في حياة الشعوب، أجيال يواعدها القدر ويختصها دون غيرها، لأن تشهد التحولات الحاسمة في حياتها، وتكون مندمجة في أحداثها ومآلاتها، وهذه التحولات الكبرى قد تكون قاسية ومؤلمة، ولكن بالإصرار والعمل على تجاوزها، تصبح لصيقة بالاستيعاب الكبير للمهمات التي تنتظرها، إنْ نصراً كان أو هزيمة، ويقع على عاتق الجيل أو الأجيال التي تندمج في هذه المسيرة أو المسيرات، التعبير عن كينونتها وتفاعلها، وإعطاؤها الزخم اللازم لإعادة التوازن لهذه المدة الزمنية، التي قد تطول أو تقصر، وقد لا يتحقق شيء على أرض الواقع، وقد تبدأ أجيال جديدة تستوعب هذه التحولات، وتأخذ على عاتقها تكملة المشوار وتلك المسيرة.
وقد كانت الشعوب الدائبة والمستمرة قوية ومتحدة، وقد تصل لتحقيق الأهداف المرحلية والمتواصلة، وقد تبدو وكأنها تسير نحو المجهول أحياناً، ونحو الحقيقة أحياناً أخرى، ومن هنا كانت البدايات الصعبة، والتوجهات الحالمة، والحماس المنقطع النظير، وما يرافق ذلك من خيبات وتضحيات وآلام، وبقدر ما يكون التحدي والسطوة قوية، بقدر ما تكون صلابة الشعوب قوية، فليس السهل دائماً هو الذي يتحقق، ولكن ركوب الصعاب والتضحية من أجله، حتى يكون دافعاً نحو تحقيق ما بدا وكأنه المستحيل، أو هو ذلك، وتضحيات الشعوب وإصرارها، وقيادة هذه الشعوب هي التي تعطي قوة الدفع نحو تحقيق ما كان مستحيلاً، أو غامضاً وغير مفهوم، وبحجم الإصرار، كانت الأهداف الكبرى في التاريخ، قوية وأمينة على تحقيق الأهداف الكاملة أو المرحلية، والمراحل تلك تراكمية ومنطلقة ومتواترة، ونهايتها محتومة، وتلك هي المقدمة التاريخية.
إن انتصارات الشعوب كانت تاريخيا في ذهنية القادة، والعمل عليها، وكم هي الشعوب التي نهضت لتحقيق استقلالها وبناء وحداتها الوطنية، علامة مضيئة في طريق النصر، ولو طال المسير، وأمامنا لوحات من ذلك عاشتها الشعوب المستعمرة، من الاستعمار الكولونيالي، والعسف الإرهابي لدول كانت تتحكم بمصائر الأمم وتشل فاعليتها، والأهداف لذلك في البداية والنهاية، تتمثّل في استعباد الأمم المستهدفة، ونهب خيراتها، أو استثمار إمكانياتها لإفقارها وعوزها، وتنعم الدول الاستعمارية والأنظمة المستبدة بكل مظاهر التقدم والتطور، وبناء الإمبراطوريات الكبرى، التي كانت ولا زالت، واضحة المعالم، قوية التأثير، تنعم شعوبها بكل وسائل الرفاهية، وتحقق الإنجازات العملية، في الوقت الذي بقيت فيه شعوب أخرى ترزح تحت نير القهر والخوف والتخلف والجهل، وتُركت تستجدي المساعدات من لدن تلك الدول، التي نهبت وتربعت على عرش القوة والحنكة، والمنح والمنع، تتحكم بالقانون الدولي، وكل منطلقات الاستبداد، وأصبحت تلك البلدان تابعة لها اقتصاديا وسياسيا وفكريا واجتماعيا حتى بعد رحيلها، والأمثلة كثيرة تنوء بها الذاكرة الإنسانية، وذاكرة الخارطة التي أمامنا. شعوب تعيش تحت خط الفقر، وتحاول لكن محاولاتها تصطدم بالإمكانيات المادية والمعنوية، وتلك إذنْ، يشكل ظاهرها محاولة التقدم، وباطنها ظهور بثور الورم والوهن والاستكانة. وقد قامت قيادات تريد أن تنهض بأمتها، ولكنها وجدت التكبيل بآلاف المشاكل والعقد.

