لم يدخل المغني والرابر البورتوريكي باد باني، واسمه الحقيقي بينيتو أنطونيو مارتينيز أوكاسيو، إلى قلب السياسة الأميركية عبر تأييد مرشح بعينه. بل ارتقى من موسيقى التْرابْ (Trap) والريغيتون الناطقة بالإسبانية إلى الصدارة، دون أن يرى في الإنكليزية شرطا للانتشار العالمي، الأمر الذي يضفي سياقا خاصا على تصريحاته.
في أوائل فبراير/شباط 2026، تعزّز حضوره الإعلامي من خلال حدثين، واحد فني والآخر رياضي. ففي حفل توزيع جوائز "غْرَاميز" (Grammys)، استغل خطاب قبوله الجائزة للحديث عن أشخاص يغادرون أوطانهم بحثا عن حياة جديدة في مكان آخر، موجّها انتقادات إلى إدارة الهجرة والجمارك الأميركية. وردّت المتحدثة باسم البيت الأبيض علنا، متهمة إياه بتشويه صورة جهات إنفاذ القانون، واصفة الموقف بالمفارقة؛ إذ تحوّل خطاب تسلّم جائزة إلى جدل حادّ تصدّر الصفحات الأولى بشأن تطبيق قوانين الهجرة.
وبعد أيام قليلة، وخلال مباراة "سوبر بول" (LX) في سانتا كلارا، قدم باد باني عرض استراحة ما بين الشوطين بالإسبانية بالكامل. وصمم العرض ليكون رسالة قارية جامعة، فاستحضر دولا من الأميركتين، وقدم "أميركا" باعتبارها قارة لا تختزل في الولايات المتحدة. وأعلنت "آبل ميوزك" عن تفاعل غير مسبوق، مشيرة إلى ارتفاع معدلات الاستماع سبعة أضعاف فور انتهاء العرض. تكشف هذه الوقائع مجتمعة لماذا بات باد باني فاعلا في الشأن السياسي والاجتماعي العام، إذ تجعل شعبيته من الصعب تهميش الجدل حول اللغة وسياسات الهجرة والانتماء.
الهوية السياسية لموطنه الأصلي بورتوريكو لا تزال محورا أساسيا في لغة باد باني الفنية، فالجزيرة الكاريبية بتاريخها، وثقافتها، وصراعاتها، تشكّل جزءا جوهريا من هويته الفنية. هو يعود إليها باستمرار في أغانيه وصوره ورموزه.
بورتوريكو تمثل حالة معقدة لباد باني، تتأرجح بين الهوية الثقافية القوية والمميزة، والوضع السياسي المنقوص، فسيادتها غير مكتملة، إذ إنها تابعة للولايات المتحدة سياسيا، فسكانها مواطنون أميركيون وفخورون بذلك، لكنهم ناطقون بالإسبانية، ولا يسمح لهم بالتصويت في الانتخابات الرئاسية أو انتخاب ممثلين لهم في الكونغرس الأميركي مع أن القوانين الأميركية تمسهم بشكل مباشر مما يخلق توترا دائما بين الهوية المحلية والواقع السياسي.
وتكشف المرحلة المبكرة من حياة باد باني عن قدرٍ لافت من الإصرار على طموحه، رغم أن ملامح مستقبله لم تكن واضحة بعد. فبين مقاعد المدرسة والجامعة والعمل المتواضع في متجر كعامل تعبئة يحمل البضائع وكاشير لزيادة دخله، كان يسجل أغانيه بعد أن لفتت موهبته في التأليف والتلحين والغناء في سن الرابعة عشرة المنتجين، دون أن يدري أنه سيصبح لاحقا أحد أكثر الفنانين الناطقين بالإسبانية مبيعا وانتشارا في العالم. كان يتحرك بدافع الشغف وحده، لا بوعد النجاح.
وبعد تخرّجه من المدرسة الثانوية عام 2012، التحق باد باني ببرنامج الاتصالات السمعية‑البصرية في جامعة بورتوريكو في أريسيبو، وكان يطمح لأن يصبح مقدّما إذاعيا، لمساعدة أبيه سائق الحافلة، وأمه المدرسة. إلا أنه غادر الجامعة قبل إكمال دراسته ليتفرغ لتحقيق طموحاته الموسيقية. واختيرت أغانيه عبر منصة ساوندكلاود من ضمن أفضل الأغاني في أميركا اللاتينية خلال الأعوام اللاحقة، ليوقع بعدها عقودا كبيرة ابتداءً من 2016 إلى يومنا هذا، وبلغت ثروته نحو 100 مليون دولار أميركي.


