، لأن هذه الوحدة هي خير لكل السوريين، من أي عرق كان ومن أي مذهب كان. وفي دراسة عميقة لهذه الأرض المباركة، وذلك الشعب العظيم الذي احتضن خمس عشرة حضارة مضت، واستوعب كل الهجرات القادمة من كل بلاد الدنيا، حتى الذين جاءوا غزاة، استوعبتهم بلادنا، واندمجوا فيها لأنها الأرض المباركة التي لا توصد أبوابها أمام القادمين، كملهوفين للاحتماء بها وفي كنف شعبها، ولا أمام من أراد بها شراً، فوجد فيها الكرم والإكرام، فانصهر الكل، وبقي الشعب هو الشعب، والأمة هي الأمة، واحدة تنطق بلسان عربي مبين، وتنشط فيها التجارة والزراعة والصناعة وتحقيق إنسانية الإنسان من أين أتى، وأقام فيها الغريب فأصبح قريباً، وتمت المصاهرات، وقامت المجمعات الوطنية في مدنها وأريافها، فلا تفريق بين هذا أو ذاك، وكانت قوية بهم ولهم، وكانت قريبة لهم وحامية، وهم حماة لها أصلاً وفصلاً. هذه سوريا، الوحدة الوطنية القوية ذات الإدراك العميق لمعنى المواطنة، وتعظيم الوطنية السورية، والانتماء لسوريا أرضاً وشعباً، عمقاً وإرادة وتنوعا بلا عنجهية أو تمييز عنصري. نحن سوريا وبلاد الشام وقلب العروبة، ننتمي للإسلام العظيم، ولكافة الأديان السماوية التي لا يكتمل إيماننا إلا بها والاعتراف لها.

وطن من لا وطن له

وإذا كانت سوريا كذلك، فهي وطن من لا وطن له، وقال علماء الآثار لكل إنسان وطن واحد، إلا في سوريا فهي وطن للآخرين، كناية عن قدرتها بآثارها وعمرانها وحياتها، فهي وطن قديم وجديد.

وإذا تعرضت سوريا لانتهاكات مارسها المستعمر الخارجي والمستبد الداخلي، فإنها تفوّقت عليهم، ودحرتهم، وأصبحوا من الماضي وتم نسيانهم، لأن أهم ميزة عند البشر هي ظاهرة النسيان، ولذلك سُمّي إنسانا، والسوريون حققوا انتصاراً بثورتهم، وتكاملت هذه الأيام بوحدة الأرض السورية، والشعب السوري، وهذا يزيد غناها ويزيدها نماءً ورقيا، وبلا أحقاد ولا ضغينة، لأن ديدن السوريين أن يعيشوا الحياة التي يختارونها، والنظام السياسي الذي يرتؤونه، والشؤون الاقتصادية لاستثمار ما فات من فرص، وتنمية وتعظيم الإنتاج في كل القطاعات، ووصل البلاد بالخدمات وتوزيع الثروة على من يعمل بها ولها، وتحقيق النهوض الاقتصادي، والفعل السياسي والاجتماعي لدولة الجميع مع مراعاة التركيز على القطاعات الإنتاجية، بما يحقق فورات في زيادة نسب النمو الاقتصادي، والناتج القومي الإجمالي والتشغيل لطالبيه، ووضع الرجل المناسب في مكانه المناسب بلا محاصصة ولا تعدٍّ ولا إهمال للقوى البشرية ولقوى الإنتاج.

انطلق قطار الوحدة الوطنية، وهذا القطار يحمل معه معظم الشعب، وحين ينطلق معظم الشعب لا جدوى من الوقوف أمامه وتعويقه، لأن في الإعاقة ندامة، وفي المسيرة الظاهرة السلامة للجميع

لقد انطلق قطار الوحدة الوطنية، وهذا القطار يحمل معه معظم الشعب، وحين ينطلق معظم الشعب لا جدوى من الوقوف أمامه وتعويقه، لأن في الإعاقة ندامة، وفي المسيرة الظاهرة السلامة للجميع، وتوحد الشعب السوري بجميع مكوّناته بعد مرور سنة واحدة على التحرير، وزادته هذه الوحدة الوطنية- نرجو أن تدوم- بهاءً وقدرةً على الإنجاز، والإنجاز يحتاج إلى استقرار، والاستقرار قد تحقق، وما على الذين يتولون المسؤولية، إلا أن يبادروا إلى التحرك والعمل ليلاً ونهاراً لتحقيق نهضة شاملة لبلادنا ولعموم المواطنين، وعلى المنظرين أن يكفوا عن اللغو والكلام، ووضع العصي في الدواليب، وهذا لا يعني أن نتوقف عن التقويم الصحيح لكل منجز فنحييه ونشجعه، وكل تعاون أو تخاذل فندلي بآرائنا لتصحيحه، وأن لا نكون الصوت الذي يسب ويشتم ويعيق الحركة.

دعونا نفتح قلوبنا وعقولنا لكل إنجاز، ولا ننجر وراء الإشاعات التي مجالها الإعاقة، ودس السم في العسل- كما يقال- لأن واجبنا كمواطنين- سواءً المسؤولين أو المراقبين- أن نحاول حماية السلم الأهلي دون إساءة لأي مكون من مكونات بلادنا، لأن الصفة الآن والأهلية للمواطن والوطن، ونترك ما كان سابقاً وراء ظهورنا، نحمي الوحدة الوطنية، ولا نلغي موقفنا كوطنيين في دولة المواطنة منطلقين من أهداف وطنية، تزيد من شد أواصر الوطنية، لا فرق بين هذا أو ذاك، كلهم في الوطنية سواء، وعلى الدولة أن تسارع لإحداث تنظيمات ودستور جديد يكون أباً لكل القوانين، وأن تركز على العقد الاجتماعي الشامل الكامل الذي يغذي ويقونن الوطنية السورية، ودولة المواطن الحر الأبي بلا تمييز بين من يسكن في الشرق أو الغرب، والشمال والجنوب، وهذه أمنيات الشعب الذي أتعبته مسيرة السنوات السابقة، وآن له أن يستريح ويكون منتجاً، إذ لا وقت للّتّ والعجن والتنابذ.

مسيرة الوطن تحتاج إلى كل الأيدي والأدمغة الفعالة في تحقيق النهضة المرجوّة، والقائمة على المواطنة أولاً، والتعايش ثانياً، والتشغيل الكامل لكل إمكانيات البلاد المادية والمعنوية، والاستثمار الأفضل في الإنسان 

مسيرة الوطن تحتاج إلى كل الأيدي والأدمغة الفعالة في تحقيق النهضة المرجوّة، والقائمة على المواطنة أولاً، والتعايش ثانياً، والتشغيل الكامل لكل إمكانيات البلاد المادية والمعنوية، والاستثمار الأفضل في الإنسان الذي هو أداة النهوض وغايته، والتركيز جيداً على إتاحة الفرصة لكل طالب علم وعمل، والبداية من المدرسة والمدرسين، والمشافي، والمراكز الصحية، وإذا كان التعليم للجميع شعار المرحلة القادمة، فإن الاستشفاء أيضاً للجميع، والعمل لطالبيه.

إن الحد من البطالة المقنّعة وغير المقنّعة إنقاذ للأمة ومسيرتها، فالعطالة عن العمل هدر للوقت وتضييع للفرص. كما أن تقوية الجيش والقوات المسلحة والأمن العام بجميع فروعه، يحقق الأمن والأمان لشعب عانى كثيراً وافتقده طويلاً، وكذلك إقامة العدل واحترام آدمية الإنسان (الذي كرّمه الله) فكيف لا تكرّمه دولتنا التي حققت الآن منجزات، وأمامها الكثير من المهام.

تناسي الأحقاد وإعادة اللحمة

إن التوجّه بكليتنا نحو تناسي الأحقاد، وإعادة اللحمة الوطنية والابتعاد عن الظلم والإكراه، وتعميق الصلات الوطنية من طريق تعميم الفرص والإنتاج وزيادة الإنتاج، وتنمية المقدّرات المادية والمعنوية التي هي لنا جميعاً ولخدمة تعظيم الدور الإنتاجي والاستهلاكي، حفاظاً على النعم التي وهبها الله لنا في هذا الوطن الزاخر بالخير العميم. ومن ذلك الزراعة. فالتركيز عليها وتطويرها مهم لأن نسبة كبيرة من أبناء شعبنا يشتغلون بها، وفي الزراعة بركة ومحاصيل حفاظاً على التنمية، وتأمين الغذاء للإنسان. وكذلك تربية وتنمية وتكاثر الثروة الحيوانية، والتشجيع على التشجير للأشجار المثمرة، لتكون سوريا كلها خضراء، وهذا يوفر مناخاً ملائماً ونعمةً، والشجرةُ رئة الوطن والعمل عليها لتنمية الأحراج في السهول والجبال والبراري. والمحافظة على الثروة المائية، ففي بلادنا فقر في المياه في مناطق كثيرة، والعمل على الاستثمار الأفضل لهذه الثروة وعدم إهدارها، وتنمية المورد المائي للأجيال، لأنها ثروة لا تستقيم الحياة من دونها. كما أن ذلك يمتد إلى عدم الإسراف في استهلاك الكهرباء في المنازل والدوائر الحكومية، واللجوء إلى استخدام الطاقات البديلة لإنتاج الكهرباء من الألواح الشمسية وطاقة الرياح، وتحقيق مبدأ الكهرباء حق لكل مواطن، بعد أن تم حرمانه طويلاً من هذه الخدمة اللازمة والداخلة إلى كل بيت، وكل مصنع، وكل دائرة، والتوزيع العادل للكهرباء وليس حصرها في الأحياء الراقية والمدن، لأن الأحياء الفقيرة تحتاجها، والأرياف تحتاجها، واستثمار الغاز الطبيعي، والغاز المرافق، والغازات المنبعثة من المصافي في إيصال خدمة الغاز لكل بيت في سوريا أسوة بما هو حاصل في معظم دول العالم، التي ليس فيها موارد نفطية ولا غازية.

إن تسهيل الحياة على شعبنا ضروري ولا تحتاج إلى تلكؤ أبداً، وكذلك المنتجات النفطية، وتقليل الهدر في استهلاك هذه المنتجات عن طريق تعميم النقل الجماعي داخل المدن ومنها للأرياف، واستثمار السكك الحديدية، وإقامة القطارات المريحة ورخيصة الثمن في النقل، وكذلك التنقل بواسطة بالترامواي وغيره، وإقامة شركات للنقل بواسطة الشاحنات من وإلى مراكز الاستهلاك والدول المجاورة، وتعميم خدمة القطارات السريعة لربط مناطق الإنتاج بمناطق الاستهلاك داخلياً، والتصدير إلى الدول المجاورة وما بعد المجاورة، وتوسيع الموانئ البحرية، والمناطق الصناعية، والموانئ الجوية، وسرعة الربط بين أطراف الجمهورية، لأن النقل هذا، عدا عن أنه يزيد الإنتاج، فإنه يحقق تزايدا في الانتماء والربط بين أطراف سوريا والعالم الخارجي.

لا يغيب عن بالنا أبداً ضرورة الإسراع بالإسكان للذين تهدّمت بيوتهم، ولأبناء المخيمات، وللمهجرين داخل البلاد وخارجها، وتعميم إنشاء القرى الاقتصادية في الأرياف لاستيعاب سكانها الذين لا مأوى لهم حتى تاريخه

الإسراع بالإسكان

ولا يغيب عن بالنا أبداً ضرورة الإسراع بالإسكان للذين تهدّمت بيوتهم، ولأبناء المخيمات، وللمهجرين داخل البلاد وخارجها، وتعميم إنشاء القرى الاقتصادية في الأرياف لاستيعاب سكانها الذين لا مأوى لهم حتى تاريخه، والبيت الريفي هذا يحقق إسكان أهالي الريف، الذين يسارعون إلى الإنتاج الزراعي والحيواني، ويشجعهم على الإنتاج والاستهلاك، وتنمية المشاريع المتناهية الصغر لتعميم الفائدة الأكبر لشريحة من المجتمع وفي كل المناطق، وأن تساهم البنوك والمصارف بتقديم القروض الصغيرة والمتوسطة لتنمية هذه المشاريع الصغيرة التي تدر دخلاً وتشكل دورة استثمارية منتجة.

إن اكتمال تحقيق الوحدة الوطنية في سوريا تشكل نقطة انطلاق لتحريك كل القوى المنتجة الكامنة في المجتمع السوري، وبداية ممتازة ليجعل من سوريا ورشات إنتاجية مؤثرةً، بدءاً من المشروعات الصغيرة إلى المتوسطة، وإلى المشاريع الاستراتيجية الكبرى. وكل ذلك يتحقق بالتحرك السريع، وعلى كل المستويات الفاعلة في الدولة والدوائر الحكومية والوزارات والمؤسسات والهيئات دون تأجيل أو تقاعس، مع ما يترتب على ذلك من بنية قانونية واضحة وتصوّرات هيكلية لشتى فروع الاقتصاد الوطني، وتوزيع وتوطين المشاريع في جميع المحافظات وفق نظام اقتصادي مدروس يراعي المزايا النسبية لكل محافظة، شريطة أن تكون هذه المشاريع ذات جدوى اقتصادية مربحة وسريعة، لاسترداد رأس المال، وهذا ما يحرص عليه القطاع الخاص في كل دول العالم. وأن بعثرة المشاريع وتوزّعها يزيد من التكاليف والمخاطر، ولذلك لجأت معظم دول العالم التي كانت في وضع مشابه لوضعنا إلى إيجاد مناطق زراعية وصناعية وخدمية تعطي دفعاً قويا لتحقيق أهداف المرحلة، وهي الإنتاج بتكاليف قليلة نسبياً، وتوزيع هذه المنتجات لإشباع السوق المحلية أولاً والتصدير، وأن النظريات الاقتصادية التي درسناها للتنمية والتنوّع وزيادة الإنتاج في معظم دول العالم استهدفت الأسواق الداخلية أولاً، ثم الانتقال لتصدير الفائض، وإن من حكمتهم النظرية لتصدير كل شيء، قد أوجد فراغاً كبيراً بين الإنتاج والاستهلاك لأن المنفعة العامة، تبدأ محليا، ثم تصديريا.

تنوّع الإنتاج في سوريا، في كل القطاعات، قادر خلال مدة زمنية محددة أن يطور من أدوات الإنتاج، وتشكيل فائض من هذه المنتجات للتصدير

وحقيقة الأمر، إن التنوّع في الإنتاج في سوريا، في كل القطاعات، قادر خلال مدة زمنية محددة أن يطور من أدوات الإنتاج، وتشكيل فائض من هذه المنتجات للتصدير، وهنا لا بد أن نؤكد على أهمية التجارة الخارجية، شريطة أن نراعي توازن كفّتي الميزان التجاري، وبالتالي ميزان المدفوعات. كما أن تطوير القطاع المالي والمصرفي داخليا ومع الخارج، يحقق تسهيل عمليات التبادل (تصديرا واستيرادا) بشكل تنظمه السياسة المالية للدولة، وأدواتها هي البنك المركزي وسائر القطاع المصرفي. وأن عملية الضبط والربط في هذا القطاع يحد من تنامي مؤشرات التضخّم والسيطرة عليها، كما يحد من توسّع السياسة المالية الانكماشية التي تحدثه. إن موضوع العمل الاقتصادي يجب أن يكون موجّهاً بكثير من الحذر، وهنا تكون البداية من استقدام الاستثمار الإنتاجي الذي يشغل ماكينة الاقتصاد الوطني بجميع مفاعيلها، ولا يعتمد على تكديس الاستثمارات في المشاريع المظهرية التي لا تخدم قضية الإنتاج المستمر والمتواصل، والذي له علاقة بالمواد الزراعية والمواد الأحفورية، وخدمات الإنتاج. إنّ سوريا اليوم تُعتبر أرضاً بكراً للعمل الإنتاجي، فحيثما وجّهت استثماراتك فربحك أكيد، بشرط عدم الاستغراق في البحث عن الربح السريع، وأعتقد أن قانون الاستثمار السوري يعطي لكل ذي حق حقه.

رويترز
سوري يلوح بأوراق العملة السورية الجديدة أمام متجر صرافة وسط دمشق، 4 يناير 2026

ومن هنا لا بد أن تنطلق عملية التنمية المستمرة والمتوازنة من إعادة درس إنتاج ما عندنا من أراضٍ زراعية وقدرات إنتاجية، يحققها الأفراد والعاملون في الزراعة، أو إقامة شركات زراعية ذات تكامل وترابط أمامي وخلفي، ومثل ذلك موجود في المملكة العربية السعودية وفي دول أخرى، وكذلك العودة لإعادة تقويم الشركات والمصانع والمعامل الموجودة تحت أيدي الدولة، وهي موروثة بكل هياكلها وخطوط إنتاجها، وتحتاج إلى إعادة تجديد، وأن يقوم القطاع الصناعي والوزارات المختصة بوضع خطة لإعادة الدفع بهذه الشركات والمصانع والمعامل، وتجديد خطوط الإنتاج، وإعادتها للعمل وفق نظام إداري متوازن ودراسات، ومحاسبة تكاليف ومحاسبة مالية، لأن الغرض الحالي منها يختلف عما كان سابقاً، حيث كانت في السابق حسب نظريات غير متزنة ولا اقتصادية ولا إدارية ولا محاسبية، بل كانت ذات صفة اجتماعية، وتكديس للعاملين وزيادة الرواتب دون الإنتاج والتخطيط القائم على افتراضات غير منطقية، وأحد أسباب فشلها كان ما يجبى منها من ضرائب على الخطة الإنتاجية، علماً أن المخزون كان مكدساً في المخازن. أضف لذلك موضوع الانقطاع المحزن للكهرباء، وإدارات الوصاية المعروفة، ولكلّ هذا لا بد من نسف ما سبق، والعمل بالمنطق الإنتاجي والمحاسبي الإداري المعروف، لأن هذه الشركات وتلك المعامل، هدفها في النهاية تحقيق أرباح تصب في الخزينة العامة للدولة، وليس تكبيدها خسائر، والتوسع في العمل الاقتصادي الرأسي.

font change